١٠/ ١٠ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «طُهُورُ إنَاءِ أَحدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُوْلَاهُنَّ بِالتُّرابِ». أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ.
وَفي لَفْظٍ لَهُ: «فَلْيُرِقْهُ».
وَلِلتِّرْمِذِيِّ: «أُخْراهُنَّ، أو أولَاهُنَّ بالتُّراب».
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم رقم (٢٧٩) (٩١) في كتاب «الطهارة» باب «حكم ولوغ الكلب» من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، به. وفي لفظ له برقم (٨٩) من طريق علي بن مُسهر، أخبرنا الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات»، وأخرجه النسائي (١/ ٥٣) - أيضًا - بهذا الإسناد، وقد طعن بعض الحفاظ في لفظة (فليرقه)، وقد أشار مسلم إلى تفرد علي بن مُسْهر بها - كما سيأتي إن شاء الله - لأن الحديث قد رواه تسعة أنفس عن الأعمش، ولم يذكروا هذه اللفظة، وعلى رأسهم شعبة، وأبو معاوية، وهو من أخصِّ أصحاب الأعمش، كما روى الحديث عن أبي هريرة ﵁ عشرة من غير طريق الأعمش، وليس فيه هذه اللفظة (^١).
_________________
(١) انظر: "التمهيد" (١٨/ ٢٧٣)، "موسوعة أحكام الطهارة" للدبيان (١/ ٣٦٣).
[ ١ / ٥٢ ]
ولعل الحافظ اقتصر على رواية مسلم؛ لأنها أتمُّ من رواية البخاري، حيث لم يُذكر فيها التراب، وإلا فالحديث أصله في الصحيحين، ولفظه: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات»، زاد مسلم: «أولاهن بالتراب» وله شاهد من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفّروه الثامنة بالتراب» أخرجه مسلم (٢٨٠) (٩٣).
وأخرجه الترمذي برقم (٩١) من طريق أيوب، عن ابن سيرين، به، ولفظه: «يُغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، أُولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة»، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (طهور إناء أحدكم) بضم الطاء، ويجوز فتحها؛ أي: مطهِّر، وهو مبتدأ، خبره المصدر المؤول في قوله: «أن يغسله» أي: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب غَسْلُهُ سبع مرات.
قوله: (إذا ولغ فيه الكلب) يقال: وَلَغَ الكلب يلَغُ، بفتح اللام فيهما، ولَغًا وولوغًا، وحُكي في المضارع كسر اللام: إذا شرب أو أدخل طرف لسانه وحركه، وفي رواية لمسلم: «إذا شرب»، و(أل) في الكلب للاستغراق، فيشمل جميع أنواع الكلاب على ما رجحه أبو عبيد (^١)؛ لأنه صيغة عموم، فلا يجوز تخصيصها إلا بمخصص من الشارع، وعليه فلا فرق بين الكلب المأذون فيه، ككلب الصيد وحراسة الماشية والزرع، وغير المأذون فيه، وهو ما عداها (^٢).
قوله: (سبع مرات) منصوب على أنه مفعول مطلق نائب عن المصدر، والأصل فليغسله مراتٍ سبعًا؛ أي: غسلًا سبعًا، كقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
قوله: (أولاهن بالتراب) صفة لسبع مرات، والباء في قوله: (بالتراب) للمصاحبة؛ أي: مع التراب.
_________________
(١) انظر: "الطهور" ص (٢٧٠).
(٢) في هذه المسألة بحث سيأتي -إن شاء الله- في أول كتاب "الصيد".
[ ١ / ٥٣ ]
الوجه الثالث: الحديث دليل على نجاسة الكلب، لقوله: «طهور إناء أحدكم»، ولفظ الطهور لا يكون إلا من حدث أو نجاسة، ولا يتصور وجود الحدث على الإناء، فلم يبق إلا النجاسة، ولأنه أمر بإراقة ما في الإناء - كما سيأتي إن شاء الله ـ، وإذا كان هذا كله في فم الكلب وهو أطيب ما فيه لكثرة ما يلهث، فبقية أجزائه من باب أولى.
وقد رَدَّ ابن دقيق العيد على من حمل أحاديث الولوغ على التعبد فقال: (.. والحمل على التنجيس أولى؛ لأنه متى دار الحكم بين كونه تعبدًا، وبين كونه معقول المعنى، كان حمله على كونه معقول المعنى أولى؛ لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى) (^١).
الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب تطهير ما ولغ فيه الكلب سبع مرات؛ لأن نجاسة الكلب أغلظ النجاسات، ولعابه وكل ما يخرج من بدنه من بول أو عرق وغيرهما نجس.
وظاهر حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أن الغسل ثمان؛ لأنه قال: «وعفروه الثامنة بالتراب»، فيكون دليلًا على وجوب الغسلة الثامنة، قال ابن عبد البر: (بهذا الحديث كان يفتي الحسن البصري، أن يُغسل الإناء سبع مرات والثامنة بالتراب، ولا أعلم أحدًا كان يفتي بذلك غيره) (^٢)، وتبعه على ذلك ابن دقيق العيد (^٣)، ولعل ابن عبد البر يريد من المتقدمين، وإلا فهو رواية عن الإمام أحمد، كما في «المغني» (^٤)، وعن مالك كما في «التلخيص» (^٥).
فمن أهل العلم من رجح حديث أبي هريرة ﵁ وأن الغسلات سبع، وأجاب عن حديث ابن مغفل بأجوبة منها:
أن جعلها ثامنة لأن التراب جنس غير جنس الماء، فجعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدودًا باثنين، فكأن التراب قائم مقام غسلة، فسميت ثامنة.
_________________
(١) "شرح العمدة" (١/ ١٤٥).
(٢) "التمهيد" (١٨/ ٢٦٦).
(٣) "شرح العمدة" (١/ ١٥٥).
(٤) "المغني" (١/ ٧٣).
(٥) "التلخيص" (١/ ٣٦).
[ ١ / ٥٤ ]
قالوا: وأبو هريرة أحفظ مَنْ روى الحديث في دهره، فروايته أولى.
ومنهم من رجح رواية ابن مغفل ﵁؛ لأنه زاد الغسلة الثامنة، والزيادة مقبولة خصوصًا من مثله، وهذا لا بأس به؛ لأنه أَخْذٌ بظواهر النصوص، وفيه معنى الاحتياط.
الوجه الخامس: تعدد الغسلات خاص بنجاسة الكلب، ولا يقاس عليه غيره كالخنزير؛ لأن العبادات توقيفية، وهذه أمور لا تدرك بالرأي والقياس، ولم يأت في غير الكلب تعدد الغسل، والخنزير مذكور في القران وموجود في زمن النبي ﷺ، ولم يرد إلحاقه، فنجاسته كنجاسة غيره.
أما بقية النجاسات فالواجب فيها غسلة واحدة، تذهب بعين النجاسة وأثرها، فإن لم تذهب زاد حتى يذهب أثرها، ولو جاوز السبع، سواء أكان ذلك في الأرض أم الثوب أم الفرش أم الأواني، وهذا قول الجمهور، لقوله ﷺ: «إذا أصاب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء ثم لتصلِّ فيه» (^١). ولم يأمر فيه بعدد، ولو أراده لبينه، كما في حديث الولوغ، ولأن المقصود إزالة النجاسة، فمتى زالت زال حكمها.
الوجه السادس: نص النبي ﷺ على الولوغ لأنه هو الغالب، إذ أن الكلب لا يجعل بوله أو رجيعه في الأواني، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فتكون نجاسة الكلب عامة لجميع بدنه، وتغسل بهذه الصفة المذكورة، وهذا قول الجمهور.
وقالت الظاهرية: إن الغسل سبعًا خاص بنجاسة الولوغ، أما بوله أو روثه أو دمه أو عرقه فكسائر النجاسات، قال النووي: (وهذا متجه، وهو قوي من حيث الدليل) (^٢)، واختاره الشوكاني (^٣)، قالوا: لأن قوله: «إذا ولغ أو إذا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٧)، ومسلم (٢٩١)، وسيأتي الكلام عليه برقم (٣٠).
(٢) "المجموع" (٢/ ٥٨٦)، وقد وصف هذا القول في "روضة الطالبين" (١/ ٣٢) بأنه وجه شاذ في مذهب الشافعية.
(٣) "السيل الجرار" (١/ ٣٧).
[ ١ / ٥٥ ]
شرب ..» يدل على أن هذا الحكم لا يتعدى الولوغ والشرب؛ لأن مفهوم الشرط حجة عند الأكثرين، ومفهومه أن الحكم ليس كذلك عند عدم الشرط، وقد أجاب الحافظ العراقي بأن تقييد النبي ﷺ للولوغ خرج مخرج الغالب، لا مخرج الشرط؛ لأن الكلاب إنما تقصد الأواني غالبًا لتشرب منها أو تأكل، لا لتضع أرجلها وأيديها فيها، فقيد بالولوغ لأنه الغالب من حالها (^١).
ومذهب الجمهور هو الأحوط في هذه المسألة، والله أعلم.
الوجه السابع: الحديث نص في وجوب التطهير بالتراب مع الماء، لخبث نجاسة الكلب، وهو قول الشافعية والحنابلة (^٢) ولا فرق بين أن يخلط الماء بالتراب حتى يتكدر الماء، أو يصب الماء على التراب، ولا يقوم غير التراب - كالأشنان، والصابون - مقامه، إلا إذا تعذر؛ لأن النص إذا ورد بشيء معين، واحتمل معنى يختص بذلك الشيء لم يجز إلغاء النصوص وترك ما عُيِّنَ فيها.
والأمر بالتراب، وإن كان يحتمل أنه لزيادة التنظيف، لكن لا يجزم بتعيين ذلك المعنى؛ لأنه يزاحمه معنى اخر وهو الجمع بين مطهرين: الماء والتراب، وهذا مفقود في الصابون أو الأشنان، والقاعدة في الأصول: أن المعنى المستنبط إذا عاد على النص بإبطال أو تخصيص فهو مردود (^٣).
الوجه الثامن: ذُكِرَ موضع التراب في أحاديث الباب على أوجه متعددة، فقد ورد: «أُولاهن بالتراب»، وفي حديث ابن مغفل: «وعفروه الثامنة بالتراب»، وعند الترمذي: «أولاهن أو أخراهن»، وعند الدارقطني وغيره «إحداهن» (^٤)، وعند الطحاوي (^٥): «أولاها - أو السابعة - بالتراب».
_________________
(١) انظر: "طرح التثريب" (٢/ ١٢٢).
(٢) "شرح النووي على صحيح مسلم" (٣/ ١٨٩)، "نهاية المحتاج" (١/ ٢٣٦)، "الإنصاف" (١/ ٣١٠).
(٣) انظر: "الإحكام" لابن دقيق العيد (١/ ١٦١ - ١٦٢).
(٤) "السنن" (١/ ٢٤١).
(٥) "شرح معاني الآثار" (١/ ٢١).
[ ١ / ٥٦ ]
وهذا لا يضر ولا يقتضي إلغاء التراب، لوجود الاضطراب، كما ذهبت إليه الحنفية والمالكية (^١)، وذلك أن الحديث المضطرب إنما تتساقط رواياته إذا تساوت وجوه الاضطراب، أما إذا ترجح بعضها فالحكم للرواية الراجحة، ولا يقدح فيها رواية من خالفها، كما هو معروف في علوم الحديث.
ورواية: (أُولاهن) أرجحها؛ لأنها جاءت في حديث أبي هريرة ﵁ من طريق ابن سيرين عنه، ورواها عن ابن سيرين ثلاثة: هشام بن حسان، وحبيب بن الشهيد، وأيوب السختياني، وقد أخرجها مسلم في «صحيحه» من رواية هشام، فتترجح بثلاثة أمور:
١ - كثرة الرواة.
٢ - تخريج أحد الشيخين لها، وهما من وجوه الترجيح عند التعارض.
٣ - من حيث المعنى؛ لأن تتريب الأولى يجعل ما بعدها من الماء مزيلًا لأثر التراب، بخلاف ما لو كان في السابعة فإنه يحتاج إلى غسلة أخرى لتنظيفه.
وأما رواية الترمذي: «أولاهن أو أُخراهن» فإن كان ذلك من كلام الشارع فهو دليل على التخيير بينهما، وإن كان شكًا من بعض الرواة فالتعارض قائم، ويرجع إلى الترجيح، فترجح الأولى كما تقدم، ومما يؤيد أن ذلك شك من بعض الرواة قول الترمذي في روايته: «أولاهن - أو قال: أخراهن - بالتراب».
أما رواية: (إحداهن) فليست في شيء من الكتب الستة، وإنما هي عند الدارقطني والبزار (^٢)، ولا تعارض غيرها لأنها مبهمة، والأولى أو السابعة معينة، فيحمل المطلق على المقيد، وترجح رواية: (أولاهن) كما تقدم.
وأما حديث: «وعفروه الثامنة بالتراب» فهي ثامنة باعتبار زيادتها على سبع الغسلات بالماء، لا باعتبار أنها الأخيرة، وعلى هذا فلا يخالف ذلك كون التراب في الأولى، والله أعلم.
_________________
(١) "شرح العمدة" لابن الملقن (١/ ٣٠٨)، "طرح التثريب" (٢/ ١٢٩ - ١٣٠).
(٢) انظر: "البدر المنير" (٢/ ٣٣٠).
[ ١ / ٥٧ ]
الوجه التاسع: في الحديث دليل على وجوب إراقة ما في الإناء من ماء أو لبن أو غيرها، وهذا يدل على نجاسة لعاب الكلب وأن لريقه أثرًا فيه، ولأن الأواني في الغالب صغيرة، والماء فيها قليل، وليس كثيرًا يدفع عن نفسه النجاسة، ولو كان ما في الإناء طاهرًا لم يؤمر بالإراقة؛ لأن في ذلك إتلاف المال وإضاعته، وذلك منهي عنه.
لكن قد طعن بعض الحفاظ في لفظة: «فليرقه» وقد جاءت من طريق علي بن مسهر، أخبرنا الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة ﵁. وقد أشار الإمام مسلم إلى تفرد عليّ بن مسهر بهذه اللفظة. وقال النسائي: (لا أعلم أحدًا تابع عليَّ بن مسهر على قوله: «فليرقه») (^١)، وقريب من ذلك قال ابن منده (^٢).
قال العراقي: (وهذا غير قادح، فإن زيادة الثقة مقبولة عند أكثر العلماء .. وعلي بن مسهر وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والعجلي وغيرهم، وهو أحد الحفاظ الذين احتج بهم الشيخان، وما علمت أحدًا تكلم فيه، فلا يضر تفرده) (^٣).
وقال ابن الملقن: (لا يضر تفرده بها، فإن علي بن مسهر إمام حافظ متفق على عدالته والاحتجاج به، ولهذا قال الدارقطني بعد أن رواها: «إسنادها حسن، ورواتها ثقات» (^٤)، ورواها إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في «صحيحه» (^٥)، ولفظه: «فليهرقه»، وظاهر هذه الرواية: وجوب إراقة الماء والطعام …) (^٦).
والذي يظهر أن هذه اللفظة غير محفوظة، لأن مخالفة علي بن مُسهر للأكثرين الذين لم يذكروها يوجب الحكم بشذوذها، وقد قال عنه الحافظ في «التقريب» (ثقة له غرائب بعد أن أضر) وكلام الأئمة الكبار مقدم على كلام من جاء بعدهم، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "سنن النسائي" (١/ ٥٣).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٣٣١).
(٣) "طرح التثريب" (٢/ ١٢١).
(٤) "سنن الدارقطني" (١/ ٦٤).
(٥) "صحيح ابن خزيمة" (٩٨).
(٦) "شرح العمدة" (١/ ٣٠٦)، "البدر المنير" (٢/ ٣٢٥).
[ ١ / ٥٨ ]