٣٥/ ٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصم - ﵁ - ﵁ - في صِفَةِ الْوُضُوءِ - قَالَ: وَمَسَحَ ﷺ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ: بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المزني ﵁، شهد غزوة أحد وما بعدها، واختلف في شهوده غزوة بدر، روى عن النبي ﷺ حديث الوضوء، وعدة أحاديث ذكر ابن الملقن أنها ثمانية وأربعون حديثًا (^١)، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية منها، ولما غزا الناس اليمامة شارك عبد الله بن زيد وَحْشِيَّ بن حرب في قتل مسيلمة، وقُتل ﵁ يوم الحرة، سنة ثلاث وستين (^٢).
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» (١٨٦) ومسلم (٢٣٥) من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، قال: شهدت عمرو بن أبي حسن، سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ، فدعا بِتَوْرٍ من ماء فتوضأ لهم وضوء النبي ﷺ، وساق الحديث .. إلى أن قال: ثم
_________________
(١) "شرح العمدة" (١/ ٣٧٠).
(٢) "الإصابة" (٦/ ٩١).
[ ١ / ١٥٦ ]
أدخل يده فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة .. الحديث.
واللفظ المذكور بعد ذلك أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» (١٨٥) باب «مسح الرأس» ومسلم (٢٣٥)، من حديث عبد الله بن زيد ﵁.
ولعل غرض الحافظ من سياق هذا اللفظ تفسير الإقبال والإدبار في اللفظ الذي قبله، فإن هذا اللفظ أوضح في المراد.
وحديث عبد الله بن زيد قد استوفى صفة وضوء النبي ﷺ، وهو يفيد ما أفاده حديث عثمان ﵁، إلا أن فيه زيادة بيان صفة مسح الرأس، وهي لم ترد في حديث عثمان ﵁، فلذا ساق الحافظ هذا القدر من الحديث.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (فأقبل بيديه) أي: بدأ بِقَبْلِ رأسه، يعني مقدمه، والقَبْلُ من كل شيء: خلاف دبره.
قوله: (وأدبر) أي: رجع بهما من دبر الرأس، أي: مؤخره.
قوله: (ذهب بهما إلى قفاه) أي: أوصل يديه إلى قفاه، والقفا: مؤخر الرأس والعنق.
الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب استيعاب الرأس عند المسح، وهو قول مالك والمشهور عن أحمد (^١)، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢) وابن كثير (^٣)، لقوله: (مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر) ويكون فعله ﷺ بيانًا لمجمل القران في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
وقالت الشافعية وأصحاب الرأي: يجزئ مسح بعض الرأس، بل عند الشافعية يكفي ما يقع عليه اسم المسح وإن قل (^٤)؛ لحديث المغيرة أنه ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة (^٥)، قالوا: وهذا يمنع وجوب الاستيعاب،
_________________
(١) "الاستذكار" (٢/ ٣٠)، "الإنصاف" (١/ ١٦١).
(٢) "الفتاوى" (٢/ ١٢٣١).
(٣) "تفسير ابن كثير" (٣/ ٤٦).
(٤) "حاشية ابن عابدين" (١/ ٩٩)، "المجموع" (١/ ٣٩٨).
(٥) أخرجه مسلم (٢٧٤) (٨٣)، وسيأتي بعد عشرة أحاديث إن شاء الله.
[ ١ / ١٥٧ ]
والحق أنه لا دليل فيه إلا لو كان ﷺ اقتصر على مسح الناصية، ولكنه لم يكتف بذلك بل أتم مسحه لباقي رأسه، وهو ما كانت تغطيه العمامة، فدلالته على الاستيعاب أولى، وسيأتي هذا الحديث إن شاء الله تعالى.
الوجه الخامس: الحديث دليل على صفة مسح الرأس، وهو أن يبدأ بمقدم رأسه، فيذهب بيديه إلى قفاه أعلى الرقبة، ثم يردهما حتى يصل إلى المكان الذي بدأ منه، وهو مبتدأ الشعر على حد الوجه، وقد دل على هذه الصفة قوله: (بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه).
والقول الثاني في تفسير الإقبال والإدبار أن يبدأ بمؤخر رأسه، فيقبل إلى جهة الوجه، ثم يدبر فيرجع إلى المؤخر، أخذًا بظاهر قوله: (فأقبل بيديه وأدبر) ولما ورد في حديث الرُّبيِّع بنت معوذ: (أن النبي ﷺ مسح برأسه مرتين: بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه) (^١).
وأجاب الأولون عن هذه اللفظة: (أقبل بيديه وأدبر)، بثلاثة أجوبة:
١ - أن الواو لا تقتضي الترتيب، وأن التقدير: أدبر وأقبل، ويؤيد ذلك ما ورد عند البخاري من طريق سليمان بن بلال بلفظ: (فمسح رأسه، فأدبر به وأقبل) (^٢).
٢ - أن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية التي تنسب إلى ما يقبل إليه ويدبر عنه، والمؤخر محل يمكن أن ينسب إليه الإقبال والإدبار.
٣ - أن يحمل قوله: (أقبل) على البداءة بالقبل وهو مقدم الرأس و(أدبر)
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٣) وقال: (هذا حديث حسن، وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود إسنادًا)، وقد علق الشيخ أحمد شاكر (١/ ٤٨) على تحسين الترمذي وأنه لمعارضته حديث عبد الله بن زيد وإلا فهو صحيح، بدليل ما بعده، فإنه صححه وهو نفس الحديث، ثم قال: (إنه لا تعارض بينهما حتى يحتاج إلى الترجيح، فكان النبي - ﷺ - يبدأ بمقدم رأسه وكان يبدأ بمؤخره، وكل جائز)، لكن قول الترمذي مقدم.
(٢) "صحيح البخاري" (١٩٩).
[ ١ / ١٥٨ ]
على البداءة بالدبر، فيكون من باب تسمية الفعل بابتدائه، وهو أحد قولين للأصوليين في تسمية الفعل، هل يكون بابتدائه أو انتهائه؟
وذلك لأن مخرج الطريقين متحد، فهما بمعنى واحد.
وقد ورد في سنن أبي داود من حديث المقدام بن معديكرب قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فلما بلغ مَسْحَ رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه، فأمرَّهما حتى بلغ القفا، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه) (^١).
فإن قيل بالترجيح فلا ريب أن حديث البداءة بالمقدم أكثر وأصح وأجود إسنادًا من حديث البداءة بالمؤخر، كما قال الترمذي، وحديث الرُّبيِّع فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تكلم فيه العلماء من قبل حفظه، فهو ضعيف إذا انفرد بالرواية ولم يتابع، وإلا حمل حديث البداءة بالمؤخرة على تعدد الحالات وبيان الجواز، وفيه عمل بجميع الأدلة.
الوجه السادس: الحكمة من مسح الرأس على هذه الصفة استيعاب جهتي الرأس بالمسح؛ لأن الشعر من جهة الوجه متجه إلى الوجه، ومن جهة المؤخر متجه إلى القفا، فإذا بدأ من مقدم الرأس استقبل الشعر وأصبح الماء يمس أصول الشعر، فإذا وصل إلى قمة الرأس استدبر الشعر، وأصبح الماء يمس ظهور الشعر، فإذا عاد حصل عكس ذلك.
وليس هذا من باب تكرار المسح، وإنما المقصود أن يكون المسح مباشرًا لظهور الشعر وأصوله، فهي مسحة واحدة لا مسحتان؛ لأن تمام المسحة الواحدة لا يحصل على جميع الشعر إلا بالإقبال والإدبار، فإنه في رجوعه يمسح ما لم يمسحه في ذهابه، وهذه الصفة ليست واجبة، فلو مسح على أي صفة كانت أجزأ المسح، لكن المحافظة على السنة أفضل.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (١٢٢)، وفي إسناده الوليد بن مسلم، وهو مدلس، وقد صرح بالتحديث عند ابن ماجه (٤٥٧)، والطحاوي (١/ ٣٢) وتابعه أبو المغيرة عند ابن الجارود (٧٤)؛ واسمه عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي، قال الحافظ: (ثقة)، لكن الوليد يدلس تدليس التسوية، وقد يكون التصريح بالسماع خطأ في الإسناد من بعض الرواة.
[ ١ / ١٥٩ ]
وقد ذكر النووي أن هذه الصفة وهي الإقبال والإدبار مستحبة لمن له شعر مسترسل، أما من لا شعر له، أو حلق شعره وطلع منه يسير فلا يستحب له الرد؛ لأنه لا فائدة فيه (^١).
قلت: وهذا فيه نظر، أما من جهة الجواز فالأمر واضح، وأما من جهة متابعة السنة فلا ريب أن الإقبال والإدبار مستحب، وهو الذي يدل عليه إطلاق الحديث، والله أعلم.
الوجه السابع: الأصل أن المرأة كالرجل في صفة مسح الرأس؛ لأن الأصل في الأحكام الشرعية أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، وكذا العكس إلا بدليل يخصص، وقد ذكر البخاري تعليقًا عن سعيد بن المسيب أنه قال: (المرأة بمنزلة الرجل تمسح على رأسها) (^٢).
وقد أخرج النسائي في باب «مسح المرأة رأسها» حديث عائشة، وفيه: (ووضعت يدها في مقدم رأسها ثم مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخره ..) (^٣) فهذا يدل على كيفية مسح المرأة رأسها وأنها مثل مسح الرجل وأنه مرة واحدة.
ورأيت في مسائل الإمام أحمد لأبي داود قال: (سمعت أحمد سئل: كيف تمسح المرأة رأسها في الوضوء؟ فقال: هكذا؛ ووضع يده على وسط رأسه ثم جرهما إلى مقدمه، ثم دفعهما فوضعهما حيث منه بدأ، ثم جرهما إلى مؤخره)، ونقله ابن قدامة في «المغني» (^٤).
والذي يظهر لي - والله أعلم - أن ما ورد في حديث عائشة أقرب إلى السنة، وفيه تيسير وتسهيل، أما الضفائر فالأظهر أنها غير داخلة في المسح؛
_________________
(١) "المجموع" (١/ ٤٠٢).
(٢) انظر: "فتح الباري" (١/ ٢٩٠) وقد وصله ابن أبي شيبة (١/ ٢٤) كما ذكر الحافظ. ولفظه: (الرجل والمرأة في المسح سواء).
(٣) "سنن النسائي" (١٠٠)، وقال الألباني: (صحيح الإسناد) (١/ ٢٣).
(٤) "مسائل الإمام أحمد" لأبي داود ص (٧)، "المغني" (١/ ١٧٨).
[ ١ / ١٦٠ ]
لأن المسح متعلق بالرأس، والرأس ما ترأَّس وعلا، وما نزل عن محل الفرض لا يسمى رأسًا، والأحاديث نصت على بداية مسح شعر الرأس بناصيته وانتهائه بقفاه، والله أعلم (^١).
_________________
(١) "المجموع" (١/ ٤٠٥).
[ ١ / ١٦١ ]