٣٣/ ٢ - عَنْ حُمْرَانَ: أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَغَسَل كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إلَى المِرفَقِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ اليُسْرى مِثْلَ ذلكَ، ثمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثمَّ غَسَلَ رِجْلَه اليُمْنَى إِلى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة راوييه، وهما:
١ - حُمران: وهو حُمران بن أبان بن خالد، ثقة من التابعين، من سبي عين التمر، أعتقه عثمان ﵁، فتحول إلى البصرة، ومات بها سنة خمس وسبعين، ﵀.
٢ - عثمان: وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي، أمير المؤمنين، وثالث خلفاء المسلمين، أسلم قديمًا على يد أبي بكر ﵁، وهاجر الهجرتين، وتزوج ابنة النبي ﷺ رقية، فلما توفيت زوّجه أختها أم كلثوم، فسمي ذا النورين، بَشَّرَهُ النبي ﷺ بالجنة، وشهد له بالشهادة، وبايع عنه بيعة الرضوان؛ لأنه ﷺ بعثه إلى مكة، فأشيع أنهم قتلوه، فضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال: «هذه عن عثمان»، تولى الخلافة بعد أمير المؤمنين عمر ﵁، بمبايعة أهل الشورى إياه، في أول يوم من محرم سنة أربع وعشرين، وقتل شهيدًا يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر، ودفن ليلة السبت سنة خمس وثلاثين، وقبره معروف في
[ ١ / ١٤٤ ]
البقيع، ﵁ (^١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» برقم (١٥٩)، وأخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٢٦) من طريق إبراهيم ابن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن زيد الليثي، عن حمران به.
وهذا لفظ مسلم، وتمامه: (ثم قال رسول الله ﷺ: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غُفر له ما تقدم من ذنبه»، قال ابن شهاب: (وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة).
وللحديث طرق أخرى، وألفاظ متعددة، فقد رواه عن ابن شهاب رواة اخرون في الصحيحين والسنن والمسانيد.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (دعا بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به، أي: طلب ماء يتوضأ به.
قوله: (فغسل كفيه ثلاث مرات) كفيه: مثنى (كف) وهي الراحة مع الأصابع، وحَدُّها مفصل الذراع، سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن.
قوله: (ثم تمضمض) أي: أدار الماء في فمه، تقول: مضمضت الماء في فمي: حركته بالإدارة فيه، وتمضمضت بالماء: فعلت ذلك، وهي مأخوذة من قولهم: تمضمضت الحية في جُحرها، أي: تحركت.
قوله: (واستنشق) الاستنشاق: جذب الماء بالنفس إلى باطن الأنف.
قوله: (واستنثر) الاستنثار: إخراج الماء من الأنف، ولم يرد في طرق هذا الحديث في الصحيحين ذكر العدد في المضمضة والاستنثار، لكن ورد ذلك عند أبي داود من طريقين في حديث عثمان هذا (^٢)، وورد - أيضًا - في
_________________
(١) "الاستيعاب" (٨/ ٢٧ - ٦٠)، "الإصابة" (٦/ ٣٩١).
(٢) "سنن أبي داود" (١٠٨) (١٠٩).
[ ١ / ١٤٥ ]
حديث أبي هريرة وعلي ﵄، وسيأتي ذكرهما - إن شاء الله ـ.
قوله: (ثم غسل وجهه) الوجه: مأخوذة من المواجهة، سمي بذلك لأنه يواجه به، وحَدُّهُ من منابت الشعر المعتاد إلى ما نزل من اللحية والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا.
قوله: (إلى المرفق) إلى: للغاية، والغالب عدم دخول نهاية الغاية في حكم ما قبلها، نحو: قرأت الكتاب إلى الصفحة الأخيرة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلا إذا وجدت قرينة تدل على الدخول، نحو: صمت المفروض من أوله إلى اليوم الأخير، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فقد دلت السنة على دخول المرفق في المغسول، والسنة بيان للقران، وذلك في حديث أبي هريرة ﵁ أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (^١).
والمرفق: بكسر الميم وفتح الفاء، وبفتح الميم وكسر الفاء، هو مفصل العضد من الذراع، وجمعه مرافق؛ قال تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] سمي بذلك لأنه يُرتفق به في الاتكاء ونحوه، أي: يستعان به.
قوله: (ثم مسح برأسه) أي: أمرَّ يده عليه مبلولة بالماء، وحد الرأس: منابت الشعر من جوانب الوجه إلى أعلى الرقبة، والباء للإلصاق؛ لأن الماسح يلصق يده بالممسوح.
قوله: (إلى الكعبين) مثنى كعب، والكعبان: عظمان ناتئان في أسفل الساق، و(إلى) بمعنى: (مع) بدليل حديث أبي هريرة المذكور قريبًا.
قوله: (نحو وُضوئي هذا) أي: شبه وضوئي، وهو بضم الواو؛ لأن
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٤٦).
[ ١ / ١٤٦ ]
المراد به فعل الوضوء، وقد ورد عند أبي داود: «توضأ مثل وضوئي هذا» (^١)، وإنما قال: (نحو) في رواية الصحيحين، ولم يقل: (مثل) لأن حقيقة مماثلة وضوء النبي ﷺ لا يقدر عليها غيره، لكن ثبت التعبير بالمماثلة كما في رواية أبي داود المذكورة، فيكون التعبير بـ (نحو) من تصرف الرواة؛ لأنها تطلق على المثلية مجازًا، أو يكون المعول على ما في الصحيحين.
الوجه الرابع: فضيلة أمير المؤمنين عثمان ﵁ وحرصه على تعليم العلم، نشرًا للسنة، ونصحًا للأمة، فينبغي للعلماء وطلاب العلم أن ينشروا السنن بين الناس، وألا يكتفوا بوضوحها ومعرفة الناس لها إجمالًا، فإن عثمان ﵁ بين صفة وضوء النبي ﷺ بالفعل، مع أنه أمر معروف، ولا سيما في القرن الأول.
الوجه الخامس: هذا الحديث هو أحد الأحاديث التي بينت صفة وضوء النبي ﷺ على الكمال، قال ابن الملقن: (هو أصل عظيم في صفة الوضوء) (^٢). وتقدم كلام ابن شهاب الزهري.
ولذا جعله الحافظ أصلًا في بيان صفة وضوء النبي ﷺ، وجعل ما بعده من الأحاديث مكملات له.
وسأتكلم - إن شاء الله - عن فوائده، دون المسائل التي لها أحاديث مستقلة ستأتي، فهذه أترك الكلام عليها إلى حينه.
الوجه السادس: جواز الاستعانة في إحضار ماء الوضوء، لقول حمران: (إن عثمان ﵁ دعا بوضوء)، وقد حكى ابن الملقن الإجماع على جواز ذلك من غير كراهة (^٣).
ويدخل في ذلك صب الماء على المتوضئ، لما ورد عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (بينا أنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة إذ نزل فقضى حاجته، ثم
_________________
(١) "سنن أبي داود" (١٠٦).
(٢) "شرح عمدة الأحكام" (١/ ٣٢٠).
(٣) المصدر السابق (١/ ٣٢٦).
[ ١ / ١٤٧ ]
جاء فصببت عليه من إداوة كانت معي، فتوضأ، ومسح على خفيه) (^١).
الوجه السابع: أن عثمان ﵁ سلك في بيان صفة وضوء النبي ﷺ مسلك البيان بالفعل دون القول؛ لأن الوصف بالفعل أسرع إدراكًا، وأدق تصويرًا، وأرسخ في النفس؛ لأن البيان بالقول يعتمد على الألفاظ، والألفاظ يطرقها الاحتمال في المعنى، ويستفاد من ذلك أنه ينبغي للمعلم أن يسلك أقرب الطرق لإيصال المعلومات إلى أذهان الطلاب، وفي مقدمة ذلك وسائل الإيضاح التي تعين على الفهم ورسوخ العلم.
الوجه الثامن: مشروعية الوضوء بهذه الكيفية، فيغسل كفيه ثلاثًا، ثم يتمضمض، ويستنشق، ويستنثر، ثم يغسل وجهه ثلاثًا، ثم يده اليمنى مع مرفقه ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثًا، ثم اليسرى كذلك، وهذه صفة وضوء النبي ﷺ.
الوجه التاسع: الحديث دليل على مشروعية غسل الكفين ثلاث مرات، وهذا سنة؛ لأن الوارد فيه فعل مجرد، كما في حديث عثمان هذا، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ في الصحيحين، وحديث علي ﵁ عند أصحاب السنن وغيرهم، وحديث أبي هريرة ﵁ أخرجه الطبراني في الأوسط بإسنادٍ رجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمي (^٢).
وليس غسلهما واجبًا؛ لأن الله تعالى ذكر الوضوء في القران - كما في اية المائدة - وبدأ بغسل الوجه، ولم يذكر غسل الكفين، قال ابن قدامة: (وليس غسلهما بواجب عند غير القيام من النوم، بغير خلاف نعلمه) (^٣). اهـ.
والحكمة من غسلهما أنهما الة الغسل، بهما يؤخذ الماء، وتدلك الأعضاء، فناسب تطهيرهما قبل ذلك.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٤) (٧٦).
(٢) "مجمع الزوائد" (١/ ٢٣٠).
(٣) "المغني" (١/ ١٣٩).
[ ١ / ١٤٨ ]
وهذا الغسل لغير القائم من النوم، أما غسلهما بعد القيام من النوم فهذا سيأتي إن شاء الله تعالى.
وظاهر الحديث أنه يغسل الكفين بغرفة واحدة، لقوله: (فغسل كفيه ثلاث مرات)، وفي رواية لمسلم: (فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما)، وفي حديث ميمونة قالت: (وضعت لرسول الله ﷺ وضوء الجنابة فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثًا ..) الحديث (^١).
الوجه العاشر: الحديث دليل على استحباب التثليث في المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه وغسل اليدين والرجلين، وقد بوّب البخاري ﵀ في كتاب الوضوء على هذا الحديث بقوله: «باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا» - كما تقدم - ودلالته على ذلك ظاهرة.
ويجوز زيادة بعض أعضاء الوضوء على بعض في الغسل، بأن يغسل بعض الأعضاء مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثًا، لما ورد في حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه مرتين، ومسح رأسه مرة (^٢).
قال النووي: (فيه دلالة على جواز مخالفة الأعضاء، وغسل بعضها ثلاثًا وبعضها مرتين، وبعضها مرة، وهذا جائز، والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شك، ولكن المستحب تطهير الأعضاء كلها ثلاثًا ثلاثًا كما قدمنا، وإنما كانت مخالفتها من النبي ﷺ في بعض الأوقات، بيانًا للجواز، كما توضأ مرة مرة في بعض الأوقات بيانًا للجواز، وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه ﷺ لأن البيان واجب عليه ﷺ، فإن قيل: البيان يحصل بالقول؟ فالجواب: أنه أوقع بالفعل في النفوس، وأبعد من التأويل، والله أعلم) (^٣).
الوجه الحادي عشر: لا تجوز الزيادة في الوضوء على ثلاث مرات،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٤)، ومسلم (٣١٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٨٦)، ومسلم (٢٣٥).
(٣) "شرح النووي على صحيح مسلم" (٣/ ١٢٥).
[ ١ / ١٤٩ ]
وقد نقل النووي الإجماع على كراهة الزيادة على الثلاث (^١)، ودليل ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء؟ فأراه ثلاثًا ثلاثًا، قال: «هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم» (^٢).
قال الترمذي بعد حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا قال: (والعمل على هذا عند عامة أهل العلم، أن الوضوء يجزي مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده شيء).
وقال ابن المبارك: (لا امن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم).
وقال أحمد وإسحاق: (لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى) (^٣).
وقال إبراهيم النخعي: (تشديد الوضوء من الشيطان، ولو كان هذا فضلًا لأُوثر به أصحاب محمد ﷺ) (^٤).
الوجه الثاني عشر: الحديث دليل على فضيلة صلاة ركعتين، والثواب الموعود به مرتب على الأمرين:
الأول: وضوؤه على الكيفية المذكورة، ومنها التثليث.
الثاني: صلاة ركعتين عقب الوضوء بالوصف المذكور، وهو قوله: «لا يُحَدِّثُ فيهما نفسه» أي: لا يفكر في شيء خارجٍ عن صلاته، وقوله: «لا يحدث» يفيد أن المراد ما يسترسل مع النفس مع إمكان دفعه وقطعه، أما ما يهجم على النفس ويتعذر دفعه فهو معفو عنه؛ لأنه ليس في مقدور الإنسان، وظاهر الحديث أنه شامل لحديث النفس في أمور الدين وأمور الدنيا، وخصه بعض العلماء بالثاني، لما ورد عند البخاري تعليقًا أن عمر ﵁ قال: (إني
_________________
(١) "المصدر السابق" (٣/ ١١١).
(٢) أخرجه النسائي (١/ ٨٨)، وابن ماجه (٤٢٢)، وأحمد (١١/ ٢٧٧)، والبيهقي (١/ ٧٩) من طريق يعلى بن عبيد، عن سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة به، وهذا إسناد حسن، وله طرق أخرى غير هذا في السنن وغيرها، وسيأتي بتمامه إن شاء الله.
(٣) "جامع الترمذي" (١/ ٦٤).
(٤) "المغني" (١/ ١٩٤).
[ ١ / ١٥٠ ]
لأجهز جيشي وأنا في الصلاة) (^١)، والذي يظهر أن ما كان في أمور الدين أخف مما يكون في أمور الدنيا.
وأما ثواب ذلك فهو مغفرة ما سبق من الذنوب، والمراد الذنوب الصغائر عند جمهور العلماء (^٢)، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (٣/ ٨٩) وقد ذكر الحافظ أن ابن أبي شيبة وصله بإسناد صحيح.
(٢) لابن تيمية قول في هذه المسألة. انظر: "الفتاوى" (٧/ ٤٨٩).
[ ١ / ١٥١ ]