٦٧/ ١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى عَهْدِهِ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتّى تَخْفِقَ رُؤوسُهُمْ، ثُمّ يُصَلّونَ وَلا يَتَوَضّؤُونَ). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ الدّارَقُطْنِيّ، وَأَصْلُهُ في مُسْلِمٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أبو داود (٢٠٠) في كتاب «الطهارة» باب «الوضوء من النوم»، والدارقطني (١/ ١٣١) من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس ﵁، وهذا لفظ أبي داود، قال الدارقطني: (صحيح).
إلا أن لفظ (على عهده) لم يرد عند الدارقطني، ولا عند أبي داود بالإسناد المذكور، وإنما علقه أبو داود عن شعبة، عن قتادة، قال: (كنا على عهد رسول الله ﷺ)، وصححه الألباني، ووصله البيهقي بسنده إلى شعبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يقومون فيصلون، ولا يتوضؤون على عهد رسول الله ﷺ).
والحديث أصله في مسلم (٣٧٦) (١٢٥) من طريق شعبة، عن قتادة قال: سمعت أنسًا يقول: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون، ولا يتوضؤون، قال: قلت: سمعته من أنس؟ قال: إي والله).
وأخرجه الترمذي (٧٨) من هذا الطريق ولفظه: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يقومون، فيصلون ولا يتوضؤون)، وقال: (حديث حسن صحيح).
[ ١ / ٢٨٠ ]
وإنما أورد الحافظ لفظ أبي داود لأنه أوضح من لفظ مسلم، فإن فيه: (حتى تخفق رؤوسهم)، وهذا يبين نوع النوم الذي ورد في لفظ مسلم، وهو أنه نعاس وخَفْقٌ، وليس نومًا مستغرقًا ثقيلًا يزول معه الشعور بما قد يَخْرُجُ.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (على عهده) أي: زمانه، فالحديث له حكم المرفوع، لاطلاعه ﷺ على ذلك وتقريره له، وهذا موضع الحجة فيه.
قوله: (ينتظرون العشاء) هكذا في نسخ «البلوغ»، وعند أبي داود والدارقطني: (العشاء الآخرة)، وهي بكسر العين والمد، والعشاء: أول ظلام الليل، وهو من صلاة المغرب إلى العتمة، وعليه قول ابن فارس: (العشاءان: المغرب والعتمة) (^١).
قوله: (حتى تخفق) بكسر الفاء، من باب ضرب، قال في «المصباح»: (خَفَقَ رأسه خفقة أو خفقتين: إذا أخذته سِنَةٌ من النعاس، فمال رأسه دون سائر جسده)، وقال في «القاموس»: (خفق فلان: حرك رأسه إذا نعس) (^٢).
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن النوم اليسير غير المستغرق لا ينقض الوضوء، وهو ما كان نعاسًا يخفق معه الرأس، بخلاف النوم الثقيل المستغرق الذي يزول معه الشعور بما قد يخرج، فهذا ناقض للوضوء، وقد يكون الحديث دليلًا على كلتا المسألتين، وهما أن اليسير لا ينقض، والكثير ينقض؛ لأنه تقرر في نفس الصحابي الراوي أن النوم ناقض للوضوء، إلا هذا القدر اليسير الذي شاهده.
ولا فرق في ذلك - على الصحيح - بين أن يكون مضطجعًا أو قاعدًا معتمدًا أو غير معتمدٍ، وهذا هو الراجح في مسألة نقض الوضوء بالنوم، وهو أنه إن كان النائم يشعر بنفسه لو أحدث فإنه لا ينتقض وضوؤه، وهذا يكون في النوم اليسير، وأما إن كان الإنسان مستغرقًا بحيث لو أحدث لم يحس
_________________
(١) "مجمل اللغة" (٢/ ٦٦٩).
(٢) "المصباح المنير" (١٧٦)، "القاموس" (٢/ ٨٥).
[ ١ / ٢٨١ ]
بنفسه فهذا يجب عليه الوضوء، وذلك أن ذات النوم ليس بناقض، ولكنه مظنة الحدث، لكون النائم لا يشعر ولا يحس بنفسه لو خرج منه شيء.
والدليل على أن النوم ليس بناقض: أن يسيره - كما في حديث الباب - لا ينقض الوضوء، ولو كان ناقضًا لانتقض بهذا النوم الذي تخفق فيه رؤوسهم، وصار كغيره من البول والغائط ينقض يسيره وكثيره.
ووجه الترجيح ثلاثة أدلة:
١ - أن هذا القول تجتمع فيه الأدلة، فإنه تقدم في حديث صفوان بن عَسَّال: (لكن من غائط وبول ونوم) وهذا يفيد أنه ناقض، وفي حديث الباب (أنهم ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون)، فيحمل الأول على النوم المستغرق الذي لو أحدث معه لم يحسّ بنفسه، ويحمل الثاني على مبادئ النوم قبل الاستغراق بحيث لو أحدث لأحس بنفسه؛ لأن خفقان الرأس يكون في النوم القليل، ولو كان ناقضًا لما أقرهم الله على الصلاة في تلك الحالة، بل كان يُوْحَى إلى رسول الله ﷺ في ذلك كما كان يوحى إليه في سائر الأمور الدينية، والأصل جلالة قدر الصحابة ﵃ وأنهم لا يجهلون ما ينقض الوضوء، ولا سيما الذين كانوا منهم ينتظرون الصلاة مع النبي ﷺ، فإنهم أعيان الصحابة.
قال الخطابي: (وفي قوله: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم» دليل على أن ذلك أمر كان يتواتر منهم، وأنه قد كثر حتى صار كالعادة لهم، وأنه لم يكن نادرًا في بعض الأحوال، وذلك يؤكد ما قلناه من أن عين النوم ليس بحدث) (^١).
ولا يؤثر على ذلك ما ورد من حديث أنس ﵁ قال: (لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يُوْقَظُونَ للصلاة، حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطًا، ثم يصلون، ولا يتوضؤون) (^٢)، فإن الإيقاظ والغطيط قد يوجد ممن هو في مبادئ نومه، ولا يلزم من ذلك أن يكون مستغرقًا.
_________________
(١) "معالم السنن" (١/ ١٤٤).
(٢) أخرجه الدارقطني (١/ ١٣٠) وصححه.
[ ١ / ٢٨٢ ]
٢ - حديث معاوية ﵁ الآتي: «العينُ وِكاءُ السّهِ، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء» فهذا يؤيد الجمع السابق، ومعناه: أن اليقظة وكاء الدبر، فالنوم الذي ينطلق معه الوكاء وهو النوم المستغرق الذي يزول معه الشعور بحيث لا يحس بما يخرج منه هو النوم الناقض للوضوء، وما لا فلا.
٣ - حديث ابن عباس ﵄ في قيام الليل، وفيه: (فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني) (^١)، وهو يدل على أن النوم اليسير حال الصلاة غير ناقض للوضوء، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في مواضع كثيرة من صحيحه، منها (٧٢٦)، ومسلم (٧٦٣)، وسيأتي في أحاديث "الإمامة" رقم (٤١٧).
[ ١ / ٢٨٣ ]