٨٠/ ١٤ - عَنْ مُعَاويةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْعَيْنُ وِكاءُ السّهِ، فَإذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكاءُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطّبَرَانِيّ وَزَادَ: «وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضّأْ»، وَهذِهِ الزّيَادَةُ في هذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَليّ دُونَ قَوْلِهِ: «اسْتَطلَقَ الْوِكاءُ»، وَفِي كِلَا الإسْنَادَيْنِ ضَعْفٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان، واسم أبي سفيان: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، ولد معاوية ﵁ قبل البعثة بخمس سنين على الأشهر، وكان هو وأبوه من مسلمة الفتح، ثم من المؤلفة قلوبهم، وقيل: إنه أسلم قبل أبيه وقت عمرة القضاء، وبقي يخاف من اللحاق بالنبي ﷺ من أبيه، قيل: إنه ممن كتب الوحي للنبي ﷺ، وقال الذهبي: إنما كتب كتبًا للنبي ﷺ فيما بينه وبين العرب، وقد ورد في حديث ابن أبي مليكة أن ابن عباس قيل له: هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إلا بواحدة، فقال: (إنه فقيه) (^١)، والمعنى: أنه ما فعل ذلك إلا بمستند.
تولى الشام بعد أخيه يزيد في زمن عمر ﵁، ولم يزل بها إلى أن مات، وذلك أربعون سنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لم يكن من ملوك المسلمين مَلِكٌ خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان مَلِكٍ من الملوك خيرًا منهم في زمان معاوية، إذا نُسبت أيامه إلى أيام من بعده، وأما إذا نسبت إلى أيام أبي بكر
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧/ ١٠٣ فتح).
[ ١ / ٣٤٦ ]
وعمر ظهر التفاضل) (^١)، مات في رجب سنة ستين في دمشق، ﵁ (^٢).
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أحمد (٢٨/ ٩٢)، والطبراني في «الكبير» (١٩/ ٣٧٢) رقم (٨٧٥) بالزيادة المذكورة، كلاهما من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس الكلابي، عن معاوية ﵁، به.
وهذا إسناد ضعيف، لضعف أبي بكر بن أبي مريم، واسمه بكير، وقيل: عبد السلام، قال في «التقريب»: (ضعيف، وكان قد سُرِقَ بيته، فاختلط).
وهذه الزيادة: (فمن نام فليتوضأ) وردت في حديث علي ﵁ عند أبي داود (٢٠٣) في كتاب «الطهارة» باب «الوضوء من النوم»، وأحمد (٢/ ٢٢٧) من طريق بقية بن الوليد، عن الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «وكاءُ السّهِ العينان، فمن نام فليتوضأ».
وهذا إسناد ضعيف كما قال الحافظ، بقية بن الوليد مدلس، يدلس تدليس التسوية وهو أشد أنواعه، فيشترط من مثله التصريح بالسماع في جميع طبقات السند، والوضين بن عطاء مختلف فيه، قال عنه في «التقريب»: (صدوق سيئ الحفظ)، وعبد الرحمن بن عائذ حديثه عن عليٍّ مرسل.
قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذين الحديثين، فقال: (ليسا بقويين) (^٣)، ونقل ابن عبد الهادي، والحافظ ابن حجر عن الإمام أحمد قوله: (حديث علي أثبت من حديث معاوية في هذا الباب) (^٤)، فهذا الحديث أُعِلّ بثلاث علل، كما تقدم.
أما تدليس بقية فقد صرح بالتحديث عند أحمد وغيره، لكن تدليسه تدليس تسوية، فلا بد أن يصرح من فوقه بالتحديث أيضًا.
_________________
(١) "منهاج السنة" (٦/ ٢٣٢).
(٢) انظر في ترجمته: "الاستيعاب" (١٠/ ١٣٤)، "الإصابة" (٩/ ٢٣١).
(٣) "العلل" (١/ ٤٧).
(٤) "تنقيح التحقيق" (١/ ٤٣٤).
[ ١ / ٣٤٧ ]
أما الوضين فقال عنه أحمد: (ما كان به بأس)، بل ورد عنه توثيقه، وكذا وثقه ابن معين في رواية، وقال عنه في رواية أخرى: (لا بأس به)، وقال أبو داود السجستاني عنه في «سؤالات أبي عبيد الآجري»: (صالح الحديث) (^١)، ووثقه ابن شاهين (^٢) وقال أبو حاتم (^٣): «تعرف وتنكر» (^٤)، ورجل هذه حاله لا ينزل حديثه عن مرتبة الحسن.
وأما الانقطاع، وهو أن ابن عائذ لم يسمع من عليّ، فقد ذكره أبو زرعة (^٥)، وكذا قال أبو حاتم (^٦)، ونقله أيضًا ابن الملقن عن عبد الحق، وابن القطان، وصاحب الإمام، ثم قال: (وحسنه ابن الصلاح والنووي والزكي) أي: المنذري، وقال: (أما ابن السكن فذكرهما - أي حديث علي هذا وحديث معاوية الذي قبله - في سننه الصحاح المأثورة) (^٧).
وقد رد الحافظ ابن حجر علة الانقطاع، فقال متعقبًا أبا زرعة: (وفي هذا النفي نظر؛ لأنه يروي عن عمر، كما جزم به البخاري) (^٨).
والحديث حسنه الألباني (^٩)، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (إن هذين الحديثين يشدُّ أحدهما الآخر).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (العين) أراد الجنس، والمراد: العينان من كل إنسان، ويراد هنا: اليقظة.
قوله: (وكاء) الوكاء: بكسر الواو: الخيط الذي تشد به الصرة أو الكيس أو القربة.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" (١١/ ١٠٦).
(٢) "الثقات" (١٥١٧).
(٣) "الجرح والتعديل" (٩/ ٢١٣).
(٤) معناها: أنه يأتي مرة بالأحاديث المعروفة، ومرة بالأحاديث المنكرة، فأحاديثه تحتاج إلى سبر وعرض على أحاديث الثقات المعروفين.
(٥) "العلل" (١/ ٤٧)، "المراسيل" (١٢٤).
(٦) "الجرح والتعديل" (٥/ ٢٧٠).
(٧) "خلاصة البدر المنير" (١/ ٥٢).
(٨) "التلخيص" (١/ ١٢٧).
(٩) "إرواء الغليل" (١/ ١٤٨)، "تمام المنة" ص (١٠٠).
[ ١ / ٣٤٨ ]
قوله: (السّهِ) بفتح السين: حلقة الدبر، وهذا من باب التشبيه، والمعنى: أن اليقظة تحفظ الدبر وتمنع من خروج الخارج منه وهو الريح، كما يحفظ الوكاءُ الماءَ في السقاء ويمنع خروجه.
الوجه الرابع: الحديثان يدلان على أن النوم ليس ناقضًا بنفسه، وإنما هو مظنة للنقض، وذلك إذا كان الإنسان في حالة لا يملك نفسه، فلا يشعر بما يخرج منه، فإذا كان كذلك فليتوضأ لأنه نام، أما إذا كان الإنسان يقظًا فإنه يتحفظ ويعرف ما يخرج منه، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٣٤٩ ]