٧٣/ ٧ - عَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ ﵂ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: «مَنْ مَسّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضّأْ». أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحّحهُ التّرْمِذِيّ وَابْنُ حِبّانَ، وَقَالَ الْبُخَارِيّ: هُوَ أَصَحّ شَيْءٍ في هذَا الْبَابِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهي بُسْرة - بضم الباء وإسكان السين المهملة - بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى القرشية الأسدية، وهي بنت أخي ورقة بن نوفل، وأخت عقبة بن معيط لأمه، وقيل في نسبها غير ذلك، وما ذُكر صَوّبه ابن عبد البر. وقال ابن الأثير: (هو الأصح) (^١)، روى عنها عبد الله بن عمر، ومروان بن الحكم، وابن المسيب، وغيرهم، قال الشافعي: (لها سابقة قديمة وهجرة)، وقال ابن حبان: (كانت من المهاجرات) (^٢)، وقال مصعب بن الزبير: (كانت من المبايعات) (^٣).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (١٨١) في كتاب «الطهارة» باب «الوضوء من مسّ الذكر»، والنسائي (١/ ١٠٠)، وأحمد (٤٥/ ٢٦٥)، ومالك (١/ ٤٢)، وابن حبان (١١١٢) من طريق عبد الله بن أبي بكر أنه سمع عروة يقول: دخلت على مروان بن الحكم، فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان:
_________________
(١) "أسد الغابة" (٣/ ٣٢١).
(٢) "الثقات" (٣/ ٣٧).
(٣) "الاستيعاب" (١٢/ ٢٢٦)، "الإصابة" (١٢/ ١٥٨).
[ ١ / ٣١١ ]
ومِنْ مَسِّ الذكر، فقال عروة: ما علمت ذلك، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان .. وذكر الحديث.
وأخرجه الترمذي (٨٣)، وابن ماجه (٤٧٩)، وابن حبان (١١١٥) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة بنت صفوان، وفي لفظ لابن حبان: (من مس فرجه فليتوضأ)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)، ونقل عن البخاري أنه قال: (أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة).
وظاهر السياق عند أبي داود وغيره أن الحديث من رواية مروان بن الحكم عن بسرة، وقد طعن فيه بعضهم، بسبب ولايته وأخباره في التاريخ من قَتْلِ طلحة ﵁ وشَهْرِهِ السيف وطلبه الخلافة، وقد دافع عنه ابن حجر، بأن قتله طلحة كان فيه متأولًا، وأما إشهاره السيف في طلب الخلافة فقد كان بعد هذا الحديث، لأنه قد حدث به حينما كان أميرًا على المدينة (^١)، وقد احتج به البخاري في «صحيحه» ومالك في «الموطأ»، وأحمد في «مسنده» وهذا كافٍ في الاحتجاج به.
وقد ورد الحديث من رواية هشام بن عروة، عن عروة، عن بسرة، بدون ذكر مروان، أخرجه الترمذي (٨٢)، والنسائي (٤٤٧)، وأحمد (٤٥/ ٢٧٠) وهذه مخالفة لرواية الأكثرين، فإما أن يحكم بشذوذها، أو يقال: إن عروة سمع الحديث من مروان أولًا، ثم أراد أن يستوثق، فلقي بسرة وسمع منها، كما في رواية شعيب بن إسحاق، عند ابن حبان (١١١٣)، والدارقطني (١/ ١٤٦) وغيرهما.
الوجه الثالث: الحديث دليل لمن قال: إن مس الذكر وكذا مس الفرج ينقض الضوء، وهو قول الشافعي، وقول لمالك في المشهور عنه، والمشهور في مذهب أحمد (^٢)، وهو معارض بحديث طلق بن علي المتقدم
_________________
(١) انظر: "هدي الساري" ص (٤٤٣)، "المحلى" (١/ ٢٣٦).
(٢) "المجموع" (٢/ ٣٨)، "حاشية الدسوقي" (١/ ١٢١)، "المغني" (١/ ٢٤٠).
[ ١ / ٣١٢ ]
الذي يدل على أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، وقد اختلفت كلمة أهل العلم (^١) في إزالة هذا التعارض على ثلاثة مسالك، وهي المسالك المعروفة في الأصول:
فمن أهل العلم من سلك مسلك النسخ، وأن حديث طلق بن علي منسوخ بحديث بسرة؛ لأن حديثه متقدم، وحديثها متأخر، ودليل تقدمه ما مضى في ترجمته من أنه قدم المدينة على رسول الله ﷺ وهم يبنون المسجد في أول الهجرة.
وممن قال بالنسخ: ابن حبان (^٢) والطبراني (^٣) وابن العربي (^٤) والحازمي (^٥) والبيهقي (^٦) وابن حزم (^٧)، وأيد ابن حزم القول بالنسخ بأن قوله ﷺ: «هل هو إلا بضعة منك» دليل على أن ذلك كان قبل الأمر بالوضوء من مس الذكر؛ لأنه لو كان بعده لم يقل ﵊ هذا الكلام، بل كان يبين أن الأمر بذلك قد نسخ، وقوله هذا يدل على أنه لم يكن سلف فيه حكم أصلًا، وأنه كسائر الأعضاء.
لكن القول بالنسخ فيه ضعف لأمرين:
الأول: أن القاعدة عند الأصوليين أنه لا يعدل إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الدليلين؛ لأن النسخ إبطال لأحدهما، والجمع بينهما عمل بهما، وهو ممكن.
الثاني: أن العلماء قالوا: إن التاريخ لا يعلم بتقدم إسلام الراوي أو تقدم أَخْذِه، لجواز أن يكون الراوي المتأخر رواه عن غيره من الصحابة، ولذا قال الشوكاني: (إن هذا ليس دليلًا عند المحققين من أئمة الأصول) (^٨).
_________________
(١) انظر:"عارضة الأحوذي" (١/ ١١٤) حيث قال ابن العربي: (هذا الباب عظيم القدر في الدين اختلف فيه الصحابة والتابعون والفقهاء إلى الآن .. وقد جرت فيه مناظرة بين العلماء ..).
(٢) "صحيح ابن حبان" (٣/ ٤٠٥).
(٣) "المعجم الكبير" (٨/ ٤٥٢).
(٤) "عارضة الأحوذي" (١/ ١١٧).
(٥) "الاعتبار" ص (٤٣).
(٦) "الخلافيات" (٢/ ٢٨٨).
(٧) "المحلى" (١/ ٢٣٩).
(٨) "نيل الأوطار" (١/ ٢٣٥).
[ ١ / ٣١٣ ]
المسلك الثاني: مسلك الترجيح، والمحققون على ترجيح حديث بسرة بنت صفوان على حديث طلق بن علي، فيجب الوضوء من مس الذكر، وهذا اختيار الصنعاني (^١) والشيخ عبد العزيز بن باز، وذلك لما يلي:
١ - أن حديث بسرة أصح من حديث طلق بن علي، فإنه سليم الإسناد، وحديث طلق ضعفه جماعة، كما تقدم، وقد قال البخاري عن حديث بُسرة: (إنه أصح شيء في هذا الباب) وإن كان شيخه علي بن المديني قد خالفه، فرجح حديث طلق، لكن قول البخاري في هذا الموضع أولى؛ لأنه مؤيد بما سيُذكر.
وقد نقل الحافظ عن البيهقي قوله: (يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أن حديث طلق لم يخرجه الشيخان، ولم يحتجا بأحد من رواته، وحديث بسرة قد احتجا بجميع رواته، إلا أنهما لم يخرجاه …) (^٢).
٢ - أن حديث بسرة له شواهد كثيرة تعضده، رواها سبعة عشر صحابيًا، وحديث طلق لا شاهد له.
ومن شواهده: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ» (^٣).
وحديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» (^٤).
وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» (^٥).
_________________
(١) "سبل السلام" (١/ ١٢٦).
(٢) "التلخيص" (١/ ١٣٤).
(٣) أخرجه أحمد (١٤/ ١٣٠)، وابن حبان (٣/ ٤٠١) واللفظ له، وأخرجه غيرهما، وفي إسناده ضعف، ولكنه بطرقه يصل درجة الحسن.
(٤) أخرجه ابن ماجه (٤٨١)، والبيهقي (١/ ١٣٠)، ونقل عن الترمذي أنه سأل أبا زرعة عن هذا الحديث فاستحسنه، قال: (ورأيته يعده محفوظًا).
(٥) أخرجه أحمد (١١/ ٦٤٧ - ٦٤٨)، والدارقطني (١/ ١٤٧)، والبيهقي (١/ ١٣٢) وإسناده حسن، وصححه البخاري كما في "العلل" (١/ ١٦١) للترمذي، كما صححه الحازمي في "الاعتبار" (٨٨) وصححه أحمد شاكر في تعليقه على "المسند" (١٢/ ٣١).
[ ١ / ٣١٤ ]
وحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» (^١).
٣ - ومن مرجحات حديث بسرة أنه ناقل عن البراءة الأصلية التي هي عدم الوضوء من مس الذكر، والناقل عن البراءة الأصلية مقدم؛ لأن معه زيادة علم.
٤ - أن حديث بسرة أحوط وأبرأ للذمة.
المسلك الثالث: مسلك الجمع بين الحديثين، وهو مسلك جيد؛ لأن فيه عملًا بكلا الدليلين، وهؤلاء اختلفوا على قولين:
الأول: أن مس الذكر يستحب منه الوضوء مطلقًا عملًا بحديث بسرة، ولا يجب عملًا بحديث طلق بن علي، وقد بوب ابن خزيمة في صحيحه بقوله: (باب استحباب الوضوء من مس الذكر) ثم ذكر حديث بسرة، ثم روى بسنده عن مالك أنه قال: (أرى الوضوء من مس الذكر استحبابًا ولا أوجبه)، وروى بسنده - أيضًا - عن الإمام أحمد أنه سئل عن الوضوء من مس الذكر، فقال: (أستحبه ولا أوجبه)، ثم اختار القول بوجوب الوضوء كقول الشافعي (^٢). واختار هذا القول - وهو الاستحباب - ابن المنذر، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٣).
الثاني: أنه إن كان المس بشهوة وجب الوضوء لحديث بسرة، وإن كان لغير شهوة لم يجب لحديث طلق، ويؤيد ذلك أنه قال في حديث طلق: «هل هو إلا بضعة منك»، فإن هذا يقتضي أن الحكم في مس الذكر كالحكم في مس سائر الأعضاء الذي لا يقارن مسه شهوة، فإن مسه مسًا يخرج به عن مس نظائره من بقية الجسد وهو ما كان بشهوة وجب عليه الوضوء (^٤). والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٤) وسنده جيد.
(٢) "صحيح ابن خزيمة" (١/ ٢٢).
(٣) "الأوسط " (١/ ٢٠٥)، "الفتاوى" (٢٠/ ٥٢٤) (٢١/ ٢٢٢، ٢٤١).
(٤) انظر: "الاستذكار" (٣/ ٣٤).
[ ١ / ٣١٥ ]