١٠٨/ ١ - وعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «المَاءُ مِنَ المَاءِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم (٣٤٣) في كتاب «الحيض» باب «إنما الماء من الماء» من طريق شريك - يعني ابن أبي نَمِرٍ ـ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: خرجت مع رسول الله يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله ﷺ على باب عِتْبان فصرخ به، فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله ﷺ: «أعجلنا الرجل»، فقال عتبان: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمنِ ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ: «إنما الماء من الماء».
وأخرجه البخاري (١٨٠)، ومسلم (٣٤٥) من طريق شعبة، عن الحكم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ أرسل إلى رجل من الأنصار فجاء ورأسه يقطر، فقال النبي ﷺ: «لعلنا أعجلناك»؟ فقال: نعم، فقال رسول الله ﷺ: «إذا أُعْجِلْتَ - أو قُحِطت - فعليك بالوضوء»، وهذا لفظ البخاري.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الماء من الماء) لفظ مسلم: «إنما الماء من الماء»، والماء الأول: مبتدأ، والمراد به: ماء الاغتسال، والثاني: متعلق بمحذوف خبر، والمراد به: المني النازل دفقًا بلذة، وقد سمَّاه الله تعالى ماء، فقال تعالى:
[ ٢ / ٦ ]
﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، ولفظ الحديث فيه جناس تام، حيث اتفق اللفظان في الحروف، واختلف المعنى.
وفي الحديث أسلوب من أساليب القصر عند البلاغيين، وطريقه (إنما) ومعناه: أن الاغتسال مقصور على الإنزال.
الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الغسل من إنزال المني، وهذا منطوق الحديث، وأما مفهومه فإنه يفيد عدم وجوب الغسل بدون إنزال، فلو جامعها في فرجها ولم ينزل فليس عليه غسل، وقد دل على ذلك قوله: «إذا أُعجلت أو قُحطت فعليك بالوضوء»، وأُعجلت: بضم الهمزة وكسر الجيم، وقُحطت: بضم القاف وفتحها، وبالهمز: أُقحطت، ومعناه: جامعت ولم تنزل، وهو الإكسال.
وقد جاء هذا المعنى وهو أن الماء من الماء عن عدد من الصحابة ﵃، عثمان وأُبي بن كعب، وحديثهما في الصحيحين، ورافع بن خديج، وحديثه عند أحمد، وأبي أيوب وحديثه عند النسائي وابن ماجه، وقد ورد عن زيد بن خالد الجهني أنه سأل عثمان بن عفان، فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمنِ؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأُبي بن كعب ﵃، فأمروه بذلك (^١).
وكان هذا في أول الإسلام، وهو أن من جامع ولم ينزل استنجى وتوضأ، ثم شُرع الغسل مطلقًا بمجرد الإيلاج وإن لم ينزل، وقد ورد ما يدل على النسخ من طريق ابن شهاب، حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن أُبي بن كعب أخبره أن رسول الله ﷺ إنما جعل ذلك رخصة في أول الإسلام، لقلة الثياب، ثم أُمِرَ بالغسل، ونُهِيَ عن ذلك (^٢)، قال أبو داود: (يعني الماء من الماء).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٩٢)، ومسلم (٣٤٧) دون قوله: "فسألت .. ".
(٢) أخرجه أبو داود (٢١٤) وإسناده صحيح، وشيخ ابن شهاب يشبه أن يكون أبا حازم سلمة بن دينار، وهو ثقة، ذكر ذلك ابن خزيمة (١/ ١١٤) وغيره.
[ ٢ / ٧ ]
على أن بعض العلماء حمل حديث الباب على الاحتلام، وقد بوَّب عليه النسائي في سننه (^١)، ومال إليه الحافظ (^٢)، وأيد ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «إنما الماء من الماء في الاحتلام» (^٣).
لكن إدخال الاحتلام يكون من باب العموم، وأما الحديث فليس في الاحتلام، لما تقدم من التصريح بسببه، وهو أنه سؤال عن الجماع لا عن الاحتلام، وصورة السبب قطعية الدخول في الحكم عند الأكثرين، فيضعف القول باختصاص ذلك بحالة الاحتلام في النوم، والله أعلم.
_________________
(١) "سنن النسائي" (١/ ١٥٥).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٣٩٨).
(٣) "جامع الترمذي" (١١٢) وفي مصنف عبد الرزاق (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٨٩) لكن دون قوله: (في الاحتلام).
[ ٢ / ٨ ]