٨٢/ ١٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاس ﵄ أنّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «يَأتِي أَحَدَكُمُ الشّيْطَانُ في صَلَاتِهِ، فَيَنْفُخُ في مَقْعَدَتِهِ فيُخَيّلُ إلَيْه أَنّهُ أَحْدَثَ، وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإذَا وَجَدَ ذلِكَ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أَخْرَجَهُ الْبَزّارُ.
٨٣/ ١٧ - وَأَصْلُهُ في الصّحِيحَينِ مِنْ حَدِيث عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ.
٨٤/ ١٨ - وَلِمُسْلمٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ.
٨٥/ ١٩ - ولِلْحَاكِم: عَنْ أَبي سَعيدٍ مَرْفُوعًا: «إذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الشّيْطَانُ، فَقَالَ: إنّكَ أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ»، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حبّانَ بِلَفْظِ: «فَلْيقلْ فِي نَفْسِهِ».
كان الأولى بالمصنف أن يضم هذه الأحاديث الثلاثة إلى حديث أبي هريرة خامس أحاديث الباب - وقد أشار إليه هاهنا ـ؛ لأن موضوعها واحد، وهو حكم الشك في الطهارة، وهذه فيها زيادة فوائد نذكرها - إن شاء الله ـ.
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجها:
أما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه البزار (١٧١ مختصر زوائده) من طريق إسماعيل بن صَبيح، ثنا أبو أويس، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، به مرفوعًا.
وقال: (لا نعلمه بهذا اللفظ إلا من طريق ابن عباس ﵄، وروي معناه من طريق غيره).
[ ١ / ٣٥٢ ]
وهذا إسناد حسن، إسماعيل بن صبيح: صدوق، وأبو أويس: صدوق يهم، وقد تابعه الدراوردي عند البيهقي (٢/ ٢٥٤).
والحديث أصله في الصحيحين: في البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١) من حديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا».
وفي صحيح مسلم (٣٦٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وتقدم في أول هذا الباب، وهو الحديث الخامس.
وأما حديث أبي سعيد فقد أخرجه الحاكم (١/ ١٣٤)، وابن حبان (٦/ ٣٨٩) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عياض بن هلال، عن أبي سعيد الخدري ﵁، وأول الحديث: «إذا صلى أحدكم فلم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا فليسجد سجدتين وهو جالس، وإذا أتى …»، وتمام الحديث عندهما: «حتى يسمع صوتًا بأذنه أو يجد ريحًا بأنفه»، ورجاله ثقات رجال الشيخين، غير عياض بن هلال، فإنه لم يوثقه إلا ابن حبان (^١)، ولم يرو عنه إلا يحيى بن أبي كثير، قال في «التقريب»: (عياض بن هلال، وقيل: ابن أبي زهير الأنصاري، وقال بعضهم: هلال بن عياض، وهو مرجوح، مجهول من الثالثة، تفرد يحيى بن أبي كثير بالرواية عنه).
وقد أخرجه أبو داود (١٠٢٩)، والترمذي (٣٩٦) من طريق إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، بهذا الإسناد، وحسنه الترمذي.
ولعله من الحسن لغيره، لا لذاته، من أجل عياض هذا، لكن تابعه عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، عند مسلم - وسيأتي في باب «سجود السهو» إن شاء الله ـ، لكن ليس فيه الجملة المذكورة هنا (وإذا أتى ..) فهي مما انفرد به عياض بن هلال، والغرض من إيراد لفظ ابن حبان أنه أفاد أنه يقول: «كذبت» في نفسه ولا يتكلم.
_________________
(١) "الثقات" (٥/ ٢٦٥).
[ ١ / ٣٥٣ ]
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (الشيطان) أي: جنس الشيطان.
قوله: (في صلاته) أي: حال كونه فيها.
قوله: (فينفخ) بضم العين من المضارع، من باب «قتل» يقال: نفخ بفمه نفخًا: أخرج منه الريح.
قوله: (في مقعدته) بفتح الميم، وهي السافلة من الشخص.
قوله: (فيخيل إليه) يحتمل أنه مبني للمعلوم، والفاعل ضمير مستتر يعود على الشيطان، أي: إن الشيطان هو الذي يخيل للمصلي أنه أحدث، أي: يوقع في خياله، أي: في وهمه وظنه، ويحتمل أنه مبني للمجهول، ونائب الفاعل قوله: (أنه أحدث).
الوجه الثالث: حديث ابن عباس وما بعده يفيد ما سبقت إليه الإشارة عند الحديث الخامس من هذا الباب من أن المتطهر إذا شك في وضوئه هل انتقض أو لا؟ فإن وضوءه باقٍ، ويصلي بطهارته تلك ولا يجب عليه الوضوء حتى يتيقن أنه أحدث إما بسماع صوت أو شَمِّ ريح.
الوجه الرابع: شدة عداوة الشيطان للإنسان، وذلك بإفساد عبادته، ولا سيما الصلاة وما يتعلق بها، وإيقاعه في الشكوك والأوهام حتى تفسد طهارته، وتبطل صلاته، تارة بالفعل (فينفخ في مقعدته)، وتارة بالقول بالوسوسة: (إنك أحدثت).
وقد أخبر الله تعالى بعداوة الشيطان، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
الوجه الخامس: في هذه الأحاديث بيان لعلاج الوسواس، فلا ينبغي للمسلم أن يستسلم لوساوس الشيطان ولا يلتفت إليها، فلا ينصرف حتى يتحقق انتقاض طهارته.
والوسواس داء عضال، إذا اشتد بصاحبه لا ينفك عنه ويصعب الخروج منه، فيقع في الحرج والمشقة في طهارته وصلاته وأحواله كلها، ومتى غفل عن
[ ١ / ٣٥٤ ]
الوساوس وتركها فإنها تزول بإذن الله تعالى، ولهذا أرشد النبي ﷺ إلى عدم الاستسلام لها بقوله: «فليقل: كذبت».
الوجه السادس: في هذه الأحاديث زيادة على حديث أبي هريرة المتقدم ومن ذلك:
١ - التصريح بأن هذه الشكوك في الطهارة من الشيطان.
٢ - أنه بيّن محل هذه الشكوك وأنه مقعدة الإنسان.
٣ - أنه بيّن طريقة الخروج من هذه الأوهام وهو تكذيب الشيطان، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٣٥٥ ]