١٥/ ١٥ - عَنْ أَبِي وَاقِدٍ الليْثِي ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهيمَةِ - وَهِيَ حَيَّةٌ - فَهُوَ مَيِّتٌ». أَخْرَجه أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ.
أكثر العلماء يذكرون هذا الحديث في كتاب الأطعمة والصيد، كأبي داود والترمذي وصاحب المنتقى وغيرهم، ولعل الحافظ ذكره هنا لبيان أن هذا المقطوع لو وقع في ماء أو غيره فهو نجس إن كان من حيوان ميتته نجسة، كما سيأتي - إن شاء الله ـ.
والكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو واقد الليثي، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، فقيل: الحارث بن عوف، نصَّ على ذلك الترمذي، وقيل غير ذلك، أسلم قديمًا، وشهد بدرًا على الأصح، وهو يُعَدُّ من أهل المدينة، وخرج إلى مكة، فجاور بها سنة، ومات سنة ثمان وستين، ﵁ (^١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (٢٨٥٨) في كتاب «الصيد» بابٌ «في صيدٍ قُطِعَ منه قطعة»، والترمذي (١٤٨٠) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد.
_________________
(١) "الإصابة" (١٢/ ٨٨).
[ ١ / ٧٥ ]
والحديث حسنه الترمذي؛ لأن في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وهو متكلم فيه، وقد أورده الذهبي في «الضعفاء»، وقال: («ثقة» قال ابن معين: في حديثه ضعف) (^١)، وقال أبو حاتم: (فيه لين، يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وقال ابن عدي: (بعض ما يرويه منكر لا يتابع عليه، وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء) (^٢)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يخطئ).
وقد ورد الحديث من طريق عبد الله بن جعفر، ثنا زيد بن أسلم به، أخرجه الحاكم (٤/ ١٢٣، ١٢٤) وقال: صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بقوله: (ولا تشدَّ يدك به)، وذلك لأن الذهبي ذكر عبد الله بن جعفر في «الضعفاء» وقال: (ضعفوه) (^٣)، وقال في التقريب: (ضعيف)، لكن بإضافة هذا الطريق إلى الطريق الأول يَقْوى الحديث، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار أحسن حالًا من عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني، فإن ابن دينار أخرج له البخاري، ومع ذلك ففيه كلام، كما تقدم (^٤).
وقد جاء الحديث من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ من طريق عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، ثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أخرجه الحاكم (٤/ ٢٣٩) وقال: (صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي، وتعقبه الألباني: بأن الأويسي لم يخرج له مسلم شيئًا، فالحديث على شرط البخاري فقط، وهو ثقة، فالإسناد صحيح (^٥)، لكن رواه سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلًا. أخرجه الطحاوي في «المشكل» (٤/ ٢٣٨) ورواه عبد الرحمن بن مهدي كما في «المستدرك» (٤/ ١٣٨) عن زيد بن أسلم، عن النبي ﷺ مرسلًا، وتابعه معمر كما في المصنف (٤/ ٤٩٤) لعبد الرزاق، قال الدارقطني في «العلل» (١١/ ٢٦٠): (المرسل أشبه بالصواب).
_________________
(١) انظر: "الضعفاء" ص (٢٤٣)، وفي رواية أخرى عن ابن معين أنه قال: (ليس بذاك القوي). انظر: "من كلام أبي زكريا يحى بن معين" ص (١٠٧).
(٢) انظر: "تهذيب التهذيب" (٦/ ١٨٧).
(٣) "الضعفاء" ص (٢١٣).
(٤) انظر: "غاية المرام" للألباني ص (٤١).
(٥) "غاية المرام" ص (٤٣).
[ ١ / ٧٦ ]
الوجه الثالث: اختصر الحافظ الحديث، فلم يذكر إلا الشاهد منه، وأول الحديث عن أبي واقد ﵁ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يَجُبُّون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم، قال: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة) وهذا لفظه عند الترمذي، وعند أبي داود بدون ذكر سبب الحديث.
الوجه الرابع: في شرح ألفاظه:
قوله: (ما قطع ..) يجوز أن تكون (ما) موصولة أو شرطية، ويكون قوله: (فهو ميت) جواب الشرط، أو خبرًا للمبتدأ وهو (ما) الموصولة، واقترن الخبر بالفاء لشبه الموصول بالشرط في العموم.
قوله: (من البهيمة) هي ذوات الأربع من الإبل والبقر والغنم، أو كُلُّ حي لا يميز، وهذا أعم من الأول، و(من) بيانية، وسبب الحديث يدل على أن المراد بالبهيمة الإبل والغنم.
قوله: (فهو ميت) هكذا في بعض نسخ البلوغ، والذي في الترمذي: (فهو مَيْتة)، وهي بسكون الياء، يقال: مَيْتة - بالتخفيف - وميّتة - بالتشديد ـ، والتخفيف أكثر (^١)، والميتة ما لم تلحقه الذكاة، ومعنى (فهو ميتة) أي: حرام كالميتة، لا يجوز أكله؛ لأنه ميت بزوال الحياة عنه، وكانوا يفعلون ذلك في حال الحياة - كما تقدم - فنهوا عنه.
الوجه الخامس: اعتبر العلماء لفظ هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الأحكام، يدل على أن ما قطع من البهيمة في حال حياتها من سنام بعير، أو ألية شاة، ونحو ذلك، فهو ميتة محكوم بنجاستها، إذ الميتة كذلك، فيحرم أكله والانتفاع به، قال ابن تيمية: (وهذا متفق عليه بين العلماء) (^٢).
وهذا عام مخصوص بما قطع من حيوان ميتته طاهرة، كالجراد والسمك، فيكون طاهرًا، فما وقع منه في ماء فهو طاهر.
كما يستثنى من ذلك الشعر والصوف والوبر والريش إذا قُصَّ بدون أصوله، والله أعلم.
_________________
(١) "المطلع" ص (١٠).
(٢) "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٩٨).
[ ١ / ٧٧ ]