٨٧/ ٢ - وَعَنْهُ قَالَ: كَان رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ». أَخْرَجَهُ السّبْعَةُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «ما يقول عند الخلاء» (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (١/ ٢٠)، وابن ماجه (٢٩٦)، وأحمد (١٩/ ١٣)، كلهم من طريق عبد العزيز بن صهيب قال: (سمعت أنسًا يقول …) وذكره.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا دخل) أي: إذا أراد الدخول، وهذا إن كان المكان معدًا لذلك كما في البيوت الآن، فإن كان في الصحراء - مثلًا - قال ذلك عند الشروع في تشمير ثيابه.
وقد ورد عند البخاري تعليقًا عن سعيد بن زيد: حدثنا عبد العزيز (إذا أراد أن يدخل) وذكر الحافظ أن البخاري وصلها في «الأدب المفرد» (^١)، قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: حدثني أنس قال: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء (^٢) … فأفاد ذلك بيان أنه يقول هذا الدعاء قبل الدخول لا بعده.
_________________
(١) "فتح الباري" (١/ ٢٤٤).
(٢) "الأدب المفرد" رقم (٦٩٢).
[ ١ / ٣٦٢ ]
قوله: (اللهم) أي: يا الله، فحذف حرف النداء، وعوض عنها الميم للبدء باسم الله تعالى ولكثرة الاستعمال.
قوله: (أعوذ بك) أي: أعتصم بك، وهي جملة خبرية لفظًا، إنشائية معنى؛ لأنها بمعنى الدعاء، فكأنه يقول: اللهم أعذني.
قوله: (من الخُبُثِ) بضم المعجمة والموحدة: جمع خبيث مثل: قضيب وقُضُب، وسرير وسُرُر، وهم ذكران الشياطين، والخبائث: جمع خبيثة، كصحيفة وصحائف، وهن إناث الشياطين، فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم، وقيل: الخُبْث: بإسكان الباء: الشر، والخبائث: الذوات الشريرة، فكأنه استعاذ من الشر وأهله.
وقد ذكر الخطابي: أن الصواب ضم الباء، وأن عامة أصحاب الحديث يقولون: الخُبْث: ساكنة الباء، وهذا غلط (^١)، والصواب جواز الوجهين كما يجوز في نظائره؛ لأن الإسكان على سبيل التخفيف جائز كما هو مقرّر عند أئمة التصريف، مثل: رُسُل ورُسْل، وكُتُب وكُتْب، ونحو ذلك، ونقل النووي عن جماعة من أهل المعرفة أن الباء ساكنة، منهم أبو عبيد القاسم بن سلاَّم (^٢) وقال القرطبي عن إسكان الباء: (رُوّيناه به أيضًا) (^٣).
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية الدعاء عند دخول المكان المعد لقضاء الحاجة بهذا الدعاء، ومناسبة هذا الدعاء دل عليها حديث زيد بن أرقم ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث» (^٤).
ولا فرق في هذه الاستعاذة بين البنيان والصحراء؛ لأن المكان يصير مأوى للشياطين بخروج الخارج وقبل مفارقته إياه.
وقد وردت زيادة التسمية من طريق عبد العزيز بن المختار، عن
_________________
(١) "معالم السنن" (١/ ١٦)، "إصلاح غلط المحدثين" ص (١٧).
(٢) "غريب الحديث" (١/ ٣١١).
(٣) "المفهم" (١/ ٥٥٤).
(٤) أخرجه أبو داود (٦)، وابن ماجه (٢٩٦)، وأحمد (٣٢/ ٣٨)، وهو حديث صحيح على شرط البخاري، كما ذكر الألباني في "تمام المنة" ص (٥٧).
[ ١ / ٣٦٣ ]
عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر: «إذا دخلتم الخلاء فقولوا: باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث»، وقد عزا ابن الملقن هذه الزيادة إلى سعيد بن منصور، وأبي حاتم، وابن السكن (^١)، وقال الحافظ: (إسناده على شرط مسلم) (^٢).
كما وردت عند ابن أبي شيبة من طريق أبي معشر نجيح ابن عبد الرحمن السندي، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا دخل الكنيف قال: «باسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (^٣)، وأبو معشر قال فيه الحافظ: (ضعيف أَسَنّ واختلط).
وقد حكم الألباني على زيادة التسمية بالشذوذ، لمخالفتها لكل طرق الحديث عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس (^٤) ﵁.
وقد ورد عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ستر ما بين أعين الجن وعورات بني ادم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: باسم الله» (^٥).
والتسمية قد وردت في عدة أحاديث، كلها معلولة، ويكفي في ذلك أن حديث أنس ﵁ ورد في الصحيحين والسنن وليس فيه ذكر البسملة، والله أعلم.
وسيأتي في حديث عائشة ﵂ ما يقوله إذا خرج من الخلاء، ولو قدمه المصنف هنا لكان أولى، والله أعلم.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الأمكنة النجسة كالحمامات والحشوش والمزابل هي مأوى الشياطين، ولذا شرعت الاستعاذة بالله تعالى منهم من ذكرانهم وإناثهم، أو من الشر كله وأهله، وهذا يدل على أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في دفع ما يؤذيهم أو يضرهم، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح العمدة" (١/ ٤٣٤).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٢٤٤).
(٣) "المصنف" (١/ ٧).
(٤) "تمام المنة" ص (٥٧).
(٥) أخرجه الترمذي (٦٠٦)، وابن ماجه (٢٩٧)، وقال الترمذي: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بذاك القوي)، وضعفه النووي في "الخلاصة" (٣٢٦)، والألباني في "الإرواء" (١/ ٨٨) وحسنه أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي.
[ ١ / ٣٦٤ ]