٥٩/ ٢ - وَللأرْبَعَة عَنْهُ إلاّ النّسَائِيّ: أَنّ النبِيّ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ. وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
٦٠/ ٣ - عَنْ عَلِيّ ﵁ قَالَ: لَوْ كَانَ الدّينُ بِالرّأْيِ لَكانَ أَسْفَلُ الْخُفّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفّيْهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإسْنَادٍ حَسَنٍ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث المغيرة فقد أخرجه أبو داود (١٦٥) في كتاب «الطهارة» باب «كيفية المسح»، والترمذي (٩٧)، وابن ماجه (٥٥٠) من طريق الوليد بن مسلم، أخبرنا ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة به …
وهذا إسناد فيه ضعف - كما قال الحافظ - وقد ذكره ليعلم حاله، فقد أُعل بعلتين قادحتين:
الأولى: الانقطاع بين ثور ورجاء، قال أبو داود عقبه: (وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء)، وقال الدارقطني: (رواه ابن المبارك عن ثور، قال: حُدّثتُ عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن النبي ﷺ مرسلًا ليس فيه المغيرة) (^١).
_________________
(١) "سنن الدارقطني" (١/ ١٩٥).
[ ١ / ٢٥٣ ]
العلة الثانية: الإرسال، وذلك أن كاتب المغيرة يرويه عن النبي ﷺ ولم يدركه، كما تقدم في رواية ابن المبارك، وهذا ما رجحه البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، قال الترمذي: (سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: لا يصح هذا … وذكر كلام ابن المبارك .. وسألت أبا زرعة، فقال نحوًا مما قال محمد بن إسماعيل) (^١)، وقال ابن أبي حاتم: (سألت أبا زرعة وأبي عن هذا الحديث فقالا: هذا أشبه) يعني: طريق ابن المبارك الذي فيه عدم ذكر المغيرة (^٢).
وفيه علة ثالثة وهي: جهالة كاتب المغيرة، كما في سياق أبي داود والترمذي، ذكر ذلك ابن حزم (^٣) لكنها علة غير قادحة، فقد سُمّيَ في رواية ابن ماجه: (ورّادًا)، وهو ثقة مشهور احتج به الستة.
وقصارى القول أن سند الحديث ضعيف، لما تقدم، وضَعَّفَهُ أئمة هذا الشأن: البخاري، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، وغيرهم.
هذا ما يتعلق بالإسناد، أما المتن فإن الأحاديث الصحيحة على خلافه، فإنها قد تضافرت على ذكر المسح على ظاهر الخف، وليس على باطنه، ومما يؤيد أن المسح على باطن الخف لم يكن معروفًا:
الحديث الثاني: الذي يليه، وهو ما أخرجه أبو داود (١٦٢) من طريق الأعمش، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد خير، عن علي ﵁.
وقد تفرد به عن أصحاب الكتب الستة، وقد حسن الحافظ إسناده هنا مع أنه أورده في «التلخيص» وقال: (إسناده صحيح) (^٤)، وصححه أحمد شاكر (^٥)، قال الألباني: (هذا هو الصواب) (^٦)، وعبد خير هو ابن يزيد الهمداني، وثقه ابن معين والعجلي، وتقدم له ذكر في أول «الوضوء».
وقد اختلف في لفظ هذا الأثر، ورجح الدارقطني في «العلل» (٤/ ٤٦) أن الصحيح فيه قول من قال: (كنت أرى باطن الخفين أحق بالمسح من أعلاهما) (^٧).
_________________
(١) "العلل الكبير" (١/ ١٨٠).
(٢) "علل الحديث" (١/ ٣٨، ٥٤).
(٣) "المحلى" (٢/ ١١٤).
(٤) "التلخيص" (١/ ١٦٩).
(٥) "تحقيق المسند" (٩١٧).
(٦) "إرواء الغليل" (١/ ١٤٠).
(٧) انظر: "موسوعة أحكام الطهارة" (٥/ ٢٨٦).
[ ١ / ٢٥٤ ]
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لو كان الدين بالرأي ..) المراد بالدين: أحكام الإسلام، والمراد بالرأي: ما يراه الإنسان صالحًا من غير نظر إلى الشرع، والمعنى: لو كان مأخذ الأحكام الشرعية بمجرد العقل لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه؛ لأن الأسفل يلاقي الأقذار والنجاسات، ولكن الواجب تقديم النقل الصحيح على الرأي، ولعل هذا مراد به ظاهر الرأي، وإلا فإن العقل يدل على أن الأولى مسح الأعلى فقط؛ لأن هذا المسح لا يراد به التنظيف، وإنما يراد به التعبد، ولا يمسح الأسفل؛ لأن مسحه تلويث له ولليد.
والعقل الكامل تابع للشرع؛ لأنه عاجز عن إدراك الحِكَمِ الإلهية، فعليه بالانقياد والتعبد المحض بمقتضى العبودية، وهذا هو العقل السليم من مرض الشبهة ومرض الشهوة، وما ضَلَّ من ضَلَّ من الكفرة والحكماء والمبتدعة وأهل الأهواء إلا بمتابعة العقل وترك موافقة النقل.
قوله: (وقد رأيت رسول الله ﷺ …) هذا كالتعليل لمحذوف يفهم من الكلام، والتقدير: لكنَّ أسفل الخف ليس أولى بالمسح؛ لأني رأيت رسول الله ﷺ مسح على أعلى الخفين فقط.
الوجه الثالث: حديث علي ﵁ دليل على محل المسح وأنه يكون على أعلى الخف دون أسفله.
أما حديث المغيرة فقد تقدم أنه حديث ضعيف مُعَارَضٌ بما هو أصح منه، قال ابن القيم: (وكان ﷺ يمسح ظاهر الخفين، ولم يصح عنه مسح أسفلهما إلا في حديث منقطع، والأحاديث الصحيحة على خلافه) (^١).
الوجه الرابع: أن مشروعية مسح الخف ليست من العمل بالرأي وإنما هي توقيفية لا تظهر فيها مناسبة إلا مجرد التخفيف والتيسير، فيتوقف فيه على ما شرع، وقد شرع المسح على ظاهر الخف دون أسفله.
_________________
(١) "زاد المعاد" (١/ ١٩٩).
[ ١ / ٢٥٥ ]
الوجه الخامس: لم يرد في صفة المسح على الخفين ولا في مقدار ما يُمسح حديث يعتمد عليه، والظاهر أنه إذا فعل المكلف ما يسمى مسحًا على الخف لغة أجزأ، وصفة ذلك: أن يُمِرَّ اليد اليمنى مبلولة بالماء مفرجة الأصابع على الرجل اليمنى، واليسرى كذلك، ويكون المسح مرة واحدة، ولا يشرع تكراره، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٢٥٦ ]