٣٤/ ٣ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ - في صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ - قَالَ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أمير المؤمنين، ورابع خلفاء المسلمين، وابن عم خاتم النبيين، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، وتربى في حِجْرِ النبي ﷺ لقصة مذكورة في السيرة النبوية، وامن به من حين بُعث، وزَوَّجَهُ النبي ﷺ ابنته فاطمة، وخلفه في أهله في غزوة تبوك، وقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» (^١)، شهد له النبي ﷺ بالجنة، واشتهر بالشجاعة والفروسية والإقدام والعلم والفطنة، حتى قال فيه عمر ﵁: (أقضانا علي) تولى الخلافة بعد عثمان ﵁ في اخر ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين - كما تقدم - إلى أن قتل شهيدًا لِبِضْعَ عَشْرَةَ ليلةً خلت من رمضان سنة أربعين، ودفن في قصر الإمارة بالكوفة، وقيل: في مكان مجهول خوفًا من الخوارج (^٢)، ﵁.
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث قطعة من حديث طويل، أخرجه أبو داود (١١١) في «صفة وضوء النبي ﷺ»، وأخرجه النسائي مختصرًا (١/ ٦٨)، من طريق أبي عوانة،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٧٠٦)، (٤٤١٦).
(٢) "الاستيعاب" (٨/ ١٣١)، "الإصابة" (٧/ ٥٧).
[ ١ / ١٥٢ ]
عن خالد بن علقمة، عن عبد خير (^١) قال: (أتانا علي ﵁ وقد صلى، فدعا بطَهور، فقلنا: ما يصنع بالطَّهور وقد صلى؟ ما يريد إلا أن يعلمنا … وساق الحديث إلى أن قال: ثم جعل يده في الإناء، فمسح برأسه مرة واحدة .. الحديث) وقد أخرجه أبو داود - أيضًا - من طريق زائدة بن قدامة، عن خالد به، وأخرجه من طرق أخرى، والحديث صحيح، قال عنه الترمذي: (حديث علي أحسن شيء في هذا الباب وأصح؛ لأنه قد روي من غير وجه عن علي رضوان الله عليه) (^٢) وقال البزار: (هذا الحديث قد رواه غير واحد عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي، ولا نعلم أحدًا أحسن له سياقًا ولا أتم كلامًا من زائدة). اهـ (^٣).
وهذا الحديث بطوله استوفى صفة وضوء النبي ﷺ، وهو يفيد ما أفاده حديث حمران عن عثمان ﵁ - السابق - وإنما أتى المصنف بهذا القدر من حديث علي ﵁ لأنها صرحت بما لم يُصرَّح به في حديث عثمان، فإن حديث عثمان ذكر مسح الرأس وظاهره أنها واحدة، لكن في هذا الحديث صرح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، مع تصريحه بتثليث ما عداه من الأعضاء، وسيذكره المصنف بعد واحد وعشرين حديثًا مستدلًا بها على مسألة من مسائل الوضوء.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الرأس يمسح مرة واحدة، وأنه لا يكرر مسحه كما يكرر الغسل، ولذا لم يشرع غسله؛ لأنه لو شرع غسله لعظمت المشقة؛ لأن الرأس يكون عليه الشعر غالبًا، وإكثار الماء عليه ولا سيما في أيام الشتاء يؤذي الإنسان، ولأنه لو غُسِلَ وهو أعلى البدن لتسرب الماء إلى الثياب، فشرع مسح جميعه، وأقام الشرع ذلك مقام غسله، تخفيفًا ورحمة بالعباد.
_________________
(١) يقال: اسمه عبد الرحمن بن يزيد، وقيل غير ذلك، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي، من كبار أصحاب علي -﵁-.
(٢) "جامع الترمذي" (١/ ٦٤).
(٣) انظر: "البحر الزخار" (٣/ ٤٠ - ٤١).
[ ١ / ١٥٣ ]
والقول بأن الرأس يمسح مرة واحدة هو مذهب الجمهور من أهل العلم، من الحنفية، والمالكية، والصحيح من مذهب الحنابلة (^١)، ودليلهم حديث علي هذا، وحديث عبد الله بن زيد، وفيه: (ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة) (^٢)، وكذلك حديث عثمان المتقدم، فإنه لم يذكر التثليث في مسح الرأس كما ذكره في غيره من الأعضاء، وكذا حديث الرُّبَيِّع بنت معوذ بن عفراء ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، قالت: فمسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وما أدبر، وصُدْغيه وأذنيه مرة واحدة (^٣) والصُّدْغ: ما بين لحظ العين إلى أصل الأذن والشعر المتدلي على ذلك الموضع.
قال ابن القيم: (والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه، بل كان إذا كرر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس، هكذا جاء عنه صريحًا، ولم يصح عنه ﷺ خلافه البتة ..) (^٤).
والقول الثاني: أنه يشرع تثليث مسح الرأس، وهو مذهب الشافعي، فإنه قال: (وأحب لو مسح رأسه ثلاثًا، وواحدةٌ تجزئه) (^٥)، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول لبعض السلف، كإبراهيم التيمي وعطاء (^٦).
واستدلوا بما يلي:
١ - حديث عثمان ﵁، ففي رواية أنه قال: (ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا) (^٧) قالوا: فظاهر ذلك يشمل مسح الرأس.
_________________
(١) "حاشية ابن عابدين" (١/ ١٢٠ - ١٢١)، "حاشية الدسوقي" (١/ ٩٨)، "الإنصاف" (١/ ١٦٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٨٦)، ومسلم (٢٣٥)، وقد بّوب عليه البخاري باب "مسح الرأس مرة".
(٣) أخرجه أبو داود (١٢٩)، والترمذي (٣٤) وقال: (حديث حسن صحيح).
(٤) "زاد المعاد" (١/ ١٩٣).
(٥) "الأم" (١/ ٤٢)، "المجموع" (١/ ٤٣٢).
(٦) انظر: "الطهور" ص (٣٦١)، "مصنف ابن أبى شيبة" (١/ ١٥).
(٧) أخرجه مسلم (٢٣٠) (٩).
[ ١ / ١٥٤ ]
٢ - ما أخرجه أبو داود من حديث عثمان، من طريق عامر بن شقيق أن عثمان مسح رأسه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا (^١).
والصحيح القول الأول، وهو أن الرأس يمسح مرة واحدة على الصفة الآتية، والزيادة على ذلك غير مشروعة، لقوة دليله، ولأن المسح مبني على التخفيف، فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، ولأنه لو اعتبر العدد في المسح لصار في صورة الغسل إذ حقيقة الغسل جريان الماء.
وأما رواية مسلم فهي مجملة، وقد تبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر فيحمل على الغالب، أو أن التثليث يختص بالمغسول.
وأما حديث أبي داود فهو ضعيف من هذا الطريق؛ لأنه من رواية عامر ابن شقيق، وهو لين الحديث، كما في «التقريب»، ثم هي معارضة بما هو أصح منها، فتكون شاذة، ولهذا قال أبو داود: (أحاديث عثمان ﵁ الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثًا، وقالوا فيها: ومسح رأسه، ولم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره) (^٢)، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١١٠) وابن خزيمة (١٥٢)، وفيه عامر بن شقيق، وهو متكلم فيه - كما سيأتي -.
(٢) "السنن" (١/ ٢٧).
[ ١ / ١٥٥ ]