٤٢/ ١١ - عن عبد الله بن زيد ﵁؛ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَأْخُذُ لأُذُنَيْه مَاءً خِلافَ المَاءِ الَّذي أَخَذَ لِرَأْسِهِ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهقِيُّ. وَهُوَ عِندَ (مُسْلم) مِنْ هذَا الوَجْهِ بِلَفْظِ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيرِ فَضْلِ يَدَيْه، وَهُوَ المَحْفُوظُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث له روايتان: الأولى: أخرجها البيهقي في «سننه» (١/ ٦٥) من رواية الهيثم بن خارجة، عن عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن حبان بن واسع الأنصاري، أن أباه حدثه أنه سمع عبد الله بن زيد، يذكر أنه رأى … الحديث. وقال: (هذا إسناد صحيح).
والثانية: أخرجها مسلم (٢٣٦) من طريق هارون بن معروف، وهارون ابن سعيد الأيلي، وأبو الطاهر (^١) عن ابن وهب، به.
قال الحافظ: وهو المحفوظ، والمحفوظ عند المحدثين ما يقابل الشاذ، فالمحفوظ: ما رواه الأوثق مخالفًا لرواية الثقة، والشاذ ما رواه المقبول مخالفًا لمن هو أولى منه.
فرواية البيهقي شاذة؛ لأن الهيثم بن خارجة وإن كان ثقة، لكنه مخالف لمن هو أكثر منه، حيث رواه جماعة عن ابن وهب - كما تقدم - بلفظ (أنه
_________________
(١) هو أحمد بن عمرو بن سرح البصري.
[ ١ / ١٨٨ ]
مسح برأسه بماء غير فضل يده)، فتكون روايته غير صحيحة وإن كان رواتها ثقات، لعدم سلامتها من الشذوذ، الذي هو شرط في صحة الحديث، وقد أورد البيهقي لفظ مسلم وقال: (وهذا أصح من الذي قبله).
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن مسح الأذنين يكون بفضل ماء الرأس، ولا يؤخذ لهما ماء جديد؛ لأن الأذنين من الرأس - كما تقدم - ولأن الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ لم يذكروا أنه أخذ ماء جديدًا لأذنيه، قال ابن القيم: (ولم يثبت أنه ﷺ أخذ لهما ماء جديدًا) (^١).
وقد نسب ابن المنذر إلى مالك والشافعي وأحمد أنهم يرون أن يأخذ المتوضئ ماء جديدًا لأذنيه، ثم قال: (وغير موجود في الأخبار الثابتة التي فيها صفة وضوء رسول الله ﷺ أخذه لأذنيه ماء جديدًا …) (^٢).
لكن لو فرض أن شعره كثيف، وقد استغرق ما في يديه ولم يبق بهما بلل، فلا بأس أن يأخذ لأذنيه ماء جديدًا، فإن كانتا رطبتين كفى ذلك لمسح الأذنين.
الوجه الثالث: مسح الرأس قد ورد في حديث عثمان ﵁ المتقدم أول الباب، وإنما ذكر الحافظ هذا الحديث لأن فيه بيان مشروعية أخذ ماء جديد للرأس، فهو دليل على أن مسح الرأس يكون بماء جديد غير فضل يديه؛ لأن اليد عضو مستقل، والرأس عضو مستقل، وهذا قول الجمهور من أهل العلم.
وفي حديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي ﷺ: (ثم أدخل يده في الإناء فمسح برأسه ..) (^٣) وتقدم.
قال الترمذي بعد حديث عبد الله بن زيد: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديدًا). اهـ (^٤).
_________________
(١) "زاد المعاد" (١/ ١٩٥).
(٢) "الأوسط" (١/ ٤٠٤).
(٣) أخرجه البخاري (١٩٢).
(٤) "جامع الترمذي" (١/ ٥٢).
[ ١ / ١٨٩ ]
وجاء في حديث حمران مولى عثمان عن عثمان ﵁ في وصفه وضوءه ﷺ وفيه قال حمران: (ثم أدخل يده فأخذ ماء فمسح برأسه … الحديث (^١».
وهكذا جاء في حديث علي ﵁: (ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة) (^٢).
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز أن يمسح رأسه بما بقي من أعضائه السابقة، فمنهم من يقول بفضل يديه، ونسبه ابن المنذر إلى الحسن وعروة والأوزاعي (^٣)، ومنهم من قال: يمسح رأسه ببلل لحيته، وهو لبعض المالكية، كما ذكر ابن العربي (^٤) وابن عبد البر (^٥).
ولعلهم يستدلون بحديث الرُّبيِّع، وفيه: (ومسح رأسه من فضلِ ماءٍ كان في يده) (^٦) ولأن المسح مبني على التخفيف.
والقول الأول أرجح، لقوة دليله، فإن حديث عبد الله بن زيد وما ذكر معه حجة على من ذُكر، إلا إن حملوا أفعال النبي ﷺ التي ليست بيانًا للمجمل على الندب (^٧)، لكن الظاهر أن فعله ﷺ بيان لمجمل كيفية مسح الرأس، والله أعلم.
أما حديث الربيع ففي سنده مقال، وفي متنه اضطراب، فهو من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تقدم الكلام فيه (^٨)، وأما اضطراب متنه فإن ابن ماجه أخرجه من طريق شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع، وفيه: (وأخذ ماء جديدًا فمسح به رأسه ..) (^٩) فما في رواية مسلم مقدم عليه عند التعارض.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٠٨).
(٢) تقدم رقم (٣٤).
(٣) "الأوسط" (١/ ٥٩٢).
(٤) "أحكام القرآن" (١/ ٥٧٣).
(٥) "الاستذكار" (٢/ ٣٥).
(٦) تقدم تخريجه.
(٧) "البدر المنير" (١/ ٣٨٦).
(٨) انظر الحديث رقم (٣٥).
(٩) "سنن ابن ماجه" (٣٩٠).
[ ١ / ١٩٠ ]
الوجه الرابع: ورد في حديث ابن عباس ﵄ في بيان الصفة المشروعة في كيفية أخذ الماء الذي يمسح به الرأس، ولفظه قال: (ألا تحبون أن أريكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟) وساق الحديث، إلى أن قال: (ثم قبض قبضة من الماء، ثم نفض يده ثم مسح بها رأسه وأذنيه ..) (^١)، فهذه الصفة الأولى، وهي أن يأخذ بيده اليمنى قبضة من الماء ثم ينفضها ويمسح بما فَضَلَ رأسه.
وفيه صفة ثانية وهي أن يغرف غرفة بيده اليمنى ثم يتلقاها بشماله حتى يضعها على رأسه من غير نفض يديه، ودليلها أن معاوية ﵁ توضأ للناس كما رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء، فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه (^٢).
وأما الصفة الثالثة التي عليها أكثر الناس، وهي أن يأخذ غرفة بيمينه ثم يتلقفها بشماله وينفضها نفضًا خفيفًا ثم يمسح بهما معًا، فلم أقف عليها، والظاهر جوازها؛ لأن الله تعالى أمر بمسح الرأس، وهذا قد مسح رأسه بيديه فيجزئ، لكن اتباع الوارد والتأسي بالنبي ﷺ أفضل، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٣٧) وسنده حسن، كما في "صحيح أبي داود" للألباني (١/ ٢٨).
(٢) أخرجه أبو داود (١٢٤) بإسناد صحيح، كما قال الألباني (١/ ٢٦) رقم (١١٥).
[ ١ / ١٩١ ]