٣٧/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ منامه فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «بدء الخلق» باب «صفة إبليس وجنوده» (٣٢٩٥)، ومسلم في «الطهارة» (٢٣٨) من طريق عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁، ولفظه عند البخاري «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثًا ..» وقد مضى ذكر الاستنثار في حديث عثمان ﵁ في صفة وضوء النبي ﷺ. ولعل الحافظ ذكر هذا الحديث هنا، لاشتماله على أمر النبي ﷺ بالاستنثار، لكونه يتعلق بعضو الأنف.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من نومه) هذا مفرد مضاف، فيعم نوم الليل والنهار، لكن قوله: «يبيت» مخصص لهذا العموم؛ لأن البيتوتة لا تكون إلا في الليل، قال في القاموس: (من أدركه الليل فقد بات) (^١) أي: سواء أحصل نوم أم لم يحصل.
قوله: (فليستنثر) أي: ليخرج من أنفه الماء الذي استنشقه، واللام للأمر، وهذا اللفظ فيه زيادة فائدة على قوله: «فليستنشق» لأن الاستنثار يقع على الاستنشاق بغير عكس، فقد يستنشق ولا يستنثر، والاستنثار من تمام
_________________
(١) "القاموس" (١/ ٣٤٦).
[ ١ / ١٦٦ ]
فائدة الاستنشاق؛ لأن الاستنشاق جذب الماء بنفسه إلى باطن الأنف، والاستنثار إخراجه، وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم ليستنثر». وقد مضى ذكر ذلك.
قوله: (ثلاثًا) مفعول مطلق نائب عن المصدر أي: استنثارًا ثلاثًا.
قوله: (فإن الشيطان يبيت على خيشومه) الجملة تعليل للأمر بالاستنثار ثلاثًا، والمراد بالشيطان: جنس الشيطان، والخيشوم: هو أعلى الأنف من داخله، وقيل: هو الأنف.
الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الاستنثار ثلاث مرات عند الاستيقاظ من نوم الليل؛ لأنه ورد بصيغة الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، ورواية البخاري - كما تقدم - قيدت هذا الاستنثار عند الوضوء، ورواية مسلم مطلقة غير مقيدة بالوضوء، فإما أن يحمل المطلق على المقيد ويكون الأمر عند الوضوء، أو يعمل بالحديثين، فيشرع الاستنثار عند الاستيقاظ من النوم وإن لم يصادف وضوءًا، إما لمرض أو لكونه عادمًا الماء، ولكن عنده ما يستنثر به، فإن لم يتيسر ذلك كفى استنثاره في الوضوء، فإنه حاصل به فعل المشروع.
والاستنثار فرع عن الاستنشاق، والقول بوجوب الاستنشاق رواية عن الإمام أحمد (^١)، وبه قال ابن حزم (^٢)، وقال الجمهور: إنه سنة (^٣).
والأول أظهر، فإن الأصل في الأوامر الوجوب، وليس الاستحباب، حتى يرد دليل صارف، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
الوجه الرابع: جاء في الحديث تعليل الأمر بالاستنثار بأن الشيطان يبيت على خيشوم الإنسان، ولم يبين لماذا يبيت؟ ثم إن الخيشوم شيء ضيق لا يتسع للأجرام الكبيرة، فعلم بذلك أن للشياطين تصرفاتٍ وأحوالًا وألوانًا
_________________
(١) "المغني" (١/ ١٦٦).
(٢) "المحلى" (١/ ٢٩٦).
(٣) "حاشية الدسوقي" (١/ ١٣٦)، "مغني المحتاج" (١/ ٥٧)، "الإنصاف" (١/ ١٥٣)، "شرح فتح القدير" (١/ ٢٥).
[ ١ / ١٦٧ ]
لا يعلم كيفيتها إلا الله الذي خلقهم وأقدرهم، والواجب على المؤمن التصديق والامتثال والطاعة في كل ما جاء عن ربه، وثبت عن نبيه ﷺ، ولو لم يعرف حكمته وتفصيله؛ لأنه عبد مأمور، يعلم يقينًا أنه لا يؤمر إلا بما فيه صلاحه وسعادته، فإن ظهرت له حِكَمٌ وأسرار فهذا علم إلى علم، وهدى إلى هدى، ونور إلى نور، وإن لم يظهر له شيء اكتفى بما عنده من العلم، وامتثل ما دل عليه النص، والله أعلم.
[ ١ / ١٦٨ ]