٤١/ ١٠ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ، فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٢٦/ ٣٧٠) وابن خزيمة (١١٨) من طريق شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد ﵁، به.
وهذا لفظ ابن خزيمة إلا أن فيه: (ذراعه) بالإفراد، وقد رواه عن شعبة أبو داود الطيالسي، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ومعاذ العنبري، وخالفهم محمد بن جعفر - كما يأتي ـ.
وإسناده صحيح، حبيب بن زيد روى له الأربعة وهو ثقة، وشعبة وعباد من رجال الصحيحين، لكن اختلف فيه على شعبة فرواه غندر - وهو محمد بن جعفر - عن شعبة، عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن جدته أم عمارة بنت كعب، كما عند أبي داود (٩٤)، ومن طريقه البيهقي (١/ ١٩٦)، والنسائي في «الصغرى» (١/ ٥٨)، وفي «الكبرى» (٧٦) فجعله غندر من حديث أم عمارة لا من حديث عبد الله بن زيد، وقد ورد في «العلل» لابن أبي حاتم قال: سألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقال: (الصحيح عندي حديث غندر) (^١). ونقل الحافظ عن عبد الله بن المبارك أنه قال: (إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حَكَمٌ بينهم)، وقال
_________________
(١) "العلل" (١/ ٢٥).
[ ١ / ١٨٥ ]
ابن مهدي: (كنا نستفيد من كتب غندر في شعبة) وكان وكيع يسميه الصحيح الكتاب (^١).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (بثلثي مد) المد: بضم الميم وتشديد الدال، وحدةُ كيلٍ شرعية، وهي ملء كفي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومد يده بهما (^٢)، والمد ربع الصاع باتفاق الفقهاء، وهو رطل وثلث، بناء على أن الصاع يزن خمسة أرطال وثلث، الرطل، وهذا عند الشافعية والحنابلة والمالكية (^٣).
قوله: (فجعل يدلك) جعل: من أفعال الشروع، واسمها ضمير مستتر يعود على النبي ﷺ، وجملة (يدلك) خبر (جعل)، ويدلك: بضم اللام ماضيه دلك، من باب (نصر) والدلك: إمرار اليد الغاسلة على العضو المغسول مع الماء.
والغسل: جريان الماء وإسالته على الأعضاء، وعلى هذا فالدلك غسل وزيادة؛ لأن الغسل لا يشترط فيه إمرار اليد على العضو، أما المسح: فهو إمرار اليد على الشيء الممسوح.
الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب التقليل في ماء الوضوء ومثله الغسل، وأن هذا هو هدي النبي ﷺ، وهذا أقل قدر توضأ به النبي ﷺ، وعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، وسيأتي إن شاء الله.
ولا خلاف أن هذا القدر ليس بحد لازم لا يجوز تجاوزه، بل العبرة في ذلك بأداء الواجب وعدم الإسراف، وذلك يختلف باختلاف الناس وأجسادهم ولباقتهم، ولذا اختلف المقدار في حديث أنس عن حديث عبد الله بن زيد ﵄.
وقد نقل الإجماع غير واحد على أن الطهارة غير مقدرة بقدر معين، قال النووي: (أجمع المسلمون على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل غير
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" (٩/ ٨٥).
(٢) "القاموس" (٤/ ٢١٥).
(٣) "الإيضاح والتبيان" ص (٥٦ - ٥٧).
[ ١ / ١٨٦ ]
مقدر، بل يكفي فيه القليل والكثير، إذا وجد شرط الغسل وهو جريان الماء على الأعضاء). وقال أيضًا: (أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ البحر) (^١).
ومما يدل على تحريم الإسراف في الماء حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» (^٢).
فعلى المسلم أن يعوّد نفسه الاقتصاد في الماء، ويحذر من الإسراف الذي وقع فيه كثير من الناس اليوم، بسبب استعمال الأنبوب في الوضوء، ولأجل التعود على الاقتصاد ينبغي للإنسان أن يستعمل إناء يضع فيه ماء الوضوء، لكي يأمن من الإسراف.
الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية دلك أعضاء الوضوء، والجمهور من أهل العلم على استحبابه وعدم وجوبه، خلافًا للمالكية (^٣)؛ لأن الله تعالى أمر بالغسل في اية الوضوء، والغسل لا يشترط فيه إمرار اليد، كما قرره طائفة من أهل اللغة؛ لأنه إسالة الماء على العضو، وإذا ثبت ذلك فلا وجه لاشتراطه؛ لأنه أمر زائد على ظاهر القران وعلى الدلالة اللغوية للفظ الغسل.
لكن إن كان إتمام الوضوء يتوقف على الدلك كأن يكون الماء قليلًا وجب إمرار اليد على العضو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعلى هذا يحمل هذا الحديث، فإن وضوء النبي ﷺ بثلثي مد لا يتم إلا بالدلك، وإن كان لا يترتب عليه إتمام الواجب فهو مستحب، لما تقدم، والله أعلم.
_________________
(١) "شرح صحيح مسلم" (٣/ ٢٤١).
(٢) أخرجه أبو داود (٩٦) وأحمد (٢٧/ ٣٥١)، وأخرجه ابن ماجه (٣٨٦٤) وليس فيه الاعتداء في الطهور، والحاكم (١/ ١٦٢)، والبيهقي (١/ ١٩٦)، وهو حديث حسن.
(٣) "الكافي" لابن عبد البر (١/ ١٧٠)، "المجموع" (١/ ٤٦٥).
[ ١ / ١٨٧ ]