٢٥/ ٢ - وعَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: «إنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، فَإنَّهَا رِجْسٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع، منها: كتاب «الصيد والذبائح»، باب «لحوم الحمر الأنسية» (٥٥٢٨)، ومسلم كذلك (١٩٤٠) من طريق محمد بن سيرين، عن أنس ﵁، وزاد مسلم: «من عمل الشيطان»، واللفظ المذكور قريب من لفظ البخاري، إلا أنه لم يذكر اسم المنادي، وإنما ورد ذكره عند مسلم.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لما كان يوم خيبر) أي: غزوة خيبر، وهي في أواخر المحرم سنة سبع، ونسبه ابن القيم (^١) إلى الجمهور، وخيبر بلدة تبعد عن المدينة حوالي مائة وستين كيلًا، ومعناها بلسان اليهود: الحصن، وهي اسم لحصون ومزارع لليهود.
و(يوم) مرفوع على أنه فاعل لـ (كان) التامة.
قوله: (أمر رسول الله ﷺ أبا طلحة) هو زيد بن سهل بن الأسود بن
_________________
(١) "زاد المعاد" (٣/ ٣١٦).
[ ١ / ١٠٩ ]
حرام بن عمرو النجاري الأنصاري، مشهور بكنيته، كان من فضلاء الصحابة، وهو زوج أم سليم، والدة أنس، وقد أخرج الإمام أحمد من طريق ثابت البناني، عن أنس ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ: «لَصَوْتُ أبي طلحة أشد على المشركين من فئة») (^١)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه من طريق علي بن جُدعان، عن أنس، ولفظه: «لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة» وإسناده ضعيف، لضعف علي بن جُدعان، لكن تابعه ثابت البناني كما سلف، مات أبو طلحة ﵁ سنة أربع وثلاثين (^٢).
قوله: (عن لحوم الحمر الأهلية) الحمر: بضمتين جمع حمار، والأهلية: نسبة إلى الأهل، أي: الحيوان الأليف، احترازًا من الحمر الوحشية؛ لأنها حلال.
قوله: (فإنها رجس) جملة تعليلية، والرجس: بكسر الراء وسكون الجيم: كل شيء يستقذر، كما تقدم.
والضمير (فإنها) يحتمل عوده على الحمر، فيكون عرقها وريقها ودمع عينيها وما يخرج من أنفها نجسًا، ويحتمل عوده على اللحم الذي في القدور فيكون اللحم نجسًا، وما تقدم يكون طاهرًا.
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية النداء لبيان المهمات من الأحكام وغيرها، وجواز أن يكون ذلك بواسطة مبلغ يكون موثوقًا به، أما غير الثقة فلا يجوز.
ويستفاد منه جواز اتخاذ المترجم، الذي ينقل الكلام من لغة إلى أخرى، بشرط أن يكون أمينًا عارفًا باللغتين، لئلا يقع في الخطأ أو يحرّف الكلام عن مواضعه.
الوجه الرابع: جواز جمع اسم الله تعالى مع غيره في ضمير واحد، ومثل ذلك قوله ﷺ: «… أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما …» (^٣).
_________________
(١) "المسند" (٢٠/ ٣٧٥).
(٢) "الإصابة" (٤/ ٥٥).
(٣) أخرجه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣).
[ ١ / ١١٠ ]
وأما ما ورد في حديث عدي بن حاتم ﵁ أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ: «بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى» (^١)، فأجيب عنه بأجوبة منها:
الأول: وهو المشهور أن الإنكار على هذا الخطيب؛ لأن الخطبة شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات، وثَنَّى الضمير في حديث الباب؛ لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما تعليم حكم، فكلما قلَّ لفظه كان أقرب إلى حفظه، ذكره النووي (^٢).
الثاني: أنه ثنى الضمير هنا إيماءً إلى أن ما نهى الله عنه فقد نهى رسوله عنه، وكذا العكس فهما متلازمان، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعارًا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، ذكره في شرح كتاب «التوحيد» (^٣)، ونسبه للبيضاوي وغيره.
الثالث: أن هذا من خصائصه ﷺ، فيجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربه تعالى، وذلك ممتنع على غيره؛ لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، ذكره السيوطي ونسبه للعز بن عبد السلام (^٤)، وقد أشار القرطبي إلى ذلك (^٥).
الوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم لحوم الحمر الأهلية، وأن لحمها ودمها وبولها وروثها كله نجس، لقوله: «ينهيانكم» وقوله: «فإنها رجس»، والأصل في النهي التحريم، والأصل في الرجس - وهو القذر - وجوب الاجتناب.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨٧٠).
(٢) "شرح النووي على صحيح مسلم" (٥/ ٤٠٩).
(٣) "تيسير العزيز الحميد" ص (٤٧٨).
(٤) "شرح السيوطي على سنن النسائي" (٦/ ٩٢).
(٥) "المفهم" (٢/ ٥١١).
[ ١ / ١١١ ]
وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في بدنه وعرقه وسؤره وريقه ونحو ذلك، على قولين:
الأول: أنها نجسة، فلو شرب حمار من ماء وبقي بعد شربه شيء فهو نجس، وكذا عرقه وما يسيل من أنفه. وهذا مذهب الإمام أحمد، ودليله حديث الباب، ووجه الدلالة: أنه إذا كان الحمار الأهلي نجسًا فإن سؤره وما ذكر يكون نجسًا.
القول الثاني: أنها طاهرة، وهذا مذهب الجمهور، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها الموفق ابن قدامة (^١)، وصاحب «الإنصاف» (^٢)، واستدلوا بما يأتي:
١ - أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يركبونها، ولا يخلو ركوبها من عرق، ولو كانت نجسة لبين النبي ﷺ ذلك، لحاجة الناس إلى هذا البيان.
٢ - أنه لا يمكن التحرز منها لمقتنيها، فأشبهت الهرة المنصوص عليها في قوله ﷺ: «إنها من الطوافين عليكم»، فإذا عفي عن الهرة لتطوافها فالحمار من باب أولى، ولا سيما أهل الحمر الذين اعتادوا ركوبها.
وهذا القول هو الراجح - إن شاء الله ـ؛ لقوة مأخذه، وهو الأليق بسماحة الشريعة، وبُعدها عن الحرج والمشقة.
قالوا: وأما ما استدل به القائلون بنجاسة ريقها وعرقها فليس صريحًا في تحريم ما ذكر، فإن معنى (رجس) أي: محرمة، كما في اية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ ..﴾ [المائدة: ٩٠]، ويحتمل أن المراد بذلك لحمها الذي كان في قدورهم فإنه نجس؛ لأن ذَبْحَ ما لا يحل أكله لا يطهره الذبح، ولهذا قال ابن القيم: (دليل النجاسة لا يقاوم دليل الطهارة) (^٣)، والله أعلم.
_________________
(١) "المغني" (١/ ٦٨).
(٢) "الإنصاف" (١/ ٣٤٢).
(٣) انظر: "بدائع الفوائد" (٢٧١ - ٢٧٢).
[ ١ / ١١٢ ]