٢٤/ ١ - عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلاًّ؟ قَالَ: «لَا». أَخْرَجَه مُسْلِمٌ.
غرض المؤلف ﵀ من إيراد هذا الحديث في هذا الباب بيان نجاسة الخمر، ومن قبله فعل ذلك ابن دقيق العيد في «الإلمام»، وابن عبد الهادي في «المحرر»، وإلا فالمحدثون يذكرونه في كتاب «الأشربة»، كما فعل مسلم والترمذي، وكذا فعل المجد ابن تيمية في «المنتقى» وغيرهم، لكن أورده المصنف أخذًا برأي الجمهور - كما سيأتي - وهو أن الخمر نجسة.
والكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم (١٩٨٣) في «الأشربة» من طريق سفيان - هو الثوري - عن السدي، عن يحيى بن عباد، عن أنس ﵁، وأخرجه الترمذي في «البيوع» (١٢٩٤)، وقال: (حديث حسن صحيح)، وأخرجه أبو داود في «الأشربة» (٣٦٧٥) بهذا الإسناد، ولفظه أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا، قال: «أهرقها»، قال: أفلا أجعلها خلاًّ؟ قال: «لا».
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (سئل عن الخمر) الخمر: ما أسكر العقل من عصير كل شيء أو نقيعه، سواء كان من العنب أو التمر أو غيرهما، وقد يكون السائل أبا طلحة كما في رواية أبي داود، وقد يكون غيره.
[ ١ / ١٠٥ ]
قوله: (تتخذ خلاًّ) الضمير يعود على الخمر، وهي مؤنثة، وقد تذكّر، والخَلُّ: بفتح الخاء وتشديد اللام، هو ما حَمُض من عصير العنب ونحوه، والظاهر أن هذا السؤال كان بعد تحريم الخمر.
والمراد باتخاذها خلاًّ هو علاجها حتى تصير خلاًّ بعدما تشتد وتقذف الزبد، وذلك بوضع شيء فيها، كبصل أو خبز أو خميرة أو حجر ونحو ذلك، أو ينقلها من الظل إلى الشمس أو بالعكس، أو يخلطها بالخل أو غير ذلك من طرق تخليلها.
الوجه الثالث: تقدم أن المؤلف ساق هذا الحديث في باب النجاسات لبيان نجاسة الخمر، وهذه مسألة اختلف العلماء فيها على قولين:
الأول: أن الخمر نجسة باشتدادها وإسكارها، فإن النجاسة هي القذارة، وهي بشدتها صارت قذرة يجب اجتنابها، فإذا أصابت البدن أو الثوب أو الإناء وجب غسله للنجاسة، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وهو مذهب الظاهرية (^١)، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢)، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي (^٣)، والشيخ عبد العزيز بن باز، رحم الله الجميع.
الثاني: أن الخمر طاهرة، ونسبه القرطبي إلى ربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك، والليث بن سعد، والمزني (^٤)، وهو قول داود الظاهري وجماعة من الفقهاء، واختار هذا القول الصنعاني (^٥) والشوكاني (^٦)، وأحمد شاكر (^٧).
استدل الجمهور على نجاستها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
_________________
(١) "شرح فتح القدير" (٩/ ٢٨)، "نهاية المحتاج" (١/ ٢١٧)، "المبدع" (١/ ٣٢٠)، "الخرشي على مختصر خليل" (١/ ٨٤)، "المحلى" (١/ ١٩١).
(٢) "الفتاوى" (٣٤/ ٢٠٤).
(٣) "أضواء البيان" (٢/ ١٢٧).
(٤) "الجامع لأحكام القرآن" (٦/ ٢٨٨، ٢٨٩)، "المجموع" (٢/ ٥٦٣).
(٥) "سبل السلام" (١/ ٦٢).
(٦) "السيل الجرار" (١/ ٣٥).
(٧) تعليقه على "المحلى" (١/ ١٩٢).
[ ١ / ١٠٦ ]
ووجه الدلالة من وجهين:
الأول: أن الله تعالى سمى الخمر رجسًا، والرجس يقع على الشيء المستقذر النجس، والنجس حرام، وقد سمى الله تعالى النجاسات من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير رجسًا.
الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وهذا يفيد اجتناب الخمر من كل وجه، فلا يجوز شربها ولا بيعها ولا تخليلها ولا المداواة بها ولا غير ذلك.
كما استدلوا بحديث أبي ثعلبة المتقدم في حكم أواني أهل الكتاب، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أمر أبا ثعلبة الخشني وقومه بغسل أواني أهل الكتاب التي يطبخون فيها الخنزير، ويشربون فيها الخمر، وأن لا يستعملوها إلا إذا لم يجدوا غيرها، بعد أن يغسلوها، والأمر بغسلها دليل نجاستها، ولو كانت طاهرة لم يأمرهم ﷺ بغسلها.
واستدل القائلون بطهارتها بما يلي:
١ - حديث أنس ﵁ أن الخمر لما حرمت خرج الناس وأراقوها في الأسواق (^١)، ووجه الدلالة: أن الصحابة أراقوا الخمر في طرقات المدينة، ولم ينههم النبي ﷺ عن ذلك، ولو كانت نجسة لنهاهم عن ذلك، كما نهى عن التخلي في الطرق.
٢ - أن الأصل في الأشياء الطهارة، حتى يقوم دليل النجاسة، ولم يَروا في الأدلة التي ساقها القائلون بالنجاسة ما يوجب الانتقال عن هذا الأصل، لأنها أدلة غير صريحة في المراد.
والذي يظهر - والله أعلم - القول بنجاسة الخمر، لقوة أدلة القائلين بذلك، ولا سيما حديث أبي ثعلبة، فإنه سأل الرسول ﷺ عن الأواني التي يطبخ فيها الخنزير والأواني التي يشرب فيها الخمر فكان الجواب لهما معًا: «إن لم تجدوا غيرها فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا»، ولأن القول بنجاستها
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤٦٤).
[ ١ / ١٠٧ ]
مما يعين على إتلافها وعدم إبقائها، بخلاف ما لو قيل بطهارتها، فإنه قد يُتساهل في إبقائها والابتعاد عنها.
وأما من قال بطهارتها فليس له دليل سوى إراقة الخمر في شوارع المدينة، وهذا لا ينهض دليلًا على الطهارة؛ لأنه لم يكن للصحابة ﵃ مجارٍ تحت الأرض لتصريف الفضلات، وإخراجها خارج المدينة فيه بعض الحرج، ولأن الخمر التي أريقت ليست من الكثرة بمكان حتى تعم جميع الطرق، بحيث لا يبقى للمارة طريق يمشون فيه، ثم إن الطرق التي أريقت فيها الخمر ليست مواضع للصلاة، بل هي مواضع للاستطراق، وعلى فرض أنه يشق الاحتراز منها فربما وطئها المار، فنقول: إذا وطئها فإن رجله أو نعله يطهره ما بعده من الأرض الطاهرة - كما ثبت في السنة - بل قد يقال: إن هذا الدليل دليل على النجاسة؛ لأن الطاهر لا يراق في الشوارع، وإنما ينتفع به في أي وجه من وجوه الانتفاع.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا يجوز تخليل الخمر، ولا تطهر بالتخليل بفعل فاعل، بل تبقى على نجاستها.
ووجه الدلالة من الحديث: أنه ﷺ أجاب من سأله عن حكم اتخاذ الخمر خلاًّ بالنفي، وهذا دليل على تحريمه. ولأنه وجبت إراقتها، فترك إراقتها مع تخليلها معصية لا يترتب عليها طهارة خَلِّها، فيكون عدم جواز تخليلها من باب سدّ الذريعة، ولأن الرسول ﷺ صرح بعدم جواز تخليل خمر الأيتام - كما تقدم في رواية أبي داود - ولو كان ذلك جائزًا لكان اليتيم أحوج إلى التخليل؛ لأن مال اليتيم أولى الأموال بالحفظ والتثمير والرعاية، لكن لو تخللت بنفسها بدون فعل فاعل، فالذي عليه جمهور أهل العلم أنه لا حرج فيها؛ لأنه زال شرها بزوال ما فيها من المسكر، والخل مباح، فقد ورد عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ سأل أهله الأُدْمَ، فقالوا: ما عندنا إلا خلّ، فدعا به، فجعل يأكل به ويقول: «نِعم الأُدْمُ الخَلُّ، نِعم الأُدْمُ الخَلُّ» (^١)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٠٥٢).
[ ١ / ١٠٨ ]