٤٧/ ١٦ - عَن جَابِرِ بنِ عبد الله ﵄ - في صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ - قَالَ ﷺ: «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، هكذا بِلَفْظِ الأَمْرِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلمٍ بِلَفْظِ الْخَبَرِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري السلمي، صحابي، وأبوه صحابي ﵄، من مشاهير الصحابة، ومن المكثرين من الرواية عن رسول الله ﷺ، روى عن النبي صفة الحج، وعُني بذلك، وحديثه في الحج منسك مستقل، وسيذكره المصنف في كتاب «الحج»، ورد في الصحيح أنه كان مع من شهد العقبة، وغزا مع النبي ﷺ جميع غزواته، سوى غزوة بدر وأحد، حيث منعه أبوه ليكون عند أخواته، فقد أخرج مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة)، قال جابر: (لم أشهد بدرًا ولا أحدًا، منعني أبي، فلما قتل عبد الله يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط) (^١). كان له في مسجد رسول الله ﷺ حلقة يلقي فيها الحديث والعلم، كُفَّ بصره في اخر عمره، وقد ورد ما يدل على ذلك في سياق حجة النبي ﷺ (^٢)، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين ﵁ (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٨١٣).
(٢) "صحيح مسلم" (١٢١٨).
(٣) "سير أعلام النبلاء" (٣/ ١٨٩)، "الإصابة" (٢/ ٤٥).
[ ١ / ٢٠٩ ]
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه مسلم (١٢١٨) بطوله في «صفة حج النبي ﷺ» من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ﵁، وقد جاء فيه ولفظه: (فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، «أَبدأُ بما بدأ الله به»، فبدأ بالصفا .. الحديث)، وهذا بلفظ الخبر، وأخرجه النسائي في الصغرى (٥/ برقم ٢٩٦٢) بلفظ الأمر، وكذا أخرجه أحمد (٣/ ٣٩٤) وصححه ابن الملقن (^١)، فقال: (رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم) وقد أخرجه - أيضًا - في الكبرى (٢/ ٤١٣)، وعزاه إليه المزي (^٢).
وأخرجه النسائي أيضًا (٥/ برقم ٢٩٧٠) بلفظ: (نبدأ بما بدأ الله به ..) وكذا أخرجه أبو داود (١٩٠٥)، والترمذي (٨٦٢)، وابن ماجه (٣٠٧٤).
وقدم المصنف رواية النسائي؛ لأنها بصيغة الأمر، وهو يفيد الحتم والإلزام، أما صفة الخبر فهي تدل على أن النبي ﷺ مهتدٍ بهدي القران، وذلك أعم من أن يدل على وجوب أو استحباب.
وقد نفى الألباني وجود الحديث في «السنن الصغرى»، وشكك في وجوده بلفظ الأمر في «الكبرى» مع أنه موجود فيهما، كما تقدم.
وقد حكم على لفظة (ابدؤوا) بلفظ الأمر بالشذوذ؛ لأنه تفرد بها سفيان الثوري وسليمان بن بلال، مخالفين بقية الثقات الذين رووا الحديث عن جعفر بن محمد بلفظ الخبر .. وهم سبعة، وقد سرد أسماءهم وعزا مروياتهم في «الإرواء» (^٣) ومنهم الإمام مالك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وحاتم بن إسماعيل المدني وغيرهم، وقد ورد عند الدارقطني (٢/ ٢٥٤) من طريق الهيثم بن معاوية الزمرائي، عن حاتم بن إسماعيل بلفظ الأمر، لكن بقية الرواة عن حاتم رووه بلفظ الخبر، لكن ينبغي أن ينظر في تفرد سفيان
_________________
(١) "تحفة المحتاج" (٢/ ١٧٤).
(٢) "تحفة الأشراف" (٢/ ٢٧١).
(٣) "إرواء الغليل" (٤/ ٣١٧).
[ ١ / ٢١٠ ]
الثوري، فهو إمام حجة، لم يخالفه أحد إلا كان القول قوله، كما قال ابن معين وغيره، وقد يكون الخطأ ممن روى عنه، وهو ابن عيينة وقبيصة كما عند الدارقطني (٢/ ٢٥٤) والفريابي وقبيصة معًا عند البيهقي (١/ ٨٥).
وقال ابن دقيق العيد: (والحديث في الصحيح، لكن بصيغة الخبر «نبدأ»، و«أبدأ» لا بصيغة الأمر، والأكثر في الرواية هذا، والمخرج للحديث واحد) (^١). وزاد فيما نقل عنه الحافظ: (وقد اجتمع مالك وسفيان ويحيى بن سعيد القطان على رواية (نبدأ) بالنون التي للجمع). قال ابن حجر عقبه: (قلت: وهم أحفظ من الباقين) (^٢)، وهذا هو الصواب إن شاء الله، إذ لا يمكن القول بتصحيح اللفظ الآخر؛ لأن الحديث واحد، ولم يتكلم به النبي ﷺ إلا مرة واحدة، عند صعوده على الصفا، فلا بد من الترجيح، والله أعلم.
الوجه الثالث: هذا الحديث - كما تقدم - ورد في سياق «حجة النبي ﷺ» وقد ساقه الحافظ هنا في باب «الوضوء»، ليستدل به على وجوب الترتيب في غسل الأعضاء فيبدأ أولًا بغسل الوجه ثم اليدين .. إلخ، كما ذكر الله تعالى في القران، فما بدأ الله به خبرًا وأمرًا، نبدأ به فعلًا وامتثالًا؛ لأن كلامه كلام حكيم، لا يبدأ ذكرًا إلا بما يستحق أن يبدأ به فعلًا، وقد رتبها النبي ﷺ هكذا، كما تقدم، فيجب علينا التأسي به ﷺ وأن نرتب أعضاء الوضوء، كما رتبها ﵊.
وهذا مبني على القاعدة الأصولية: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فاللفظ المذكور وإن كان ورد في موضوع السعي بين الصفا والمروة إلا أنه لفظ عام فيعمل بعمومه، وأن كل ما بدأ الله به نبدأ به، وتكون اية الوضوء مندرجة في ذلك العموم، فعلى رواية الأمر يكون الوجوب ظاهرًا، وعلى رواية الخبر فلأن الظاهر من فعله ﷺ هو بيان المناسك، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم» (^٣) لأن الظاهر أن المراد بيان الواجب لا بيان الأفضل، والله أعلم.
_________________
(١) "الإلمام" رقم (٥٦).
(٢) "التلخيص" (٢/ ٢٦٩).
(٣) أخرجه مسلم (١٢٩٧).
[ ١ / ٢١١ ]
الوجه الرابع: اعلم أن الترتيب في الوضوء ثلاثة أنواع:
١ - ترتيب بين فرض وفرض، وهي الأعضاء الأربعة المذكورة في القران، كغسل اليدين بعد غسل الوجه، وهذا محل النزاع.
٢ - ترتيب بين مسنون ومسنون، كالمضمضة قبل الاستنشاق على القول بسنيتهما.
٣ - ترتيب بين مسنون وفرض، كالمضمضة وغسل الوجه، والجمهور على أن الترتيب بين المسنون والمسنون، والمسنون والفرض سنة، وليس بواجب؛ لأن أصل المسنون فعلٌ غيرُ واجب، فإذا انتفى الوجوب عن الأصل، انتفى الوجوب عن كيفية الفعل من باب أولى، لكن على القول بوجوب المضمضة والاستنشاق فإنه يشملهما الخلاف في النوع الأول. وقد ذكر ابن رشد أن سبب الخلاف في ترتيب أفعال الوضوء أمران:
١ - أن واو العطف قد تفيد الترتيب وقد لا تفيده.
٢ - اختلافهم في أفعال النبي ﷺ هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب (^١)؟.
فالقول الأول: وجوب الترتيب في الوضوء، فيبدأ بغسل الوجه ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين، ومن قدم عضوًا على اخر لم يصح وضوؤه، وهذا قول أحمد والشافعي (^٢) واختاره أبو عبيد (^٣)، واستدلوا بدليلين:
١ - اية المائدة، ووجه دلالتها على الترتيب: أن الله تعالى لما ذكر أعضاء الوضوء الأربعة أدخل الممسوح وهو الرأس بين المغسولين، وهما: اليدان والرجلان، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، ولو لم يكن الترتيب واجبًا لجمعت الأشياء المتجانسة، ولم يقطع النظير عن نظيره.
٢ - أن كل من وصف وضوء النبي ﷺ حكاه مرتبًا بـ (ثم)، كما في
_________________
(١) "بداية المجتهد" (١/ ٥٣، ٥٤).
(٢) "الأم" (١/ ٤٥)، "الإنصاف" (١/ ١٣٨).
(٣) "الطهور" ص (٣٥٥).
[ ١ / ٢١٢ ]
حديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهم ﵃، ولم يذكر أحد منهم أنه قدم عضوًا على غيره على خلاف الآية، وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى، كما تقدم في الوجه الأول.
القول الثاني: أن الترتيب غير واجب، فمن قدم عضوًا على اخر فوضوؤه تام، وهو قول مالك، وأصحاب الرأي (^١)، ورواية عن أحمد، ذكرها أبو الخطاب (^٢)، وبه قال جماعة من السلف، واختاره ابن المنذر (^٣).
واستدلوا بدليلين:
١ - حديث الرُّبَيِّع بنت معوذ في وصف وضوء النبي ﷺ وفيه: (فغسل كفيه ثلاثًا، ووضَّأ وجهه ثلاثًا، ومضمض واستنشق مرة ..) وفي لفظ: (فيبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما ثلاثًا، ثم يتوضأ فيغسل وجهه ثلاثًا، ثم يمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا ..) (^٤).
٢ - أن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء، وعطف بعضها على بعض بواو الجمع، وهي لا تقتضي الترتيب، فكيفما غسل كان ممتثلًا.
والراجح القول الأول، وهو وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء، لقوة دليله، قال أبو داود: (سمعت أحمد قيل له: إذا قدم وضوءه بعضه قبل بعض؟ قال: لا يجوز حتى يأتي به على الكتاب والسنة) (^٥).
وأما دليل أصحاب القول الثاني وهو حديث الربيِّع فعنه جوابان:
الأول: أنه حديث معلول؛ لأنه من رواية محمد بن عبد الله بن عقيل وقد مضى ما فيه.
الثاني: على فرض صحته، فتقديم المضمضة والاستنشاق تقديم مسنون
_________________
(١) "حاشية ابن عابدين" (١/ ١٢٢)، "المدونة الكبرى" (١/ ١٤)، "المنتقى" (١/ ٤٧).
(٢) "الهداية" (١/ ١٤).
(٣) "الأوسط" (١/ ٤٢٢).
(٤) أخرجه أبو داود (١٢٦)، والدارقطني (١/ ٩٦) واللفظ الثاني له، حسّنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود" (١/ ٢٧).
(٥) "مسائل الإمام أحمد" لأبي داود ص (١١).
[ ١ / ٢١٣ ]
على واجب، والجمهور على جوازه، على القول بسنيتهما، أو أن المضمضة والاستنشاق من الوجه.
وأما قولهم: إن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء وعطف بعضها على بعض بالواو فهذا صحيح، لكن بين النبي ﷺ بفعله أن الواو في الآية للترتيب، لا لمطلق الجمع، وفعله ﷺ تفسير لما في كتاب الله تعالى، ويكون محمولًا على الوجوب؛ لأن أفعال النبي ﷺ إذا كانت بيانًا لواجب فهي واجبة، ويؤيد ذلك عموم «ابدؤوا بما بدأ الله به» كما تقدم، أما بالنسبة للمضمضة والاستنشاق ففي تقديمها على غسل الوجه قولان:
الأول: أنه يستحب البداءة بهما قبل غسل الوجه، وهذا هو الصحيح من المذهب عند الحنابلة، قالوا: لأن وجوبهما إنما ثبت بالسنة، والترتيب إنما وجب بدلالة القرآن معتضدًا بالسنة، ولم يوجد ذلك فيهما.
القول الثاني: أنه يجب البداءة بهما قبل الوجه، وهذا قول في مذهب الحنابلة (^١)، وذكر النووي أن الترتيب بينهما وبين أعضاء الوضوء شرط (^٢).
واستدلوا بأن كل من وصف وضوء النبي ﷺ كما في الأحاديث الصحيحة ذكر أنه بدأ بالمضمضة والاستنشاق، وقد رتب الرواة أعضاء الوضوء بـ (ثم) في معرض البيان، وهي للترتيب، والله أعلم.
_________________
(١) "المغني" (١/ ١٧١)، "الإنصاف" (١/ ١٣١).
(٢) "المجموع" (٢/ ١٤٩).
[ ١ / ٢١٤ ]