١٠٢/ ١٧ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اسْتَنْزِهُوا مِنَ البَوْلِ، فَإنّ عَامّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ». رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ.
١٠٣/ ١٨ - ولِلْحَاكِمِ: «أَكْثرُ عَذَابِ الْقَبرِ مِنَ الْبَوْلِ». وَهُوَ صَحِيحُ الإسْنَادِ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما الأول فقد أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٨) من طريق محمد بن الصباح السمان، نا أزهر بن سعد السمان، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعًا.
قال الدارقطني: (الصواب أنه مرسل).
وهذا السند رجاله ثقات غير محمد بن الصباح، فقد ترجمه الذهبي في «الميزان» فقال: (بصري، عن أزهر السمان، لا يعرف، وخبره منكر) (^١) وكأنه يعني هذا الحديث (^٢).
وأما الثاني فقد أخرجه أحمد (١٥/ ١٢)، والدارقطني (١/ ١٢٨)، والحاكم (١/ ١٨٣) من طريق أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثر عذاب القبر من البول» ولفظ أحمد: «في البول».
_________________
(١) "الميزان" (٣/ ٥٨٣).
(٢) انظر: "إرواء الغليل" (١/ ٣١١).
[ ١ / ٤٠٨ ]
قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه، وله شاهد من حديث أبي يحيى القتات).
وسأل الترمذيُّ البخاريَّ عن هذا الحديث فقال: (صحيح) (^١).
وقال الدارقطني: (صحيح).
وسئل عنه فقال: (يرويه الأعمش واختلف عنه، فأسنده أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وخالفه فضيل فوقفه، ويشبه أن يكون الموقوف أصح) (^٢)، وسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث فقال: (إن رفعه باطل) (^٣)، وقد نقل ذلك الحافظ في «التلخيص» (^٤) ولم يتعقبه بشيء، وهنا جزم بصحته، والله أعلم.
وله شاهد من طريق أبي يحيى القتات - كما ذكر الحاكم - عن مجاهد، عن ابن عباس رفعه إلى النبي ﷺ فقال: «عامة عذاب القبر من البول، فتنزهوا من البول» (^٥).
الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب تنزه الإنسان من بوله، وذلك بغسله، وإزالة أثره من بدنه أو ثوبه أو مكان صلاته، وتحريم التساهل بذلك، وأن التساهل من أسباب عذاب القبر، بل إن أكثر عذاب القبر منه.
ومن ذلك أن يبول في محل دَمِثٍ حتى لا يطير عليه شيء من رشاش، أو يبول في الحمام في فتحة الغائط، وإذا أصابه شيء منه فليبادر إلى تطهير ما أصابه من ثوبه أو بدنه.
_________________
(١) "العلل الكبير" (١/ ١٤٠).
(٢) "العلل" للدارقطني (٨/ ٢٠٨).
(٣) "علل الحديث" (١/ ٣٦٦).
(٤) "التلخيص" (١/ ١١٧).
(٥) أخرجه البزار (١٤٦) "مختصر زوائده"، والطبراني في "الكبير" (١١/ ٨٤)، والدارقطني (١/ ١٢٨)، والحاكم (١/ ٢٩٣)، قال الدارقطني: (إسناده لا بأس به). وقال في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٠٧): (وفيه أبو يحيى القتات، وثقه يحيى بن معين في رواية، وضعفه الباقون)، وقد صححه الألباني في "صحيح الترغيب" رقم (١٥٠)، فالظاهر أن قول الدارقطني: (لا بأس به) أي: لشواهده المذكورة.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وقد جاء في ذلك - أيضًا - أحاديث كثيرة، ذكرها المنذري (^١) ومن ذلك حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛ ثم قال: بلى، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة .. الحديث» (^٢).
وقد أفاد هذا الحديث أن ترك التنزه من البول من كبائر الذنوب، وقد جاء في رواية للبخاري: «وما يعذبان في كبيرة، وإنه لكبير» (^٣)، وقد بوب عليه البخاري في كتاب «الوضوء» بقوله: (بابٌ من الكبائر أن لا يستتر من بوله) (^٤)، وذلك لأن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة، وتركها كبيرة بلا شك، وقد ذكر الذهبي في كتابه «الكبائر»: عدم التنزه من البول (^٥)، ومن بعده ابن حجر الهيثمي في كتابه «الزواجر» (^٦)، قال الخطابي (معناه: أنهما لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما أو يشق فعله لو أرادا أن يفعلاه وهو التنزه من البول وترك النميمة، ولم يرد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة في حق الدين وأن الذنب فيهما هين سهل) (^٧)، وقال المنذري: (ولخوف توهم مثل هذا استدرك، فقال ﷺ: «بلى إنه كبير») (^٨) والله أعلم.
وهذا في بول بني ادم، وما شابهه من الأبوال النجسة، وأما من عممه في سائر الأبوال - كالخطابي (^٩) - فهو مردود، لقوله في رواية: (وكان لا يستتر من بوله) فتكون الألف واللام في قوله: (من البول) بدلًا من الضمير، أما بول المأكول كالإبل والغنم فهو طاهر؛ لأن النبي ﷺ أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل (^١٠)، ولم يأمرهم بغسل أوانيهم ولا ما أصابهم منها، فدل على طهارتها.
_________________
(١) "الترغيب والترهيب" (١/ ١٣٨).
(٢) أخرجه البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢).
(٣) انظر: "فتح الباري" (١٠/ ٤٧٢).
(٤) انظر: "فتح الباري" (١/ ٣١٧).
(٥) ص (١٠٤) "الكبيرة الحادية والثلاثون".
(٦) "الزواجر" (١/ ١٢٠).
(٧) "معالم السنن" (١/ ٢٧).
(٨) "الترغيب والترهيب" (١/ ١٣٩).
(٩) "معالم السنن" (١/ ٢٧).
(١٠) أخرجه البخاري (٢٣٣)، ومسلم (١٦٧١) (٩).
[ ١ / ٤١٠ ]
الوجه الثالث: الحديث دليل على ثبوت عذاب القبر، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى عن ال فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، قال ابن كثير: (هذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور) (^١)، وقد تواترت الأحاديث عنه ﷺ في إثبات عذاب القبر، ومن ذلك الأحاديث التي مضت، نسأل الله تعالى أن يعيذنا من عذاب القبر. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" (٧/ ١٣٦).
[ ١ / ٤١١ ]