٣٨/ ٧ - عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُم مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا؛ فَإنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهذَا لَفْظُ مُسْلمٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» (١٦٢) من طريق مالك، عن أبي الزناد (^١)، عن الأعرج (^٢)، عن أبي هريرة، وقد أخرجه مسلم - أيضًا - من طرق أخرى، فأخرجه في «الطهارة» (٢٧٨) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد به، وهذا اللفظ لمسلم، كما قال الحافظ، وأما لفظ البخاري فهو: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينثُر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه … الحديث». فاشتمل على ثلاثة أنواع من كمال الطهارة والاحتياط لها، ولكن اقتصر الحافظ على لفظ مسلم؛ لأن النوع الأول تقدم، والنوع الثاني يتعلق بقضاء الحاجة، ولأن رواية مسلم فيها ذكر العدد، بخلاف رواية البخاري، وقد اقتضى سياق البخاري للحديث أنه حديث واحد رواه من طريق عبد الله بن يوسف عن مالك، وقد جاء في الموطإ من رواية الليثي عن مالك مفرقًا برقم (٢) و(٩)، وكذا رواه مسلم (٢٣٧) (٢٧٨) وعلى هذا فكأن البخاري يرى
_________________
(١) هو عبد الله بن ذكوان، ثقة فقيه.
(٢) هو عبد الرحمن بن هرمز، ثقة ثبت.
[ ١ / ١٦٩ ]
جواز جمع الحديثين إذا اتحد سندهما في سياق واحد، كما يرى جواز تفريق الحديث الواحد إذا اشتمل على حكمين مستقلين (^١).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (من نومه) تقدم في الحديث الذي قبله.
قوله: (فلا يغمس) لا: ناهية، والمضارع بعدها مجزوم، ولفظ البخاري: «فليغسل يده» كما مضى، والمراد باليد: الكف دون ما زاد عليها، لجريان العادة أن الذي يُدْخَلُ في الإناء من اليد هو الكف، وقوله: «فلا يغمس». أوضح في المراد من رواية الترمذي: «فلا يدخل يده في الإناء» (^٢). لأن مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة، كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن تلامس يده الماء، فإنه لا يكون مخالفًا بذلك.
قوله: (في الإناء) المراد إناء الوضوء، كما ورد التصريح بذلك في رواية البخاري المتقدمة: «قبل أن يدخلها في وَضوئه». ويلحق به إناء الغُسْل؛ لأنه وضوء وزيادة، وسائر الآنية استحبابًا من دون كراهة، لعدم ورود النهي فيها.
قوله: (حتى يغسلها ثلاثًا) أي: بإفراغ الماء عليها، كما في رواية البزار: «حتى يُفرغ عليها»، و«ثلاثًا» مفعول مطلق نائب عن المصدر أي: غسلًا ثلاثًا، فالغسلة الأولى تزيل الأذى، والثانية تنقِّي الموضع منه، والثالثة للمبالغة في التطهير، وقوله: (حتى) لبيان غاية النهي عن غمس اليد فهو يدل على جواز الاغتراف من الماء بعد غسلها.
قوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده) أي: لا يعلم أين كانت يده حين نومه، والجملة تعليل للأمر بالغسل ثلاثًا، ومقتضاه أن اليد بعد القيام من النوم يُشَكُّ في سلامتها من ملامسة شيء يؤثر في الماء.
الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي الإنسان أن يغمس يده في
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (١/ ٢٦٣).
(٢) "جامع الترمذي" (٢٤).
[ ١ / ١٧٠ ]
الإناء إذا قام من النوم حتى يغسلها ثلاثًا، لقوله: «فلا يغمس يده»، وعند البخاري: «فليغسل يده» والأمر للوجوب، والنهي للتحريم، ما لم يصرف عنه صارف، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
وقال الجمهور: إن الغسل ليس بواجب، بل هو مستحب، والنهي محمول على الكراهة، وهو رواية عن أحمد (^١)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فأمر بالوضوء من غير غسل الكفين في أوله، والقيام من النوم داخل في عموم الآية.
وأما الحديث فهو محمول على الاستحباب، لتعليله بما يقتضي ذلك وهو قوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده» وطريان الشك على يقين الطهارة لا يؤثر فيها، كما لو تيقن الطهارة وشك في الحدث، فيدل ذلك على أنه أراد الندب.
والقول الأول أظهر، لقوة مأخذه، فإن الوجوب هو ظاهر الأمر، ولا صارف له، وأما الآية فقد وردت في الوضوء المطلق، والأمر بغسل اليدين ورد في حالة مخصوصة، بدليل مستقل، فيعمل به.
ومحل الخلاف في هذه المسألة إذا لم يتيقن النجاسة على يده، فإن تيقنها بأن رأى أثرها أو رائحتها فالإجماع منعقد على وجوب غسلها قبل إدخالها في الإناء.
الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن هذا الحكم وهو غسل اليد قبل إدخالها في الإناء مختص بالقيام من نوم الليل، وهو قول الإمام أحمد، لقوله: «باتت يده»، والبيتوتة لا تكون إلا بالليل - كما تقدم في الحديث قبله - وهذا من باب تخصيص العام بالعلة المنصوصة، وقد ورد ذلك - أيضًا - مقيدًا بالليل في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا ولفظه: «إذا قام أحدكم من الليل» (^٢).
_________________
(١) "المغني" (١/ ١٤٠).
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٣)، والترمذي (٢٤) وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، وقد ساق مسلم في "صحيحه" إسناد هذه الرواية دون لفظها.
[ ١ / ١٧١ ]
والقول الثاني: أنه لا فرق بين نوم الليل ونوم النهار، لإطلاقه ﷺ النوم من غير تقييد، ولعموم العلة، مع أن نوم الليل اكد، وقوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده» خرج مخرج الأكثر والغالب، وما خرج مخرح الغالب فلا مفهوم له، كما في الأصول، وهو قول إسحاق بن راهويه (^١)، وهذا هو الأظهر إن شاء الله، لقوة مأخذه، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز، قال الخطابي: (وفي الحديث من العلم أن الأخذ بالوثيقة والعمل بالاحتياط في باب العبادات أولى) (^١).
الوجه الخامس: اختلف العلماء في الحكمة من الأمر بغسل اليد على قولين:
الأول: أن الحكمة معقولة ومدركة وليست معنوية، وهي جولان اليد في بدن النائم بدون إحساس، فقد تلامس أمكنة من بدنه لم يتم تطهيرها بالماء، فتعلق بها النجاسة، وقد نقل الحافظ عن الشافعي أنه قال عن أهل الحجاز: كانوا يستجمرون وبلادهم حارة، فربما عَرِقَ أحدهم إذا نام، فيحتمل أن تطوف يده على المحل أو على بثرة أو دم حيوان أو قذر أو غير ذلك (^٢).
القول الثاني: أن هذا تعبد لا يعقل معناه، واستدلوا على ذلك بأن الأحكام لا تبنى على الشك، وذلك أن اليقين في اليد أنها طاهرة، ونجاستها أثناء النوم مشكوك فيها، فلا يؤمر بغسلها لنجاستها؛ لأن اليقين لا يُزَال بالشك، فيكون الأمر في ذلك تعبديًا.
ولكن هذا التعليل فيه نظر، فإن الشرع قد ينزل المظنة منزلة السبب، ولهذا يحكم بانتقاض الوضوء بالنوم، فاليد وإن كانت طاهرة، لكن جولانها أثناء النوم موجود، فلا يبعد أن تصيب موضعًا نجسًا.
والفرق بين القولين أن من تيقن أين باتت يده كمن لفَّ عليها خرقة أو وضعها في جراب فاستيقظ وهي على حالها أنه لا يتعلق بها هذا الحكم، فلا
_________________
(١) "الأوسط" (١/ ٣٧٣)، "معالم السنن" (١/ ٩٠).
(٢) "فتح الباري" (١/ ٢٦٤).
[ ١ / ١٧٢ ]
يؤمر بغسلها على القول بأنه معلل بعلة محسوسة مدركة، وأما على القول بأنه تعبدي فيؤمر بغسلها مطلقًا، تيقن طهارتها أو شك في ذلك.
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن ما ورد في هذا الحديث يشبه - ما تقدم - من تعليل الاستنثار بأن الشيطان يبيت على خيشوم الإنسان، فيمكن أن المراد بهذا الحديث ما خشي من عبث الشيطان بيد الإنسان وملامستها، مما قد يؤثر على الإنسان، وتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار (^١).
الوجه السادس: الصحيح من قولي أهل العلم أنه لو خالف إنسان وغمس يده في الماء قبل أن يغسلها فإن الماء لا ينجس، بل هو باق على طهوريته، وهو قول الجمهور، ورواية عن الإمام أحمد، ومن أهل العلم من قال: إنه يكون طاهرًا غير مطهِّر، وهذا المذهب عند الحنابلة (^٢)، إذا كان الماء دون القلتين، والظاهر أن ذلك مبني على أن الأمر بالغسل للوجوب، وعن أحمد أن الماء نجس، وهذان القولان ضعيفان، والصواب الأول، وهو أن الماء باق على طهوريته؛ لأن النبي ﷺ نهى عن غمس اليد، ولم يتعرض للماء، وما دام أن هذا الماء طهور، فهذا يقين، واليقين لا يمكن رفعه إلا بيقين مثله لا بِشَكٍّ، وعلى هذا فالأصل الطهارة، لكن إن قلنا: إن النهي في الحديث للتحريم، فالغامس يده اثم لأنه مخالف للنهي، وإن قلنا: إنه للكراهة فهو غير اثم، أما الماء فهو باق على الأصل.
الوجه السابع: أخذ بعض العلماء من مفهوم قوله: «فلا يغمسها في الإناء» أن البرك والحياض لا تدخل في النهي؛ لأنها لا تفسد بغمس اليد فيها - على القول بأن الماء يفسد - لعدم ورود النهي فيها عن ذلك، وكذلك الأنابيب الموجودة الآن، فإن الحكم لا يسري إليها؛ لأن المتوضئ لا يحتاج إلى غرف، وهذا فيه نظر، فإن اليد - وإن لم تكن داخلة في الماء - لكنها ناقلة للماء، وكما يطلب إنقاؤها قبل إدخالها الإناء، يطلب إنقاؤها قبل نقلها الماء للمضمضة والاستنشاق، فالقول بغسلها عمومًا هو الأظهر إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٤٤).
(٢) "الإنصاف" (١/ ٣٨).
[ ١ / ١٧٣ ]