- شَرحٌ ممزوجٌ بالمتن، يُعتبر متوسِّطًا، إذا قُورن بِ «فتح الباري» و«عمدة القاري»، وقد اختصره من عدة شروح، خاصة من شرح ابن حجر، والعيني، والكرماني، مع إضافات له قيمة، لاسيما وقد وقف على عدد كثير من شروح الصحيح، كما ذكره في المقدمة، وسبق ذكر ذلك.
- الدقة العجيبة في ضبط الصحيح، على نسخة اليونيني، وفروعها، وغيرها من الرويات والشروح.
قال القسطلاني - ﵀ - بعد أن ذكر عناية اليونيني بضبط روايات الجامع: (وقد بالغ - ﵀ - في ضبط ألفاظ الصحيح، جامعًا فيه روايات من ذكرناه، راقمًا عليه ما يدل على مراده ثم ذكر العلامات ثم قال
_________________
(١) «فهرس الفهارس» للكتاني (٢/ ٩٦٨).
[ ٣٩ ]
القسطلاني: فاللهُ يُثيبُه على قصده، ويجزل له من المكرمات جوائز رفده، فلقد أبدع فيما رقم، وأتقن فيما حرَّر وأحكم، ولقد عوَّل الناس عليه في روايات الجامع؛ لمزيد اعتنائه وضبطه ومقابلته على الأصول المذكورة، وكثرة ممارسته له ثم ذكر القسطلاني سؤال الإمام النحوي ابن مالك (١) لليونيني عن بعض الألفاظ الذي يتراءى له أنه مخالف لقوانين العربية، هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجابه اليونيني؛ شرع ابن مالك في توجيهها حسب إمكانه، ثم وضع كتابه «شواهد التوضيح» (٢) (٣)
قال ابن رجب عن اليونيني (ت ٧٠١ هـ): (استنسخ صحيح البخاري، واعتنى بأمره كثيرًا، قال الحافظ الذهبي: حدثني أنه في سنة واحدة قابله وأسمعه إحدى عشرة مرة ).
قال ابن حميد النجدي - كما في هامش تحقيق الذيل ـ: قد صارت اليونينية
_________________
(١) صاحب الألفية في النحو، المتوفى سنة (٧٠١ هـ).
(٢) «إرشاد الساري» (١/ ٤٠).
(٣) طُبع «شواهد التوضيح» بتحقيق: عبدالله ناصير ط. دار البشائر، ودار الكمال المتحدة، في مجلد واحد، وله طبعة أخرى بتحقيق: د. طه محسن، طُبعت في مكتبة ابن تيمية. وطبعة ثالثة بتحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي.
[ ٤٠ ]
أُمُّ نسخ «الصحيح» في جميع أقطار الأرض، ونقل منها طبق الأصل، حتى الشكل والنقط بالسواد والحمرة، وجميع الروايات برموزها في الهوامش، وما كان فيها من بيان مشكل أو ضبط أو تنبيه (١)
قال القسطلاني: (فلهذا اعتمدتُّ في كتابة متن البخاري في شرحي هذا عليه، ورجعتُ في شكل جميع الحديث وضبطه إسنادًا ومتنًا إليه، ذاكرًا جميع ما فيه من الروايات، وما في حواشيه من الفوائد المهمات). (٢)
ومن عجيب عناية القسطلاني ودِقَّتِه، أنه لمَّا انتهى من الشرح كلِّه، وقف في يوم الاثنين (١٣/ ٥/٩١٦ هـ) على المجلد الأخير من أصل اليونيني المذكور، وذكر خاتمته ثم قال: (وقد قابلتُ متن شرحي هذا
_________________
(١) «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب - ط. العبيكان - مع التعليق عليه - (٤/ ٣٢٩ - ٣٣٠)، «السحب الوابلة» لابن حميد - مع التعليق عليه - (٣/ ٩٩١). وانظر عن نسخة اليونيني: «روايات الجامع الصحيح ونسخه، دراسة نظرية تطبيقية» د. جمعة بن فتحي بن عبدالحليم (٢/ ٦٥٥ - ٧٠٥) - مهم ـ، و«روايات ونسخ الجامع الصحيح للبخاري - دراسة وتحليل ـ» د. محمد بن عبدالكريم بن عبيد (ص ٢٨)، و «الإمام البخاري وجامعه الصحيح» أ. د. خلدون الأحدب (ص ٢٤٠).
(٢) «إرشاد الساري» (١/ ٤١).
[ ٤١ ]
إسنادًا وحديثًا على هذا الجزء المذكور، من أوله إلى آخره، حرفًا حرفًا، وحكيتُه كما رأيتُهُ، حسب طاقتي، وانتهتْ مقابلتي له في العشر الأخير من المحرَّم (سنة ٩١٧ هـ)، ثم قابلته عليه مرَّةً أخرى
وأفاد أن النسخة مذكورٌ في آخرها أنها مقروءةٌ ومقابلةٌ ومصحَّحَةٌ ومسمُوعَةٌ بين يدي الإمام النحوي ابن مالك
ثم ذكر أنه وقف على الجزء الأول من أصل اليونيني يُنَادَى عليه للبيع، بسوق الكتب، فأُحْضِرَ إلى القسطلاني بعد فَقْدِهِ أزيَدَ من خمسين سنة، قال: فقابلتُ عليه مَتْنَ شرحي هذا فكَمَلَتْ مُقَابَلتِي عليه جميعه حسب الطاقة، ولله الحمد). (١)
- شرْحٌ لجميع ألفاظ الصحيح «الشرح الممزوج» فلا يدع كلمة في الإسناد أو المتن إلا وبيَّنها باختصار، حتى ولو تكررت الكلمة (اسمًا كانت أو لفظة غريبة) فيُبَيِّن معنى الكلمة حتى ولو كانت واضحة ليست من الغريب، ويضبط كثيرًا مما يشرحه بالحروف، ويُبيِّن الاختلاف إن وجد؛ قال في مقدمته: (ولم أتحاشَ عن الإعادة في الإفادة عند الحاجة إلى
_________________
(١) «إرشاد الساري» (١/ ٤١) بتصرف يسير.
[ ٤٢ ]
البيان، ولا في ضبط الواضح عند علماء هذا الشأن؛ قصدًا لنفع الخاص والعام). (١)
لذا ينصح عدد من أهل العلم بأن يبدأ طالب العلم في قراءته للبخاري وشروحه بهذا الشرح «إرشاد الساري»، ولن ينتهِ منه إلا وقد ضبط رجال البخاري، وألفاظ الصحيح.
والأمثلة على ضبطه وإتقانه كثيرة، وغالب الأمثلة في هذا البحث تُظهر الدقة في الشرح، وسيأتي ذكرُ نماذج منها في مطلب «منهجه في ضبط الألفاظ وتحليلها»