من أعظم نعم الله ﷿ على الأمة المحمدية أن جعلها: «أمة الإسناد»؛ فلا يقبل خبر أو رواية إلا إذا تحققنا من إسنادهما، فلذلك كان الإسناد حاميًا وحافظًا لنصوص الشريعة من التحريف والتبديل «فقد كان الإسناد الشرط الأول في كل علم منقول فيها، حتى في الكلمة الواحدة، يتلقاها الخالف عن السالف، واللاحق عن السابق بالإسناد، حتى إذا مَنَّ الله تعالى على الأمة بتثبيت نصوص الشريعة وعلومها، وأصبحت راسخة البنيان، محفوظةً من التغيير والتبديل، تسامح العلماء في أمر الإسناد، اعتمادًا منهم على شيوع التدوين وثبوت معالم الدين» (^١).
وقال شعبة بن الحجاج (^٢): «كُلُّ حَدِيثٍ لَيْسَ فِيهِ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا، فَهُوَ خَلٌّ (^٣)
_________________
(١) ينظر الإسناد من الدين للشيخ عبد الفتاح أبو غدة ص ١١.
(٢) شعبة بن الحجاج، بن الورد، البصري، قال عنه النسائي: من الأمناء على حديث رسول الله ﷺ، وقال أحمد هو أمة وحده، له: الغرائب في الحديث، (ت ١٦٠ هـ) ينظر: تهذيب التهذيب، ٤/ ٣٣٨.
(٣) أي أنه لا يساوي شيئًا.
[ ٩٤ ]
وَبَقْلٌ» (^١) كما أن لعبدالله ابن المبارك (^٢) كلامًا يدل على أن طلب الإسناد من الدين، إذ قال: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال: من شاء ما شاء» (^٣).
وقال أبو عبدالله الحاكم (^٤) معلقًا على قول ابن المبارك: «فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها كانت بترا».» (^٥).
وقال الكرماني: «لما كان الإسناد خصيصة هذه الأمة المباركة ومن جملة
_________________
(١) المحدث الفاصل بين الراوي والسامع للرامَهُرمُزِي ص ٥١٧، أدب الاملاء والاستملاء، للمروزي: ص ٧، والكفاية للخطيب البغدادي: ص ٢٣٨.
(٢) عبدالله بن المبارك بن واضح الحنظلي، المروزي، أحد الأئمة الأعلام، قال عنه أحمد: لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه، (ت ١٨١ هـ) ينظر: طبقات الحفاظ، السيوطي، ١/ ١٢٣.
(٣) معرفة علوم الحديث للحاكم، ص ٦، وأتم هذه العبارة بعضهم فذكرها بلفظ (الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء: ماشاء، فإذا قيل له: من حدثك؟ بَقِي!» أي بقي ساكتًا مبهوتًا منقطعًا عن الكلام، ينظر: الإسناد من الدين للشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ص ٥٣.
(٤) محمد بن عبدالله بن محمد بن حمدويه، أبو عبدالله بن البيع، الضبعي، النيسابوري، الشافعي، سمع بنيسابور عن ألف شيخ، له: كتاب: علوم الحديث في مصطلح الحديث، (ت ٤٠٥ هـ)، ينظر: سير أعلام النبلاء، ١٢/ ٥٧١ - ٥٧٢.
(٥) معرفة علوم الحديث، الحاكم، ص ٤١.
[ ٩٥ ]
شرفها. فلا بد من اعتباره اقتداء بالسلف. وحفظًا للشرف» (^١).
وتعددت تعاريف العلماء بالنسبة للسند فقال البدر بن جماعة (^٢): «هو الإخبار عن طريق المتن» (^٣)، وقال غيره: سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث واحدا عن الآخر، حتى يبلغوا به إلى قائله … «والبحث في السند دعامة أساسية في علوم الحديث، وفي التوصل إلى هدفه الأسمى والغرض المطلوب منه، وهو تمييز الحديث المقبول من المردود» (^٤).
فلذلك كانت قواعد العلماء في السند وشروطه، ومعرفة أحوال الرواة وصفاتهم، وطريقة تزكيتهم أو جرحهم من علماء جمعوا بين العلم والورع … كانت قواعد، وأسس لم يُسبق إليها من قبل، جعلت منها ميزانًا يُحتكم إليه في صحة الروايات من عدمها.
إنّ طريقة البخاري في انتقاء الأحاديث التي وضعها في صحيحه جعلت منها من حيث الجملة في أعلى درجات الصحة، وجعلت أسانيدها قوية في رجالها (من حيث العدالة والضبط، والاتصال، والخلو من العلة)، وخالية من أي قدح يشوبها، «وتميزت أسانيد صحيح البخاري بقوتها، وخلوها مما يقدح في
_________________
(١) الكواكب الدراري، ١/ ٧.
(٢) بدر الدين، أبو عبدالله، محمّد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي، قال عنه الذهبي: قاضي القضاة شيخ الإسلام الخطيب المفسر له تعاليق في الفقه والأصول والتاريخ، وأخذ أكثر علومه بالقاهرة، وولي قضاء القدس، والديار المصرية (ت ٧٧٣ هـ). شذرات الذهب ٨/ ١٨٣، ١٨٤.
(٣) المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي، ص ٢٩.
(٤) منهج النقد، د. نور الدين عتر، ص ٣٤٤.
[ ٩٦ ]
صحتها، حتى غدت بيضاء نقية شاهدة بأمانة نقلتها، ودقة تحري رواتها» (^١).
وكان من عادة شرّاح الحديث أن درسوا هذه الأسانيد، وجعلوها محط اهتمامهم قال الكرماني مبينًا حال رجال سند البخاري وقد قسّمهم إلى قسمين قسم عدول وهم صحابة النبي ﷺ: «رجال بينه وبين رسول الله ﷺ، واتفق الأمة المكرمة المعظمة الأقدار، على أنهم عدول ثقات أخيار أبرار، فما ذكرنا إلا أنسابهم ووفياتهم، ونحو ذلك مما تميل الخواطر إليها وذلك لتكثير الفوائد، وتعزير العوائد، والاستئناس بها، لا للتعديل والتجريح أو التصنيف والتصحيح، وصححنا أسماءهم احترازا الاختلاط والتحريف، واتقاء عن الاختباط والتصحيف» (^٢).
وقسم بقية رجال السند من التابعين ومن بعدهم «ورجال بيننا وبين البخاري، ولا حاجة لنا إلى معرفتهم بذواتهم، فضلا عن جرحهم وعدالتهم. لأن صحيحه بالنسبة إلينا متواتر. ولا إلى الإسناد إليهم» (^٣).
وقد ظهرت جهود الكرماني في الاعتناء بأسانيد البخاري والتعليق عليها، وذلك من خلال الآتي: