تشير مصادر التاريخ أن الفترة الزمنية التي عاش بها الإمام الكرماني، مليئة بالاضطرابات السياسية، وتشهد مزيدًا من التفكك والانقسام، داخل البلاد الإسلامية، وقد نشأ على إثر ذلك إمارات لم تكن من قبل، مما أدى إلى وقوع خلافات بينها أدت إلى حروب بينها، وبين الأمم المجاورة لها (^١).
_________________
(١) السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، علي الصّلاّبي، ص ٨٤.
[ ٢٩ ]
وقد سبقت حياة الكرماني هذه الاضطرابات واستمرت، وامتدت حتى عصره، فمن أهم الاحداث التي سبق عصر الكرماني:
١ - الحملات الصليبة المتعددة على المسلمين والتي كان الهدف الأساسي منها تخليص الأرض المقدسة من أيدي المسلمين، وأسباب أخرى اقتصادية وأهمها السيطرة على البلاد الإسلامية، وتنظيمها على وفق تعاليم الكتاب المقدس (^١).
٢ - سقوط دولة الخلافة العباسية، بعد هجوم المغول على عاصمة الخلافة بغداد وأدى إلى سقوطها، سنة (٦٥٦ هـ) واجتياح كثير من البلدان الإسلامية (^٢).
٣ - كما أن الخلافات المذهبية قد انتشرت آنذاك، وقامت حملات دفاع عن الأمة الإسلامية ضد الصليبيين بفضل المخلصين من أبنائها الأيوبيين بقيادة صلاح الدين الأيوبي (^٣) رحمه الله تعالى، الذي أوقع فيهم هزيمة نكراء، في معركة حطين، سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة (٥٨٣ هـ) (^٤)، كما كان الدور الكبير للماليك
_________________
(١) ينظر الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم (الجذور الممارسة سبل المواجهة)، يوسف العاصي إبراهيم الطويل، ١/ ٣٢٣.
(٢) المغول التتار بين الانتشار والانكسار، علي محمد الصَّلاَّبي، ص ٢١٢ - ٢١٣.
(٣) يوسف بن أيوب بن شاذي، أبو المظفر، صلاح الدين الأيوبي، الملقب بالملك الناصر، رجل سياسة وحربعُرف بالتواضع مع الناس، وبطل حطين وفاتح القدس سنة: سنة ٥٨٣ هـ، اطلع على جانب حسن من الحديث والفقه والأدب، (ت ٥٨٩ هـ)، الأعلام، الزركلي، ٨/ ٢٢٠.
(٤) ينظر: صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس، علي محمد الصّلاّبي، ص ٥٢٩.
[ ٣٠ ]
الذين امتد عصرهم من سنة ست وخمسين وست مئة (٦٥٦ هـ) إلى سنة ثلاث وعشرين وتسع مئة (٩٢٣ هـ)، كان لهم الدور في الدفاع عن أرض الإسلام في معركة عين جالوت سنة (٦٥٨ هـ) ضد التتار بقيادة المظفر (^١) قطز (^٢).
وبقيت العراق وبلاد فارس تحت حكم المغول واستطاع هولاكو أن يُقيم له ولذريته دولة اتخذ من إيران عاصمة لها، عُرفت بدولة (الإيلخانيين) (^٣)، واستمرت من منتصف القرن السابع الهجري إلى منتصف القرن التاسع الهجري (سنة ٧٤٤ هـ) حتى توفي آخر ملوك هذه الدولة، واضطربت الدولة من بعده حتى استولى عليها محمد بن المظفر ولكنه لم يُفلح في إقامة قواعد دولته، وذلك بسبب أنه قسّم البلاد بين ابنيه المتنافسين على الحكم فجعل أحدهما ملك أصبهان، والآخر ملك شيراز وكرمان، فبقيت الخلافات بينهم مستمرة؛ فأدت إلى نشوب الحرب بينهما، حتى استولى تيمورلنك على البلاد سنة (٧٨٨ هـ) (^٤).
ولم يكن حال الشام ومصر وهي بلاد نزل بها الكرماني أفضل حالًا من
_________________
(١) قطز بن عبدالله المعزي، سيف الدين: ثالث ملوك الترك المماليك بمصر والشام، أعظم من قاتل التتار ودحرهم في معركة عين جالوت، سنة: ٦٥٨ هـ، مات مغدورًا سنة: (٦٥٨ هـ). الأعلام للزركلي، ٥/ ٢٠١.
(٢) ينظر: البداية والنهاية، ابن كثير الدمشقي، ١٣/ ٢٢١، ٥٢٨ والسلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي، ص ١٠٥.
(٣) ينظر: المغول التتار بين الانتشار والانكسار، عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي، ص ٢٥١.
(٤) ينظر تاريخ ابن خلدون، ٥/ ٦٢٩.
[ ٣١ ]
العراق وبلاد فارس، فقد كان للمماليك الذين جاء بهم الملك الصالح نجم الدين أيوب دور في الدفاع عن ملكه، وعندما دبّ الخلاف في خلافة بني أيوب، وأساء «توران شاه» للمماليك، فقاموا بقتله، فصار لهم كلمة مسموعة في مصر فملّكوا عليهم من بعده زوجة أبيه «شجرة الدر (^١)» (^٢).
«فكان الخطباء يقولون بعد الدعاء للخليفة: واحفظ اللهم الجهة الصالحة ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين، أم خليل المستعصمية، صاحبة السلطان الملك الصالح. ونقش اسمها على الدينار والدرهم، وكانت تعلم على المناشير وتكتب: والدة خليل. ولم يل مصر في الإسلام امرأة قبلها» (^٣).
وبقي حكم المماليك (^٤) مستمرًا، وفي ازدياد حتى استولوا على الشام،
_________________
(١) الصالحية، أم خليل، الملقبة بعصمة الدين: ملكة مصر. ذات عقل وحزم، كاتبة قارئة، لها معرفة تامة بأحوال المملكة، أصلها من جواري الملك الصالح نجم الدين أيوب. أعتقها وتزوجها، فكانت معه في البلاد الشامية، كانت في بعض الأحيان تدير أمور الدولة عند غيابه في الغزوات، (ت ٦٥٥ هـ). الأعلام، الزركلي، ٣/ ١٥٨.
(٢) ينظر البداية والنهاية، ابن كثير، ١٣/ ٢٠٧، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ٦/ ٣٧٢، وخطط الشام، محمد كرد علي، ٢/ ١٠١.
(٣) حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، السيوطي، ٢/ ٣٦.
(٤) يطلق اسم (المماليك) اصطلاحا، على أولئك الرقيق الأبيض غالبا الذين درج بعض الحكام المسلمين على استحضارهم من أقطار مختلفة وتربيتهم تربية خاصة، تجعل منهم محاربين أشداء، استطاعوا فيما بعد أن يسيطروا على الحكم في مصر وأحيانا الشام والحجاز وغيرها قرابة الثلاثة قرون من الزمان ما بين ٦٤٨ - ٩٢٢ هـ (١٢٥٠ - ١٥١٧ م) ينظر: المماليك البحرية وقضائهم على الصليبيين في الشام، شفيق جاسر أحمد محمود، ص ١٠٧.
[ ٣٢ ]
وأطراف من العراق أخذوها من أيدي التتار، وقد تنازلت شجرة الدر عن الملك لقائد الجيش «عز الدين أيبك» الذي تزوجها، فكان عز الدين أيبك أول سلاطين المماليك بالديار المصرية، وعلى يده انتقل الحكم من الأيوبيين إلى المماليك، ومن بعده استمر الحكم للمماليك في مصر حتى عام (٩٢٣ هـ) (^١).
كما أن الحكم المملوكي انقسم إلى دولتين هما:
دولة المماليك البحرية، (٦٤٨ - ٧٨٤ هـ)، ودولةالبرجيَّة أوالجركسيَّة (^٢) (٧٨٤ - ٩٢٣ هـ)، وقد كثرت الفتن والاضطرابات، والثورات في مصر في ذلك الوقت مما أدى إلى النزاع بين الأمراء والسلاطين على الحكم (^٣).
فيظهر أن أغلب البلاد التي نزل بها الكرماني كانت مليئة بالاضطرابات السياسية، والحروب، والانقلابات، والنزاع على الحكم.