المنهج العام للكرماني في كتاب الكواكب الدراري
كما هي عادة المؤلفين بدأ الكرماني شرحه بمقدمة تناولت أهم المواضيع المتعلقة بشرحه على البخاري، وبيّن منهجه العام، وطريقته في شرح الحديث.
قال الكرماني: «وإنما قصدت بذلك إظهار احتياج هذا الكتاب الذي هو ثاني كتاب الله تعالى إلى شرحٍ مكمّل للفوائد شامل للعوائد عام المنافع تامّ المصالح، جامع لشرح الألفاظ اللغوية الغريبة، ووجه الأعاريب النحوية البعيدة
_________________
(١) كشف الظنون، ص ٥٤١.
(٢) محمود بن أحمد بن موسى أبو محمد بدر الدين العيني الحنفي، من كبار المحدثين، أصله من حلب، ومولده في عينتاب، واشتغل بالفقه، وبرع فيه، له شرح على البخاري، اسمه عمدة القاري، (ت ٨٥٥ هـ)، ينظر: بغية الوعاة، السيوطي، ٢/ ٢٧٥.
[ ٧٥ ]
وبيان الخواص التركيبية واصطلاحات المحدثين ومباحث الأصوليين، والفوائد الحديثية والمسائل الفقهية، وضبط الروايات الصحيحة، وتصحيح أسماء الرجال وألقاب الرواة وأنسابهم وصفاتهم، ومواليدهم ووفياتهم، وبلادهم ومروياتهم، والتلفيق (^١) بين الأحاديث المتنافية الظواهر، والتوفيق بينها وبين التراجم المستورة عن أكثر الضمائر.
ولتوضيح ما صعب من سلوك مناهجها، وتبيين ما لم يظهر من مقدماتها ونتائجها، وتليين ما لم يذلل من صفاتها، ولم يخضع للفهم رقابها وبعض عويصاتها، مما جعل جنابها عن أن يكون شريعة لكل وارد، أو يطلع عليه إلاّ واحد بعد واحد …» (^٢).
فبين الكرماني أن منهجه يقوم على:
التعريف بصحيح الإمام البخاري في مقدمة شرحه، تعريفًا موجزًا، بيّن فيه عدد الأحاديث فيه، وعدد المكرر، وعدد الذين تفردوا بالرواية عن البخاري دون مسلم.
بيان الغامض من الألفاظ في الشرح، والترجيح بالقرائن، والأدلة، مع بيان وجه الأعاريب النحوية غير الظاهرة.
_________________
(١) يستعمل الكرماني لفظ التلفيق بمعنى التوفيق بين المعاني، والأحاديث، وقد قال أهل اللغة أن التلفيق من معانيه الملاءمة، يُقال تلافق القوم أي تلاءمت أمورهم. ينظر: القاموس المحيط: ١/ ٩٢٢.
(٢) الكواكب الدراري: ١/ ٤.
[ ٧٦ ]
التنبيه على بعض الفروق في ألفاظ الحديث على حسب نسخ صحيح البخاري.
بيان خواص التراكيب البلاغية على حسب علم المعاني.
ذكر مباحث الأصوليين من عام وخاص ومجمل ومبين … والمسائل، والقواعد الفقهية المتنوعة، ونسبة الأقوال لأصحابها.
ذكر الفوائد الحديثية، وضبط الروايات الصحيحة.
ضبط أسماء الرجال، ويتوسع في ترجمة المشهورين منهم، ويذكر ألقابهم، وأنسابهم، وصفاتهم، وبلادهم، ومروياتهم، وبيان المؤتلف والمختلف من الأسماء.
التوفيق بين الأحاديث ظاهرة التعارض، مع التوفيق بينها وبين التراجم المستورة، مع بيان مناسبة الأحاديث التي في كل باب لما ترجم له.
ومما تبين كذلك:
الذبّ عن صحيح البخاري فيما انتُقد عليه، في إسناد معلق، أو مرسل، أو مقطوع، أو سبب تقديم البخاري عناوين الكتب بعضها على بعض.
يشير إلى أسباب ترجيح صحيح البخاري، على صحيح مسلم.
يبين مراد البخاري، من ذكر باب ما، أوترجمة لباب، أوبيان عبارة قد تُوهم الإشكال.
أغلب آراء الكرماني الحديثية وافق فيها جماهير المحدثين، ويذكر في بعض الأحيان آراؤه الحديثية التي انفرد بها، عن المتفق عليه بينهم.
[ ٧٧ ]
يذكر آراء أصحاب الفِرَق، كالخوارج، والشيعة، والمعتزلة ويرد عليهم.
الاكتفاء في النقل عن شرّاح الحديث في كثير من الأحايين، من دون التعليق عليها، كالنووي في شرحه على مسلم، وابن بطال في شرحه على البخاري وغيرهم.
له مصطلحات تُعرف من خلال سياق الكلام، فمثلًا كلمة رواه أحيانًا يقصد بها الصحابي أو التابعي الذي روى الحديث، وأحيانًا يقصد بها معنى التخريج.
بعد أن يذكر الأقوال في المسألة، ينقل ما قيل من أقوال غير معتمدة بصيغة التمريض «قيل».
إذا تكرر الحديث يترك أحيانا بعض أجزاء الشرح، ولطائفه، ويذكرها عند ذكر الحديث مرة أخرى، وكثير من الأحيان يمر على الحديث المكرر سريعا، ولا يُعيد الشرح، وخصوصًا في الأجزاء الأخيرة من شرحه.
الإشارة إلى نهاية كتاب وبداية آخر، أو يُنهي الكتاب بقوله: «تم»، أحيانًا يختم الكتاب بالدعاء ويكفي به.
عند توثيقه لكلامه يصف من نقل عنهم بأهل كذا … كقوله، قال أهل اللغة، قال أهل البلاغة، قال أهل البيان، قال أهل العلم.
وهناك نقاط كثيرة في تفصيل منهج الكرماني ستظهر بمشيئة الله أثناء البحث.
* * *
[ ٧٨ ]