الحمد لله على توفيقه وإحسانه، وفضله وجوده وإكرامه، والشكر على جميل نعمه وامتنانه، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، المبلغ عن ربه تنزيله وآياته، وعلى آله وأصحابه، الذين ساروا على سنته وهديه وآثاره، وعلى من سار على نهجهم، واقتفى أثرهم وعمل بما عَلِم، وبيّن للناس العلم وأسراره.
أما بعد:
فإنّ مما تميزت به هذه الأمة وتفردت به عن سائر الأمم أنها كانت من أهل علم الحديث والسند، وقد تصدى لهذا العلم أفذاذ من صحابة النبي ﷺ، ثم نما هذا العلم وتطور واتسع وتكامل، حتى استقرت مصطلحاته، وكان الغاية منه الحفاظ على سنة رسول الله ﷺ من التحريف والتبديل، والدخيل …
وقد مرّ تدوين الحديث الشريف في مراحل عدة فكانت الأولى هي مرحلة الحفظ في الصدور، وهي تمتد من عهد النبي ﷺ وعهد الخلفاء الراشدين ومطلع الخلافة الأموية، والمرحلة الثانية هي مرحلة التدوين التي بدأت في القرن الثاني الهجري، ومُزج في هذه المصنفات حديث النبي ﷺ، وفتاوى الصحابة والتابعين، وصُنّف فيها موطأ الإمام مالك وغيره.
[ ١١ ]
وفي المرحلة الثالثة كانت مرحلة تجريد الحديث النبوي عن غيره من أقوال الصحابة والتابعين، وكانت هذه الفترة ترجع إلى أثناء القرن الثالث والرابع الهجريين، وفيها كثر تدوين الحديث على طريقة المسانيد، كمسند الإمام أحمد، وظهرت في هذه المرحلة الأصول الستة التي عليها التعويل عند أهل السنة والجماعة، وهي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، ولم ينتهِ القرن الرابع حتى كاد الحديث النبوي تستوعب أسانيده ومصنفاته إلا ما شذ وندر، ثم جاءت مرحلة التهذيب والترتيب التي تهتم بالتبويب والجمع والتفريق بين المصنفات، أو الاختصار (^١).
هذا وقد لقيت هذه المصنفات عناية كبيرة في الشرح والاختصار بعد القرن الرابع، فكثرت شروح الصحاح والسنن والمسانيد، وكان من أعظم ما عُني به حفظًا وشرحًا واختصارًا، صحيح الإمام البخاري، (ت ٢٥٦ هـ)، الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله ﷿ (^٢)، فلا نجد مُصنفًا تناوله العلماء بالشرح والبيان،
_________________
(١) ينظر: الإيضاح في علوم الحديث والاصطلاح، أ. د مصطفى الخن، ود. بديع السيد اللحام، ص ١١ - ١٥.
(٢) قال إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ): لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي ﷺ لما ألزمته الطلاق، ولاحنثته، لإجماع علماء المسلمين على صحتهما، (صيانة صحيح مسلم، ابن الصلاح، ص ٨٦، ونقل ابن الصلاح كذلك كلامًا مشابهًا لقول الجويني للحافظ أبي نصر الوايلي السجزي (ت ٤٤٤ هـ) في معرفة أنواع علم الحديث، ص ٢٦. وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الامة بالقبول»، ينظر: شرح مسلم، ١/ ١٤.
[ ١٢ ]
كصحيح الإمام البخاري، فقد، بلغت شروحه شروحًا كثيرة (^١)!
منها: شرح الإمام، أبي سليمان: حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي، الخطابي، (ت ٣٣٨ هـ)، وشرح الإمام أبي الحسن: علي بن خلف، الشهير: بابن بطال المغربي، المالكي، (ت ٤٤٩ هـ)، ومن أعظم هذه الشروح كذلك وأشهرها، فتح الباري شرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر العسقلاني، (ت ٨٥٢ هـ) وغيرها من الشروح (^٢).
ومن جميل الشروح عظيمة النفع شرح العلاّمة المحدث، شمس الدين: محمد بن يوسف بن علي الكرماني (ت ٧٨٦ هـ) واسم كتابه الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري، وهو شرح مختصر بين الطول والقِصَر، في اثني عشر مجلدًا شرحه في عشرين عامًا تقريبًا، وهو موضوع البحث، وإكرام من الله أن قمت بدراسة عن هذا الشرح النفيس.