مع كل هذه الاضطرابات السياسية، وبعض مظاهر الفساد بين الناس، وما رافقها من فتن، وثورات وحروب … إلا أنّ الحركة العلمية كانت على عكس الحالة السياسية والاجتماعية، فكان هناك إقبالٌ من أهل العلم على طلب العلم والتأليف والتصنيف، فامتلأت المساجد بدروس العلم، وصارت المدارس في ازدياد وأُنشئت المكتبات العامة والنتاج العلمي في تلك الحقبة شاهدة على هذا القول.
وقد قالوا في سبب ذلك، عوامل خارجية وداخلية ساعدت على ذلك:
عندما وقعت كثير من البلدان العربية والإسلامية في يد التتار، وكثُر قتل العلماء، وإتلاف كثير من نتاجهم العلمي، وإغراقه في نهر دجلة، بأمر من هولاكو.
عندها لاذ العلماء بسلاطين مصر، ووجدوا عندهم الأمن والأمان، ووجدوا من أنفسهم الواجب في تعويض خسارة الأمة ما أُتلف على أيدي
_________________
(١) معيد النعم ومبيد النقم، ص ١١٣.
(٢) النجوم الزاهرة، ابن تغري، ١٤/ ٤٢.
[ ٣٥ ]
التتار، من نتاج علمي، وقتل للعلماء، فدفعهم ذلك للجد والاجتهاد، وساعد مصر على ذلك كثرة من أمّها من الأقطار الإسلامية المختلفة، سواء أكانوا فارين من الظلم والطغيان، أم أنهم كانوا طامعين في كرم وضيافة أهل مصر (^١).
أما العوامل الداخلية كانت بسبب غيرة بعض أمراء المماليك على العلم والعلماء فحثوا على طلب العلم، في كل مجالاته، وأنشأوا دور التعليم المختلفة، فيذكر أن سلاطين المماليك أقاموا وزنًا لعلماء الدين، وقدموهم في مسائل كثيرة، واستشاروهم في كثير من أمور الدولة، وسمعوا شكاياتهم، وتوجسوا من بعضهم خيفة! (^٢).
كما أن المساجد، والمدارس، ودور العلم المختلفة، زُوّدت بالكتب النافعة، ورُصدت الأوقاف على المدارس، حتى كان بعض السلاطين مغرمًا بجمع النفائس من الكتب العلمية، وانتشرت بعض دور الكتب في العصر المملوكي منها:
خزانة الكتب بجامع الحاكم بأمر الله.
خزانة الكتب بجامع الخطيري ببولاق.
خزانة الكتب بجامع المؤيد.
خزانة الكتب بالمدرسة الحجازية وغيرها من دور الكتب في البلدان المختلفة (^٣).
_________________
(١) ينظر عصر سلاطين المماليك ونشاطه العلمي والأدبي، محمود رزق سليم، ص ١٧ - ١٨.
(٢) ينظر السابق، ص ٢٠ - ٢٢.
(٣) عصر سلاطين المماليك ونشاطه العلمي والأدبي، محمود رزق سليم ص ٦٧ - ٦٨، نزهة الأنام في تاريخ الإسلام، صارم الدين بن دُقْماق، ص ٤٤.
[ ٣٦ ]
وقد وُلد في هذا العصر جمع من العلماء الأجلاء، أصحاب المصنفات الكبيرة والنافعة منهم على سبيل المثال: ابن تيميّة (^١)، وابن كثير الدمشقي (^٢)، وابن حجر (^٣)، والمقريزي (^٤) … وغيرهم (^٥).
* * *
_________________
(١) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، الحرّاني الحنبلي، المفسر الفقيه المجتهد، صاحب التصانيف الكثيرة، اعتُقل ومات في السجن في قلعة دمشق، له: مجموعة الفتاوى، والرسالة التدمرية، وغيرها، (ت ٧٢٨ هـ) ينظر: الوافي بالوفيات، ٧/ ١١.
(٢) عماد الدّين أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن عمر ابْن كثير، القرشي البصري، الحافظ المفسر والمؤرخ، ولد في قرية من أعمال بصرى الشام، له تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية في التاريخ، (ت ٧٧٤ هـ)، ينظر الرد الوافر، محمد بن عبدالله القيسي، ص ٩٢، وطبقات الحفاظ، السيوطي، ص ٥٣٤.
(٣) أحمد بن علي بن محمد شهاب الدين أبو الفضل العسقلاني الأصل، ثم المصري الشافعي شيخ الإسلام، له فتح الباري شرح البخاري، وتعليق التغليق، (ت ٨٥٢ هـ)، ينظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان، السيوطي، ١/ ٤٥.
(٤) أحمد بن علي بن عبد القادر، أبو العباس الحسيني العبيدي، تقي الدين المقريزي وهي نسبة لحارة في بعلبك تعرف بحارة المقارزة: مؤرخ الديار المصرية، له الخطط، والسلوك في معرفة دول الملوك، (ت ٨٤٥ هـ)، ينظر: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، ١/ ٧٩، والأعلام، الزركلي، ١/ ١٧٧.
(٥) يُنظر: نزهة الأنام في تاريخ الإسلام، ص ٤٤.
[ ٣٧ ]