إن من طالع سيرة الكرماني، يعلم أنه كان، عابدًا طائعًا، ومكثرًا من الطاعة، صاحب همة عالية، زاهدًا في الدنيا، ومعرضًا عن شهواتها وأهوائها، شريف النفس متععفًا عمّا في أيدي الناس، قال الكرماني في مقدمة كتابه بعد أن ذكر أسباب التأليف: «وما توسلت به إلى غرض دنيوي، من مال أو جاه أو تقرب إلى سلطان أو خليفة، كما هو عادة أبناء زماننا من أصحاب الهمم القاصرة والعقول الضعيفة، بل جعلته لله ولوجهه خالصًا، سائلا أن ينفعني به، حين يكون الظل في الآخرة قالصًا (^١) وأن يهب عليه قبول القبول فإنه أكرم مسئول وأعز مأمول» (^٢).
كما أنه كان متواضعًا، بارًا بالناس أجمعين، وخصوصًا الفقراء منهم «كان تام الخلق، فيه بشاشة وتواضع للفقراء وأهل العلم، غير مكترث بأهل الدنيا، ولا ملتفت إليهم، يأتي إليه السلاطين في بيته، ويسألونه الدعاء والنصيحة» (^٣).
ومما قيل فيه: «قال الشيخ شهاب الدين ابن حجي تصدى لنشر العلم ببغداد ثلاثين سنة، وكان مقبلًا على شأنه لا يتردد إلى أبناء الدنيا، قانعا باليسير ملازما للعلم، مع التواضع والبر بأهل العلم» (^٤).
_________________
(١) قلص الشيء يقلص قلوصا: ارتفع. يقال: قَلَصَ الظلُّ. وقَلَصَ الماء، إذا ارتفع في البئر ينظر: مادة: (قلص)، الصحاح وتاج اللغة صحاح العربية، ٣/ ١٠٥٣.
(٢) الكواكب الدراري، ١/ ٦.
(٣) طبقات المفسرين، الداوودي، ٢/ ٢٨٦.
(٤) الدرر الكامنة، ابن حجر، ٦/ ٦٧.
[ ٤٢ ]
ومما يظهر في تواضعه ما قاله في مقدمة شرحه على البخاري بعد أن ذكر دواعي تأليف الكتاب: «مع اعترافي بالقصور وقلّة البضاعة، والفتور وقصر الباع في هذه الصناعة» (^١).
وقال في موضع من شرحه عندما أراد أن يقرر بعض المسائل شرحًا، وأن يجمع بين الأدلة: «هذا آخر غاية وسعنا في تقريره ولعل عند غيرنا خيرًا منه» (^٢).
ومن صفاته أنه كان يمشي على عصا، قال ولده يحيى: «وسقط من علّية فكان لا يمشي إلّا على عصا منذ كان ابن أربع وثلاثين سنة» (^٣).