إن للحياة السياسية وما فيها من اضطرابات، وحروب وفتن والتي شملت عددًا واسعًا من البلاد الإسلامية قد أثّرت سلبيًا على الحياة الاجتماعية السائدة آنذاك، ومنها البلاد التي نزل بها الكرماني كمصر والشام وغيرهما … وتتلخص الحياة الاجتماعية في هذه الحقبة الزمنية بالآتي:
_________________
(١) ينظر: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، أحمد بن علي المقريزي، ١/ ٤١٢ - ٤١٣.
(٢) ينظر: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، أحمد بن علي المقريزي، ٣/ ٤٢٠ - ٤٢١.
(٣) السابق، ٢/ ٤١١ - ٤١٢، وينظر المماليك البحرية وقضائهم على الصليبيين في الشام، شفيق جاسر، ص ١١١.
[ ٣٣ ]
١ - ظهور الطبقية، بسبب الأوضاع المعيشية السيئة، فتنوعت الطبقات على حسب الملك والسلطة من عدمها، وعلى حسب الغنى والفقر، فكانت الطبقة الأولى: وهي الطبقة العليا للأمراء والوزراء، والطبقة الثانية: للميسورين من كبار التجار وأصحاب الأموال، والطبقة الثالثة: من متوسطي الحال وصغار التجار، والطبقة الرابعة: أهل الزراعة والحرث وسكان الأرياف، والطبقة الخامسة: هم الفقراء وطلاب العلم، والطبقة السادسة: للصّناع وأصحاب المِهن، والطبقة السابعة: الذي يسألون الناس من المساكين وأصحاب الحاجة (^١).
٢ - انتشار الفساد الأخلاقي والمالي، ولايخفى أن سبب هذا البعد عن الدين، وما آلت إليه البلاد من تنوّع في الطبقات، والنظر إلى الناس على حسب المكانة الاجتماعية والمالية، ولا على حسب المكانة الدينية والتقوى.
فقد وصل الحد بالفساد الأخلاقي إلى ما قاله السبكي: «ولقد سمعت أنَّ واحدًا منهم أي من أحد أمراء المماليك خرج مرة إلى الصيد فافتضَّ هو ومماليكه من بنات البَرِّ ما يزيد على سبعين بنتًا حرامًا» (^٢) وقد ذكر السبكي هذا المثال عن الأسباب التي تُزيل النِعم، ووصل الفساد بهم كذلك لئن يمارس أحدهم كل أنواع الفجور في خلاوته (^٣).
وصار سؤال الناس من غير حاجة صنعة فيقعدون على أبواب المساجد
_________________
(١) ينظر إغاثة الأمة بكشف الغمة، المقريزي، ص ١٤٧ - ١٥٠، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، يوسف ابن تغري بردي، ١١/ ٣٨٢.
(٢) معيد النعم ومبيد النقم، تاج الدين السبكي، ص ٤٦.
(٣) المماليك البحرية وقضائهم على الصليبيين في الشام، شفيق جاسر، ص ١١٤.
[ ٣٤ ]
يشحذون المصلّين، ولا يدخلون للصلاة معهم، ويقسمون بالله أعظم الأيمان في سؤال الناس المال! (^١) كما أقبل الناس على شرب الخمر من كل الطبقتين العليا والدنية، للهروب من واقعهم، وانتشر الزنا، كما أن الفساد المالي والرشوة بلغت أوجها «وصار لا يترقىّ في الدّول إلا من يبذل المال، ولو كان من أوباش السُّوقة لشره الملوك في جمع الأموال» (^٢).