ذكر علماء الحديث طرق التحمّل، وبينوا أحكامها، ورتبوا درجاتها مع اختلاف بسيط بينهم في عددها هل هي ثمانية، أم سبعة؟ وفي رتبة القراءة على الشيخ هل هي كالسماع؟
إلا أن أكثر العلماء نصوا على أنها ثمانية (^١).
وهي كالترتيب الآتي:
١ - السماع، ومن العلماء من سماه «العرض»، ٢ القراءة على الشيخ، ٣ الإجازة، ٤ المناولة، ٥ الكتابة أو المكاتبة، ٦ الإعلام، ٧ الوصية، ٨ الوجادة.
وقد ذكر البخاري في صحيحه بعض طرق التحمل والأداء، وقد ذكر العلماء أن السماع هو: أن يقرأ الشيخ، ويسمع الطالب؛ سواء قرأ الشيخ من حفظه، أو كتابه، وسواء سمع الطالب، وكتب ما سمعه، أو سمع فقط ولم يكتب (^٢). وهذه الطريقة هي أرفع وأعلى درجات التحمّل عند الجمهور.
وقد ذكر الكرماني في باب: دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ.
«حَدَّثنا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخبَرَنا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ
_________________
(١) ينظر: (ابن الصلاح في علوم الحديث، ص ١٣٢، والنووي في التقريب، ص ٥٤، وابن الملقن في المقنع، ١/ ٢٩٢، والسيوطي في التدريب، ١/ ٤١٨.
(٢) تيسير مصطلح الحديث، محمود النعيمي، ص ١٩٦.
[ ١٠١ ]
عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ- ﵄ …» (^١) فعلق الكرماني على ذلك مختصرًا فقال: «قال البخاري أولًا: حدثنا يعني عن شيخه عبيدالله في غالب النسخ إذ في بعضها أخبرنا. وثانيًا: أخبرنا أي حنظلة ففي الأول الشيخ قرأ وفي الثاني قرأ هو على الشيخ وهذا إذا قلنا بالفرق بين حدثنا وأخبرنا على ما هو المشهور وإلا فهما سواء كما سيأتي» (^٢).
إلا أن البخاري لم يصرح بها كما صرح ببعض طرق التحمّل والأداء، وإنما بيّن الطريقة التي يُؤدى فيها عند «باب قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا».
وقد ذكر الكرماني الخلاف الحاصل في ألفاظ الأداء بهذه الطريقة وهي: هل يجوز أن يُقال فيما قُرئ على الشيخ حدثنا وأخبرنا؟
فقال: «أي لا تفاوت بينهما كما هو مقتضى اللغة وذهب مسلم الى أن حدثنا لا يجوز إطلاقه إلا على ما سمعه من لفظ الشيخ خاصة وأخبرنا لما قرأ على الشيخ وهو مذهب الشافعي وجمهور أهل المشرق وقيل هو مذهب أكثر أصحاب الحديث وهو الشائع والغالب على أهل الحديث والأول أعلى درجة» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بابٌ: دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ، رقم (٧).
(٢) الكواكب الدراري، ١/ ٧٨.
(٣) الكواكب الدراري. ٢/ ٩، ٢٠/ ١٧٠، وانظر أقوال العلماء في المسألة (نوادر الأصول في أحاديث الرسول للحكيم الترمذي ٤/ ١٢١، ابن الصلاح، ص ١٣٩، والكفاية، ص ٢٩٢، وشرح النووي على مسلم ١/ ٢٢، وذكر النووي مذهب القائلين بعدم الجواز وهم: «ابن المبارك ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل والمشهور عن النسائي».
[ ١٠٢ ]
ثم ذكر الكرماني رأي الإمام البخاري في عدم اختلافه مع رأي الجمهور فقال: «فإن قلت هل يُعلم من هذا الكتاب مختار البخاري في ذلك. قلت: حيث نقل مذهب الاتحاد من غير رد عليه وغير ذكر مذهب المخالف أشعر بأن ميله إلى عدم الفرق» (^١).
وقد قال الحافظ ابن حجر «أنه لا خلاف بين أهل العلم بين قول أخبرنا وأنبأنا من حيث اللغة، أما في الاصطلاح ففيه خلاف، فمن العلماء من استمر على أصل اللغة، ومنهم من رأى الخلاف بينهما» (^٢).
وقال الخطيب (^٣) في الكفاية: «قال: سمعت أحمد بن صالح، وسئل عن «حدثنا» و«أخبرنا» وأنبأنا «فقال: «حدثنا» أحسن شيء في هذا وأخبرنا دون «حدثنا» وأنبأنا «مثل» أخبرنا» وقد قال بعض أهل العلم بالعربية: هذه الألفاظ الثلاثة بمنزلة واحدة في المعنى، وقال غيره: «حدثنا» ونبأنا «أدخل إلى السلامة من التدليس من» أخبرنا «وإنما استعمل من استعمل» أخبرنا «ورعا ونزاهة لأمانتهم، فلم يجعلوها للينها بمنزلة» حدثنا «ونبأنا»، وإن كانت «نبأنا» تحتمل
ما تحتمله «حدثنا» و«أخبرنا»، وبالجملة فإن النية هي الفارقة بين ذلك على الحقيقة» (^٤).
_________________
(١) الكواكب الدراري، ٢/ ٩.
(٢) فتح الباري، بتصرف، ١/ ١٤٤ - ١٥٥.
(٣) أحمد بن علي، بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي، الإمام الحافظ الحجة، انتهت إليه الرياسة في الحفظ والإتقان، والقيام بعلوم الحديث، له: الكفاية في علم الرواية، وغيرها، (ت ٤٦٣ هـ) ينظر: الوافي بالوفيات، ٧/ ١٢٦.
(٤) ص ٢٨٧.
[ ١٠٣ ]
هذا ولم يفت الإمام البخاري رحمه الله تعالى، بيان الدقة في أسانيد تنوعت فيها صيغ الأداء، فقال البخاري: «حَدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُاللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثنا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵄، عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ …» (^١) قال الكرماني معلقًا على ذلك: «اعلم أن البخاري ﵁ على ما في بعض النسخ ذكر الثلاثة الأول من السند بلفظ التحديث والثلاثة الأخر بلفظ السماع والرابع بلفظ الإخبار وعلى ما سيذكره هو عن الحميدي في كتاب العلم لا تفاوت بينها» (^٢).
كما أن الكرماني يذكر صنيع البخاري، في تنوع أداء الأسانيد فقال معلقًا على قول البخاري: «حَدَّثنا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ ابْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ …» (^٣).
قال الكرماني: «قال أولا حدثنا وثانيا بلفظ أخبرنا وثالثا بكلمة عن ورابعا بلفظ أخبرني محافظة على الفرق الذي بين العبارات أو حكاية عن ألفاظ الرواة بأعيانها مع قطع النظر عن الفرق أو تعليمها لجواز استعمال الكل أن قلنا
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي، رقم (١).
(٢) الكواكب الدراري، ١/ ١٧.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب: الأحكام، بَاب: تَرْجَمَةِ الْحُكَّامِ وَهَلْ يَجُوزُ تَرْجُمَانٌ وَاحِدٌ، رقم (٦٧٥٦).
[ ١٠٤ ]
بعدم الفرق بينهما» (^١).