قال الإمام النووي: «غلب عليهم الاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا وشاع بحيث لا يخفى، فيكتبون من حدثنا: الثاء والنون والألف، وقد تحذف الثاء، ومن أخبرنا: أنا» (^٣).
مثال على ذلك:
قال البخاري: «حَدَّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثنا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثنا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي، رقم (٤).
(٢) الكواكب الدراري، ١/ ٥٠.
(٣) التقريب والتيسير، ص ٧٠.
[ ١١٣ ]
عَبَّاسٍ …» (^١).
قال الكرماني مبينًا عادة المحدثين في التعامل مع مثل هذه الرموز «واعلم أنه جرت عادة أهل الحديث بحذف قال ونحوه فيما بين رجال الإسناد في الخط وبكتابة: ثنا مكان حدثنا: وأنا مكان أخبرنا، فينبغي للقارئ أن يلفظ بقال وحدثنا وأخبرنا صريحا، ولو ترك لكان مخطئا، لكن السماع صحيح للعلم بالمقصود ولدلالة الحال على المحذوف» (^٢).
بيان معنى الحرف: «ح».
قال البخاري: «حَدَّثنا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُاللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح وَحَدَّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُاللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ …» (^٣).
قال الكرماني: معنى الحاء (ح) التي تكون في وسط السند وبيان الفائدة من ذلك فقال: «ح: أي حاء مهملة مفردة وعادتهم أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من الإسناد إلى الإسناد ذلك أي مسمى حرف الحاء فقيل لأنها مأخوذة من التحويل لتحوله من إسناد إلى آخر وإنه يقول للقارئ إذا انتهى اليها (ح) مقصورة ويستمر في قراءة ما بعدها وفائدته أن لا يركب الإسناد الثاني مع الأول فيجعلا إسنادا واحدا …» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي، رقم (٤).
(٢) الكواكب الدراري، ١/ ٤٥.
(٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٤) الكواكب الدراري، ١/ ٥٠، ويُنظر فتح المغيث، السخاوي، ٣/ ١١١.
[ ١١٤ ]
وقال في موضع آخر مبينا طرق الحديث الواحد والواسطة بين الرواة عند حديث قال البخاري: «حَدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ (ح) قَالَ: وحَدَّثَنِي بِشْرُ، قَالَ: حَدَّثنا مُحَمَّدُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِاللهِ …».
قال الكرماني: «اعلم أن البخاري قد تحول من إسناد إلى إسناد آخر يعني له طريقان إلى شعبة فالأول: الواسطة بينه وبين شعبة رجل واحد، والثاني الواسطة بينهما رجلان وفي بعض النسخ كتب قبل وحدثني بشر لفظة (ح) إشارة إلى التحويل حائلًا بين الإسنادين …» (^١).
وقال الكرماني في موضع ثالث: «وأهل المغرب إذا وصلوا اليها أي حرف: الحاء، (ح) يقولون الحديث، وقد كتب جماعة من حفّاظ عراق العجم موضعها صح فيشعر بأنها رمز صح، وحسن هنا كتابة صح لئلا يتوهم أنه سقط من الاسناد الأول» (^٢).
وقد أشار الإمام النووي أن هذا الأسلوب يكثر عند الإمام مسلم، ويقل عند الإمام البخاري (^٣).
حذف «قال» التي تحذف في الخط وتثبت في القراءة:
قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ
_________________
(١) الكواكب الدراري، ١/ ١٤٤.
(٢) الكواكب لدراري، ٢/ ٣.
(٣) شرح مسلم، ١/ ٣٨.
[ ١١٥ ]
سَأَلَ …» (^١).
(فيحيى) أي ابن أبي كثير، والتقدير: أي: قال الحسين: قال يحيى، ولفظ قال يُحذف في الخط عند المحدثين.
قال الكرماني معلقا على ذلك: «قال يحيى (وأخبرني) بالواو. فإن قلت أخبرني مقول قال وهو مفعول حقيقة فكيف جاز دخول الواو بينهما؟ قلت: إشعارًا بأنه من جملة ما سمع منه كأنه قال أخبرني بكذا وكذا، وأخبرني بهذا فهو للعطف على مقدر» (^٢).