يقصد بالصناعة في المعنى العام في علم ما هو التفنن في ذلك الموضوع
_________________
(١) ينظر مادة: (نهج) الصحاح وتاج اللغة، الفارابي، وجمهرة اللغة، الأزدي، ١/ ٤٩٨، ١/ ٣٤٦. وأساس البلاغة، الزمخشري، ٢/ ٣٠٦.
[ ٩١ ]
والحذاقة، وترك بصمة واضحة فيه، وإظهار وبذل الجهد والطاقة، واستنباط قواعد هذا العلم، والإحاطة به.
وإلى هذا يشير حاجي خليفة: «المنظر الثالث: في أن العلم من جملة الصنائع، لكنه أشرفها واعلم: أن الحذاقة والتفنن في العلم، والاستيلاء عليه، إنما هو بحصول الملكة في الإحاطة بمباديه، وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله؛ وهذه الملكة هي غير الفهم والملكات كلها جسمانية، والجسمانيات كلها محسوسة، فتفتقر إلى التعليم، فيكون صناعيا، ولذلك كان السند فيه معتبرا، وجميع ما يسمونه علما أو صناعة، فهو عبارة عن ملكة نفسانية، يقتدر بها صاحبها على النظر في الأحوال العارضة لموضوع ما، من جهة ما، بحيث يؤدي إلى الغرض» (^١).
وجاء في تعريف الصناعة: «ملكة نفسانية تصدر عنها الأفعال الاختيارية من غير روية، وقيل: المتعلق بكيفية العمل» (^٢).
فالمراد بالصناعة الحديثية عند الإمام الكرماني في كتابه، «الكواكب الدراري» هي الفوائد والمصطلحات والمواضيع التي مارسها الكرماني في كتابه بمايتعلق بعلم الحديث رواية ودراية.
وأهل الصنعة الحديثية هم الذين يذبّون عن سنة رسول الله ﷺ، ويحفظونها من كيد الكائدين المشككين فيها، ويعرفون صحيح الأحاديث من
_________________
(١) كشف الظنون ١/ ٤٢ في المقدمة.
(٢) التعريفات للجرجاني ١٤٣. وانظر كتاب: الكليات لأبي البقاء الكفوي، قال كلاما عن الصناعة قريبا منه: ص ٥٤٤.
[ ٩٢ ]
سقيمها، ويعرفون خفايا عللها سندًا ومتنًا، ويتفننون في طريقة عرضها، بما أوتوا من ملكة وموهبة.
قال البيهقي (^١): «وقد يَزلُّ الصدوق فيما يكتبه، فيدخل له حديث في حديث، فيصير حديث روي بإسناد ضعيف مركبا على إسناد صحيح، وقد يزل القلم ويخطئ السمع، ويخون الحفظ، فيروي الشاذ من الحديث عن غير قصد، فيعرفه أهل الصنعة الذين قيّضهم الله لحفظ سنن رسوله ﷺ على عباده» (^٢).
وقال الإمام مسلم: «واعلم رحمك الله أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين بها دون غيرهم» (^٣).
إذًا: كل علم مارسه صاحبه وأتقنه وتفنن فيه، حتى أصبح له سجية وحِرفة، عندها يقال أنه: «أدرك الصناعة لهذا العلم».
وهذا ما سنراه عند الإمام الكرماني في ثنايا هذا البحث، من منهج، وصناعة حديثية … إن شاء الله تعالى.
* * *
_________________
(١) أحمد بن الحسين، بن علي، أبو بكر، البيهقي، الإمام المحدث، الحافظ، صاحب التصانيف الكثيرة، منها كتاب: السنن، والأسماء والصفات، وغيرها، (ت ٤٥٨ هـ)، ينظر: تذكرة الحفاظ، الذهبي، ٣/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٢) معرفة السنن والآثار، البيهقي، ١/ ١٤٣.
(٣) التمييز للإمام مسلم: ص ٢١٨.
[ ٩٣ ]