كان من عادة البخاري المحافظة على لفظ الشيوخ، سواء أكان ذلك في السند كطرق تحمّله للحديث وأدائه … أو في المتن وما فيه من خلاف بين الألفاظ على حسب التلقي.
مثال على ذلك: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ …» (^٣).
قال الكرماني: «قوله (الزهري) بضم الزاي هو ابن شهاب ذكره البخاري في كل موضع باللفظ الذي نقله شيخه، ولذا تارة يقول ابن شهاب وتارة الزهري وتارةً محمد بن مسلم وهذا من جملة ضبطه واحتياطه» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: الغسل، باب: غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، رقم (٢٩٠).
(٢) الكواكب الدراري، ٣/ ١٥٤.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، رقبم (٧٧).
(٤) الكواكب الدراري، ٢/ ٥٣.
[ ١١٦ ]
ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُثْمَانَ يَعْنِي ابْنَ الْأَسْوَدِ قَالَ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُ …» (^١).
قال الكرماني: «قوله (عثمان) وقال (يعني ابن الأسود) إشعارًا بأن شيخه لم يقل إلا عثمان وإنما ذكر نسبته فهو منه وهذا من جملة الاحتياطات …» (^٢).
ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيه …» (^٣).
قال الكرماني: «وهو الشيباني، بفتح المنقطة وسكون التحتانية وبالنون وقال بلفظ هو إشعارًا بأنه ليس من كلام شيخه بل هو تعريف من تلقاء نفسه» (^٤).
ومثله قال البخاري: «حَدَّثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخبَرَنا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ …» (^٥).
قال الكرماني: عن الراوي: «إسماعيل بن إبراهيم» الملقب بابن علية، «وذكره البخاري ثمة بالكنية حيث قال ابن علية وههنا بالاسم، وهذا دليل على
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: الشركة، بَاب: الِاشْتِرَاكِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا يَكُونُ فِيهِ الصَّرْفُ، رقم (٢٣٣٤).
(٢) الكواكب الدراري، ١١/ ٦١.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب: الحيض، باب: مباشرة الحائض، رقم (٢٩٨).
(٤) الكواكب الدراري، ٣/ ١٦٦.
(٥) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بَابُ: سُؤَالِ جِبْرِيلَ، رقم (٤٧).
[ ١١٧ ]
كمال ضبط البخاري وأمانته حيث نقل لفظ الشيوخ بعينه وأداه كما سمعه رحمه الله تعالى» (^١).
ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ» (^٢).
وساق البخاري رواية أخرى للحديث فقال:
«قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا …» (^٣).
والملاحظ أنه قال في الرواية الأولى: حدثني ابن الأصبهاني، وفي الثانية عبد الرحمن ابن الأصبهاني، قال الكرماني معلقًا على ذلك: (قال أولا ابن الأصبهاني وههنا عبد الرحمن بن الأصبهاني محافظة على لفظ الشيوخ وهو من جملة احتياطاته» (^٤).
ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَاللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄ هَلْ …» (^٥).
_________________
(١) الكواكب الدراري، ١/ ١٩٣.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم، رقم (١٠٠).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم، رقم (١٠٢).
(٤) الكواكب الدراري، ٢/ ١٠٠.
(٥) أخرجه البخاري، كتاب: الوصايا، بَاب: الْوَصَايَا وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ، رقم (٢٥٥٣).
[ ١١٨ ]
الملاحظ أن البخاري رحمه الله تعالى عرّف بابن مالك فقال: هو ابن مِغول.
قال الكرماني:
«ولو لم يقل كلمة هو كان افتراء على شيخه إذ الشيخ لم ينسبه بل قال مالك فقط هذا من جملة احتياط البخاري» (^١).