قال البخاري: «وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ بِهَذَا فَقَالَ» (^٤).
قال الكرماني: «قوله (سمعت أبي) فإن قلت: أبوه محمد فروايته عن رسول الله ﷺ مرسل إذ لا بد من توسيط ذكر سعد حتى يصير مسندا متصلا. قلت: لفظ هذا هو إشارة إلى قول سعد فهو متصل» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بابٌ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، رقم (٩).
(٢) الكواكب الدراري، ١/ ٨٧.
(٣) عمدة القاري، ١/ ١٣١.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب: الزكاة، بَاب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، رقم (١٣٩٣).
(٥) الكواكب الدراري، ٨/ ٢٣.
[ ١٢٤ ]
ومنه بيان معرفة عود الضمير المتصل في السند، ليزيل الإشكال:
قال البخاري: «حَدَّثَنَا عبْدُاللهِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ …» (^١).
بين الكرماني المقصود في الضمير الذي في جدته، حتى يزيل الإشكال فقال: «قوله مُليكة بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتانية، هي أم سليم مصغر سالم بنت ملحان بكسر الميم وسكون اللام وبالمهملة الانصارية. فإن قلت هي الأم لأنس لا الجدة. قلت: الضمير راجع الى إسحق لا إلى أنس فإنها أم عبدالله ابن أبي أسحق لأنها كانت أولا زوجة مالك بن أنس ثم تزوجها أبو طلحة فولدت له عبدالله» (^٢).
ومنه توضيح عبارات في السند:
قد ترد في السند عبارات لابد من بيان معناها حتى يستقيم الكلام، فكان الكرماني يبينها ويزيل عنها الإشكال مثال على ذلك قال البخاري: «حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ
مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِي قَالَ سَمِعْتُ قَيْسَ …» (^٣).
قال البدر العيني: «وقد ذكر أن الزهري حدثه بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الذي حدثه به إسماعيل، وهو معنى قوله: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد على غير ما حدثناه الزهري، برفع الزهري، لأنه فاعل: حدث، و: نا، مفعوله،
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، رقم (٣٧٥).
(٢) الكواكب الدراري، ٤/ ٤٥.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: الاِغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، رقم (٧٢).
[ ١٢٥ ]
والضمير يرجع إلى الحديث الذي يدل عليه: حدثنا» (^١).
وبين الكرماني الغرض من ذلك فقال: «والغرض من ذكره الإشعار بأنه سمع ذلك من إسماعيل على وجه غير الوجه الذي سمع من الزهري إما مغايرة في اللفظ وإما مغايرة في الإسناد وإما في غير ذلك وفائدته التقوية والترجيح بتعداد الطرق» (^٢).
ومنه: قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْداللهِ …» (^٣).
قال الكرماني مبينًا قوله: «ليس أبو عبيدة ذكره» فقال: «فإن قلت
ما الفائدة فيما قال وليس أبو عبيدة ذكره إذ الإسناد بدونه تمام ولا دخل له فيه، قلت غرض أبي إسحق في هذه اللفظة أن يبين أنه لا يروى هذا الحديث عن طريق أبي عبيدة عن عبدالله كما رواه غيره لان أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئا فأراد دفع وهم من توهم ذلك فنقل البخاري لفظه بعينه» (^٤).
وكان من عادة البخاري كذلك إذا أورد حديثا بسنده، ثم أورد آخر بعده بنفس السند يقول، وبإسناده كذا وكذا …
_________________
(١) عمدة القاري، ٢/ ٥٦.
(٢) الكواكب الدراري، ٢/ ٤٢.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ، رقم (١٥٦).
(٤) الكواكب الدراري، ٢/ ٢٠٣.
[ ١٢٦ ]
مثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ أَخْبَرَنَا
أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ» (^١).
ثم قال بعده مباشرة: «وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (^٢).
ومعنى بإسناده: «أن الضمير راجع إلى الحديث أي: حدثنا أبو اليمان بالإسناد المذكور» (^٣).
ومن ذلك بيان معنى عبارة: (مثله أو نحوه) في السند، وأقوال العلماء فيها:
مثال ذلك أخرج البخاري: «عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْهُ وَلْيَبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ وَعَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ» (^٤).
قال الكرماني: «قال أصحاب علوم الحديث: إذا روى الراوي حديثا بسنده ثم أتبعه بإسناد آخر له وقال: في آخر مثله أونحوه، فهل تجوز رواية لفظ
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الماء الدائم، رقم (٢٣٨).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الماء الدائم، رقم (٢٣٨).
(٣) الكواكب الدراري، ٣/ ٩٢.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب: التعبير، باب: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ، رقم (٦٥٦٨).
[ ١٢٧ ]
الحديث الأول بالإسناد الثاني؟ فقال شعبة: لا وقال الثوري نعم. وقال ابن معين: يجوز في مثله ولا يجوز في نحوه» (^١).
ساق هذه الأقوال الخطيب البغدادي في الكفاية (^٢)، واستحسن النووي في شرحه على مسلم قول الخطيب، وأضاف: «أما إذا ذكر الإسناد وطرفًا من المتن، ثم قال: وذكر الحديث، أو قال: واقتص الحديث، أو قال: الحديث أو
ما أشبهه، فأراد السامع أن يروى عنه الحديث بكماله، فطريقه أن يقتصر على
ما ذكره الشيخ ثم يقول: والحديث بطوله كذا ويسوقه إلى آخره فإن أراد أن يرويه مطلقا ولا يفعل ما ذكرناه فهو أولى بالمنع مما سبق في مثله ونحوه، وممن نص على منعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراينى الشافعى، وأجازه أبو بكر الإسماعيلى (^٣)، بشرط: أن يكون السامع والمسمع عارفين ذلك الحديث» (^٤).
* * *
_________________
(١) الكواكب الدراري، ٢٤/ ٩٩.
(٢) ينظر: ص ٢٣٣.
(٣) أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس أبو بكر الإسماعيلى، إمام أهل جرجان والمرجوع إليه فى الفقه والحديث وصاحب التصانيف، سمع إبراهيم بن زهير الحلوانى وحمزة بن محمد بن عيسى الكاتب، وغيرهم، له: المستخرج على الصحيح والمعجم وغيرها، (ت ٣٧١ هـ)، طبقات الشافعية، السبكي، ٣/ ٧، وتذكرة الحفاظ وتبصرة الأيقاظ، يوسف ابن المبرد الحنبلي، ١/ ٢٣.
(٤) شرح النووي على مسلم، ١/ ٣٧.
[ ١٢٨ ]