قال تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء/ ١]
قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى:
ينزه تعالى نفسه المقدسة ويعظمها، لأن له الأفعال العظيمة والمنن الحسيمة التي من جملتها أن أسرى بعبده ورسوله محمد ﷺ مّن المسجد الحرام الذي هو أجل المساجد على الإطلاق إلى المسجد الأقصا الذي هو من المساجد الفاضلة وهو محل الأنبياء.
فأسرى به في ليلة واحدة إلى مسافة بعيدة جدا، ورجع في ليلته، وأراه الله من آياته، ما ازداد به هدى وبصيرة وثباتا وفرقانا.
وهذا من اعتنائه تعالى به ولطفه، حيث يسره لليسرى في جميع أموره، وخوّله نعما فاق بها الأولين والاخرين.
[ ٨٦ ]
وظاهر الاية أن الإسراء كان في أول الليل، وأنه من نفس المسجد الحرام، لكن ثبت في الصحيح، أنه أسري به من بيت أم هانئ، فعلى هذا تكون الفضيلة في المسجد الحرام لسائر الحرم، فكله تتضاعف فيه العبادة كتضاعفها في نفس المسجد، وأن الإسراء بروحه وجسده معا، وإلا لم يكن في ذلك اية كبرى، ومنقبة عظيمة.
وقد تكاثرت الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء، وذكر تفاصيل ما رأى، وأنه أسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به من هناك إلى السموات العلى، ورأى الجنة والنار والأنبياء على مراتبهم، وفرض الله عليه الصلوات خمسين، ثم ما زال يراجع ربه بإشارة موسى الكليم حتى صارت خمسا بالفعل، وخمسين بالأجر والثواب، وحاز من المفاخر تلك الليلة، هو وأمته ما لا يعلم مقداره إلا الله ﷿.. اهـ
غير أن كفار قريش قابلوا هذه المعجزة بالتكذيب، والتشنيع، والسخرية والاستهزاء برسول الله ﷺ مما سبب له الحزن والتألم لتكذيب قريش له، غير أنه ﷺ صبر الصبر الجميل، ولم يهتز أمام هذه القلوب الحاقدة الحاسدة الماكرة وأعلن أمامهم التفاصيل
[ ٨٧ ]
الدقيقة لهذه الرحلة والمعجزة المباركة الميمونة، بل ووصف لهم بيت المقدس وصف الخبير الذي حيرهم وأذهلهم ومع ذلك كابروا وعاندوا وشهّروا به ﷺ.
والإسراء والمعراج نقطة تحول هامة في حياة الرسول ﷺ إذ عرف ﷺ وأتباعه من أعدائه الذين ارتدوا أمام تضخيم قريش المشين لهذه المعجزة.
وأترك زبالات الجاهلية وعفنها، إلى المعجزة النبوية وعظمتها، نتعلم من إشراقاتها، ونستفيد من دروسها وهباتها، ونقف على جوانب العظمة والنبوة التي صبغت بها الشخصية المحمدية، والتي تدين بها الطوائف السلفية، وتضيق منها معاطن الفرق البدعيّة.
عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «أتيت بالبراق- وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه- قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل للرسول ﷺ: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت. قال: جبريل، قيل:
ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه، قال: قد بعث إليه،
[ ٨٨ ]
ففتح لنا فإذا أنا بادم، فرحّب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ قال:
جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحي ابن زكريا صلوات الله عليهما، فرحبا ودعوا لي بخير، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف ﷺ، إذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحّب ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحّب ودعا لي بخير، قال الله ﷿: وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا.
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال:
قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون ﷺ فرحب ودعا لي بخير.
[ ٨٩ ]
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بموسى ﷺ فرحب ودعا لي بخير.
ثم عرج إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ. قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﷺ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كاذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إليّ ما أوحى، ففرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى ﷺ فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم.
قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفّف عن أمتي فحطّ عني خمسا، فرجعت إلى موسى فقلت: حطّ عني خمسا. قال: إن أمتك لا
[ ٩٠ ]
يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﵇، حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة.
ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ﷺ فأخبرته، فقال:
ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.
فقال رسول الله ﷺ فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه» «١»
وعن البخاري قال ﷺ: «يا موسى قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه» .
قال ابن القيم:
فلما أصبح رسول الله ﷺ في قومه أخبرهم بما أراه الله ﷿ من آياته الكبرى، فاشتد تكذبيهم له وأذاهم، واستضرارهم عليه،
_________________
(١) مسلم: كتاب الإيمان: باب: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات، رقم (٤٠٩) (نووي/ ٢/ ٣٨٤) وذكرت رواية مسلم لأنها أتم من رواية البخاري حيث أشارت إلى قصة الإسراء والمعراج أما رواية البخاري فاقتصرت على قصة المعراج.
[ ٩١ ]
وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس، فجلاه الله له حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئا.
وأخبرهم عن عيرهم في مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها، وأخبرهم عن البعير الذي يقدمها.
وكان الأمر كما قال، فلم يزدهم ذلك إلا نفورا، وأبى الظالمون إلا كفورا. اهـ «١»