وقع بين أهل العلم خلاف وتنازع في قوله ﷺ: «ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك» ولذا أقسم النبي ﷺ على ذلك فقال: «والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» .
وقع الخلاف هل هو في الدنيا أو في الاخرة؟
وقد فصل المسألة تفصيلا عجيبا العلامة ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه المستطاب: " الوابل الصيب" وانفصل إلى كلمة سواء بين الفريقين فقال ﵀:
وفصل النزاع في المسألة أن يقال: حيث أخبر النبي ﷺ بأن ذلك الطيب يكون يوم القيامة، فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال وموجباتها من الخير والشر، فيظهر للخلق طيب ذلك الخلوف على المسك، كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله كرائحة المسك، وكما تظهر فيه السرائر، وتبدو على الوجوه، وتصير علانية، ويظهر فيه قبح رائحة الكفار، وسود وجوههم.
وحيث أخبر بأن ذلك حين يخلف وحين يمسون، فلأنه وقت ظهور أثر العبادة، ويكون حينئذ طيبها على ريح المسك عند الله-
[ ١٠٥ ]
تعالى- وعند ملائكته، وإن كانت تلك الرائحة كريهة للعباد، فرب مكروه عند الناس محبوب عند الله تعالى وبالعكس، فإن الناس يكرهونه، لمنافرته طباعهم، والله تعالى يستطيبه ويحبه، لموافقته أمره ورضاه ومحبته فيكون عنده أطيب من ريح المسك عندنا، فإذا كان يوم القيامة، ظهر هذا الطيب للعباد، وصار علانية.
وهكذا سائر الأعمال من الخير والشر، وإنما يكمل ظهورها علانية في الاخرة وقد يقوى العمل ويتزايد، حتى يستلزم ظهور بعض أثره على العبد في الدنيا في الخير والشر، كما هو مشاهد بالبصر والبصيرة.
قال ابن عباس: إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورا في القلب، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنا في البدن، ونقصا في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق.
وقال عثمان بن عفان: ما عمل رجل عملا إلا ألبسه الله تعالى رداءه، إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
[ ١٠٦ ]
وهذا أمر معلوم، يشترك فيه وفي العلم به أصحاب البصائر وغيرهم حتى إن الرجل الطيب البر لتشم منه رائحة طيبة، وإن لم يمس طيبا، فيظهر طيب رائحة روحه على بدنه وثيابه، والفاجر بالعكس، والمزكوم الذي أصابه الهواء لا يشم لا هذا ولا هذا، بل زكامه يحمله على الإنكار.
فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة، والله ﷾ أعلم بالصواب. اهـ