قال تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ «٢»
قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى:
وهذا شامل لأصول الدين وفروعه، ظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول ﷺ يتعين على العباد الأخذ به واتباعه، ولا تحل مخالفته،
_________________
(١) أي: لا تحقرن أن تهدي إلى جارتها شيئا ولو أن تهدي لها ما لا ينتفع به في الغالب وهو" فرسن" حافر شاة.
(٢) (الحشر/ ٧) .
[ ١٢٨ ]
وأن نص الرسول ﷺ على حكم الشيء كنص الله تعالى، لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه. اهـ
ويدخل في ذلك أمر الرسول ﷺ بما يظنه البعض دون قدرتهم، فهم يطيقون أكثر من ذلك فيجب علينا الامتثال لأمره ﷺ، فالثواب على الأعمال من عند الله، ونحن مأمورون بامتثال أوامر رسول الله ﷺ، والمداومة عليها وإن استقلها البعض، ومع تقدم العمر يعلم الإنسان قيمة ما يطاق من الأعمال.
عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون. قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» «١» وفي رواية أخرى: «فوالله لأنا أعلمهم بالله» .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
والمعنى أنه كان ﷺ إذا أمرهم بما يسهل عليهم دون ما يشق خشية أن يعجزوا عن الدوام عليه، وعمل ما هو بنظير ما يأمرهم به من التخفيف، طلبوا منه التكليف بما يشق لاعتقادهم احتياجهم إلى
_________________
(١) البخاري: كتاب الإيمان: باب قول النبي ﷺ" أنا اعلمكم بالله" (٢٠) (فتح/ ١/ ٩٥) .
[ ١٢٩ ]
المبالغة في العمل لرفع الدرجات دونه، فيقولون لسنا كهيئتك فيغضب من جهة أن حصول الدرجات لا يوجب التقصير في العمل بل يوجب الازدياد شكرا للمنعم الوهاب، كما قال في الحديث الاخر: «أفلا أكون عبدا شكورا» «١» وإنما أمرهم بما يسهل عليهم ليداوموا عليه كما قال في الحديث الاخر: «أحب العمل إلى الله أدومه» «٢» . اهـ
وهذه قضية موجودة الان بالفعل، فكم من مسلم يتحمس لطاعة من الطاعات فيبدأ بما يشق عليه وبنشاط منقطع النظير ثم لا يلبث أن يفتر وينقطع بعد ذلك، ويصدق في حقه الحديث القائل «إن المنبّت- المجد في السير- لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» .