الرسول ﷺ يقسم على أمر عظيم:
١- الذنوب والمعاصي شأنها خطير، فهي التي تكردس العبد في نار جهنم، وإذا تمادى العبد في المعصية ربما ختم له بما كان يألفه من المعاصي، ولكن مع ذلك على العبد المسلم أن لا ييأس من رحمة الله، ويعزف عن التوبة والاستغفار بحجة أن الذنوب صارت كثيرة وهي كفيلة بأن تطرده من رحمة الله تعالى.
وهنا يأتي قسمه ﷺ على نسف هذه الأوهام، فيؤكد بحلفه أن المرء مهما قوي إيمانه فلابد له من التقصير في بعض الجوانب، بل وارتكاب بعض المعاصي، ولو لم تكن هذه الحقيقة كائنة لذهب الله بنا، ولجاء بقوم يذنبون، حتى يستغفروا ويبكوا على ما قدمت
[ ١١٧ ]
أيديهم، وما فرطوا بجنب الله، فيتوبون، ويستغفرون ربهم بكرة وعشيا.
فعلى المرء ألاييأس ولا يحزن فيقنط من رحمة الله.
٢- كل ابن ادم خطّاء:
نعم كل ابن ادم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون، فعلى العبد أن يكثر من التوبة، ويجددها صباحا ومساء، ويعتبر بحال من مضى من هؤلاء الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والمعاصي فلما تابوا تاب الله عليه.
إن الله تعالى يقبل التوبة من جميع الذنوب والمعاصي بلا استثناء، فلا تستعظم ذنبا بجوار رحمة الله.
واعلم عبد الله، أن الله يحب التوابين، ويحب المستغفرين، ويحب المتطهرين، فأكثر من التوبة والاستغفار تطهر من الذنوب والمعاصي بإذن العزيز الرحيم الغفار.
٣- ليس في الحديث تحريض على فعل المعصية أو التهوين والتقليل من شأنها ولكن فيه تبشير بالمغفرة وإزالة لشدة الخوف واليأس من النفوس فلقد كان من أصحاب رسول
[ ١١٨ ]
الله ﷺ من يفر إلى الجبال، ويعتزل الحياة ونعيمها من شدة خوفه من عقاب الله وأليم عذابه، فكان هذا الحديث وأمثاله طمأنينة ورجاء لعفو الله ورحمته ومغفرته.
٤- طائفة من الأحاديث في رحمة الله وعفوه ومغفرته: «١»
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لما خلق الله الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» .
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوامّ فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخّر الله تسعا وتسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة» .
عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: قدم على رسول الله ﷺ بسبي فإذا امرأة من السبي، تبتغي، إذا وجدت صبيا في السبي، أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته.
_________________
(١) جميع ما ورد من الأحاديث عند مسلم: كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه رقم (٦٩٠٣) (٦٩٠٨) (٦٩١٢) (٦٩١٣) (٦٩١٤) .
[ ١١٩ ]
فقال لنا رسول الله ﷺ: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قلنا: لا، والله! وهي تقدر على ألاتطرحه، فقال رسول الله ﷺ: «الله أرحم بعباده من هذه بولدها» .
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد» .
وحديث الذي أوصى أولاده إذا مات أن يحرقوه، وأيضا حديث الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، وأيضا الحديث الذي يخبر بفرح الله بتوبة عبده وغير ذلك مشهور على الألسن يتداوله الناس فرحمة الله واسعة.