قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ال عمران/ ١٣٥]
قال الشيخ أحمد فرح عقيلان ﵀:
ومن صفات المتقين: أنهم قد يقعون في الذنوب، أو يظلمون أنفسهم ببعض المعاصي لكن أنفسهم اللوامة وضمائرهم الحية تردهم حالا إلى التوبة النصوح، فيذكرون الله، ويستغفرون ربهم، ويندمون على الذنب ويقلعون عنه، ويتبعون السيئة الحسنة فتمحوها، فتغسل التوبة الحوبة، وتجبّ التوبة ما قبلها، ويبدل الله سيئاتهم حسنات لأنهم لجؤوا إلى رحاب الله الكريم، واثقين أنه ﷻ يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [الشورى/ ٢٦] وما أجمل الاستفهام البليغ في قوله تعالى: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ؟ إنه استفهام يفيد النفي، فما للذنوب من يغفرها، ولو كانت كالجبال إلا الله؟!
[ ١٣٤ ]
ومن كرم الله تعالى، أنه لا يكتفي بمغفرة ذنب التائب المستغفر المخلص في توبته، بل إنه يبدل سيئاته حسنات، ويفرح بتوبة عبده فرحة من أضل راحلته في صحراء وعليها زاده، ثم لما أعياه البحث إذا هي واقفة عند رأسه وعليها كامل زاده.
وبعد أن وعد الله هؤلاء التائبين الجنة، ختم الايات ختاما في غاية البلاغة بقوله: ونعم أجر العاملين" ليظل التائبون مواصلين للعمل الصالح بعد توبتهم، مستمرين في سلوك سبيل الهدى، إذ لا يكفي من التائب أن يتوب، ثم يعيش على الأماني بل لا بد من المضي قدما في طاعة ربه، وشكره على ما أكرمه به من قبول توبته يقول الله جل وعلا:
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى [طه/ ٨٢] . «١» اهـ
وإذا علمنا أن رسول الله ﷺ والذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يتوب ويستغفر عشرات المرات كل يوم وليلة كان ذلك دافعا قويا، وسببا عظيما يدعونا إلى التوبة والاستغفار، والرجوع إلى الله
_________________
(١) (من لطائف التفسير/ ١/ ١٦٨، ١٦٩) أحمد فرح عقيلان، دار اليقين، المنصورة، مصر، ط ١، ١٤١٩ هـ.
[ ١٣٥ ]
الواحد القهار، كيف لا وهذا هو حال رسولنا وحال نبينا محمد صلى الله عليه وعلى اله وسلم.
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» «١»
عن الأغرّ المزني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس! توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة» «٢»
إن المسلم في حياته بأمس الحاجة إلى الاستغفار من الذنوب التي يرتكبها في أعماله وتصرفاته، وما من مسلم إلا وهو معرض لارتكاب الذنوب والمعاصي صغيرة كانت أم كبيرة.
ومن فضل الله على عباده أن جعل لهم طريقا للرجوع عن الذنب، ويسر لهم سبل التوبة والاستغفار من الذنوب جميعا، وليست التوبة والاستغفار قاصران على بعض الذنوب دون بعض، بل إن الله تعالى يقبل التوبة من جميع المعاصي، ويغفر كل الذنوب بشرط صحة التوبة والاستغفار، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على يسر هذه الشريعة الغرّاء، وعظم رحمة ومغفرة الله تعالى.
_________________
(١) البخاري: كتاب الدعوات، باب: استغفار النبي ﷺ في اليوم والليلة رقم (٦٣٠٧) .
(٢) مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب: استحباب الاستغفار والإستكثار منه رقم (٦٧٩٩) .
[ ١٣٦ ]
أسأل الله ﵎ أن يغفر لنا ما قدمنا وما أخرّنا وما أسررنا وما أعلنّا وما هو أعلم به منا، اللهم امين.