الشارح العلامة يوسف أفندي زاده ذكر مذاهب العلماء في هذه المسألة في " بَاب: زِيَارَةِ القُبُور " عند شرحه حديث أَنَس بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: "مَرَّ النَّبِىُّ - ﷺ - بِامْرَأَةٍ تَبْكِى عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: " اتَّقِى اللَّهَ وَاصْبِرِى (^١) ".
قال: ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنه - ﷺ -، لم ينه المرأة المذكورة عن زيارتها قبر ميتها، وإنما أمرها بالصبر والتقوى، لما رأى من جزعها، ولم ينكر عليها الخروج من بيتها وهو أعم من أن يكون خروجها لتشييع ميتها فتأخرت بعد الدفن فقامت عند القبر، أو أنشأت قصد زيارته بالخروج فدل ذلك على جواز زيارة القبور مطلقًا سواء كان الزائر رجلًا أو امرأة، وسواء كان المزور مسلمًا أو كافرًا؛ لعدم الفصل في ذلك (^٢).
ثم ذكر اختلاف الفقهاء في هذه المسألة هل هي مشروعة للنساء أم لا؟ ورجّح القول الثاني في بعض الأوقات وأيّد القول الثالث، كما سيأتي تفصيلها.
القول الأول: إباحة زيارة ذلك، وبه قال أكثر الحنفية والمالكية (^٣) وهو الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
قال الإمام يوسف أفندي زاده: "وقال ابن عبد البر: الإباحة في زيارة القبور إباحة عموم كما كان النهي عن زيارتها نهي عموم، ثم ورد النسخ بالإباحة على العموم فجائز للرجال والنساء زيارة القبور (^٤).
وقال السرخي في "المبسوط" والأصح عندنا أن الرخصة ثابتة في حق الرجال والنساء جميعًا (^٥). وروى في الإباحة أحاديث كثيرة.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الجائز، باب زيارة القبور (٢/ ٧٩) (١٢٨٣).
(٢) كما في (ص:٤٢٢).
(٣) المبسوط (٢٤/ ١٠)، والتمهيد (٣/ ٢٣٠).
(٤) التمهيد (٣/ ٢٣٠).
(٥) المبسوط (٢٤/ ١٠).
[ ١٣٢ ]
منها: حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: "مَرَّ النَّبِىُّ - ﷺ - بِامْرَأَةٍ تَبْكِى عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: " اتَّقِى اللَّهَ وَاصْبِرِى (^١) " قال النووي: موضع الدلالة، أنه - ﷺ -، لم ينه المرأة المذكورة عن زيارتها قبر ميتها، وإنما أمرها بالصبر والتقوى (^٢).
منها: حديث عائشة ﵂ قالت " كيف أقول يا رسول الله - يعني إذا زرت القبور؟ قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون " (^٣)
ومنها حديث عائشة - ﵂ - رواه ابن عبد البر في "التمهيد" من رواية بسطام بن مسلم، عن أبي التياح، عن عبد الله بن أبي مليكة، أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله - ﷺ - نهى عن زيارة القبور؟ قالت: "نعم كان نهى عن زيارتها ثم أمر بزيارتها" (^٤).
ومنها: حديث أبي هريرة - ﵁ -، عند الترمذي: "أن رسول الله - ﷺ - لعن زوارات القبور"، قال: وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي - ﷺ - في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء، وقيل إنما يكره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن (^٥).
القول الثاني: هو التحريم؛ لأحاديث اللعن، وهو مذهب بعض المالكية والشافعية والحنفية (^٦).
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور (٢/ ٧٩) (١٢٨٣).
(٢) المجموع (٥/ ٣١١).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها (٢/ ٦٦٩) (٩٧٤).
(٤) التمهيد (٣/ ٢٣٣)، وأخرجه الحاكم في مستدركه (١/ ٥٣٢) (١٣٩٢)، بإسناد صحيح من طريق: من طريق يزيد بن زريع، عن بسطام بن مسلم، عن أبي التياح، عن ابن أبي مليكة عن عائشة.
(٥) سنن الترمذي، أبواب الجنائز، باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء (٣/ ٣٦٢) (١٠٥٦) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٦) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٠٠) المغني (٢/ ٤٢٤)، المجموع (٥/ ٣٠٩)، البناية شرح الهداية (٣/ ٢٦١)، نيل الأوطار (٤/ ١٣٣)، بلغة السالك (١/ ٥٦٤).
[ ١٣٣ ]
قال الإمام يوسف زاده: " وروى أبو داود عن ابن عباس - ﵄ -، قال: " لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" (^١) وأحتجَّ بهذا الحديث قوم فقالوا: إنما الإباحة في زيارة القبور للرجال دون النساء (^٢).
قال الشيرازي (^٣): ولا يجوز للنساء زيارة القبور لما روى أبو هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: " لعن الله زوّارات القبور (^٤) ".
وقال ابن تيمة: فمن العلماء من اعتقد أن النساء مأذون لهن في الزيارة، وأنه أذن لهن كما أذن للرجال، واعتقد أن قوله - ﷺ -:"فزوروها فإنها تذكركم الآخرة (^٥) " خطاب عام للرجال والنساء. والصحيح أن النساء لم يدخلن في الإذن في زيارة القبور لعدة أوجه:
أحدها: لو كان النساء داخلات في الخطاب، لاستحبَّ لهن زيارة القبور، كما استحب للرجال عند الجمهور، وما علمنا أن أحدًا من الأئمة استحب لهن زيارة القبور ولا كان النساء على عهد النبي - ﷺ -، وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور، كما يخرج الرجال.
الوجه الثاني أن يقال: غاية ما يقال في قوله - ﷺ -: "فزوروا القبور" خطاب عام، ومعلوم أن قوله - ﷺ -: "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان (^٦) ". هو أدل على
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور (٣/ ٢١٨) (٣٢٣٦)، من طريق شعبة، عن محمد بن جحادة، سمعت أبا صالح يحدث، عن ابن عباس. وأخرجه الترمذي في سننه (١/ ٤٢٢) (٣٢٠) بهذا الإسناد، وقال حديث حسن.
(٢) كما في (ص:٤٢٥).
(٣) المجموع (٥/ ٣١١).
(٤) سنن الترمذي، أبواب الجنائز، باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء (٣/ ٣٦٢) (١٠٥٦) من طريق أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٥) سنن الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور (٣/ ٣٦١) (١٠٥٤) من طريق: سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: "حديث بريدة حديث حسن صحيح".
(٦) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها (٢/ ٦٥٣) (٩٤٥).
[ ١٣٤ ]
العموم من صيغة التذكير، ثم قد علم بالأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء، لنهي النبي - ﷺ - لهن عن اتباع الجنائز، سواء كان نهي تحريم أو تنزيه.
الوجه الثالث: فإن قيل: فالنهي عن ذلك منسوخ، كما قال أهل القول الآخر - يعني بالجواز- قيل: هذا ليس بجيد؛ لأن قوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها "، هذا خطاب للرجال دون النساء، فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص بالذكور، وقال: وقوله - ﷺ -: "لعن الله زوارات القبور" خاص بالنساء دون الرجال، ألا تراه يقول: "لعن الله زوّارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"، سواء كانوا رجالًا أو نساء لعنهم الله، وأما الذين يزورون القبور فإنما لعن النساء الزوارات دون الرجال (^١).
القول الثالث: الكراهة من غير تحريم كما هو منصوص عند الإمام أحمد ﵀ في إحدى الروايات عنه، وإليه ذهب أكثر الشافعية وبعض الحنفية (^٢).
قال ابن قدامة في "المغني": اختلفت الرواية عن أحمد في زيارة النساء القبور، فروي عنه كراهتها؛ لما روت أم عطية، قالت: "نُهِينَا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا" (^٣) رواه مسلم. ولأن النبي - ﷺ - قال: "لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ" (^٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (^٥).
وهذا خاص في النساء، والنهي المنسوخ كان عامًا للرجال والنساء، ويحتمل أنه كان خاصًا للرجال. ويحتمل أيضًا كون الخبر في لعن زوارات القبور، بعد أمر الرجال بزيارتها، فقد دار بين الحظر والإباحة، فأقل أحواله الكراهة.
وقال الإمام يوسف زاده: وفرق قوم بين قواعد النساء وبين شبابهن، وبين أن ينفردن بالزيارة، أو يخالطن الرجال (^٦).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٠٠).
(٢) المغني (٢/ ٤٢٤)، المجموع (٥/ ٣٠٩)، البناية شرح الهداية (٣/ ٢٦١)، نيل الأوطار (٤/ ١٣٣)، بلغة السالك (١/ ٥٦٤).
(٣) لم أجد هذا الحديث بهذا اللفظ عند مسلم، ذكره ابن قدامة في "المغني" وعزاه لمسلم.
(٤) سنن الترمذي، أبواب الجنائز، باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء (٣/ ٣٦٢) (١٠٥٦).
(٥) المغني (٢/ ٤٢٥).
(٦) كما في (ص:٤٢٥).
[ ١٣٥ ]
فقال القرطبي: أما الشواب فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد فمباح لهن ذلك، قال: وجائز ذلك لجميعهن إذا انفردن بالخروج عن الرجال قال: ولا يختلف في ذلك إن شاء الله تعالى.
وقال القرطبي أيضًا حمل بعضهم حديث الترمذي في المنع على من يكثر الزيارة؛ لأن زوارات للمبالغة ويمكن أن يكون أن النساء إنما يمنعن من إكثار الزيارة لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج والتبرج والشهرة والشبه بمن يلازم القبور لتعظيمها ولما يخاف عليها من الصراخ والنوح والبكاء على ما جرت به عادتهن وعلى هذا يفرق بين الزائرات والزوارات (^١).
رأي الإمام يوسف زاده في المسألة:
قال: والحاصل أن زيارة القبور مكروهة للنساء بل حرام في هذا الزمان، ولا سيما نساء مصر لما في خروجهن من الفساد والفتنة كذا قال العيني (^٢).
وأقول وأفسد منهن نساء بلدتنا القسطنطينية نعوذ بالله من مكرهن وكيدهن، فإن كيدهن عظيم (^٣).
القول الراجح:
قال النووي: "وقال صاحب المستظهري (^٤): وعندي إن كانت زيارتهن لتجديد الحزن والتعديد والبكاء والنوح على ما جرت به عادتهن حرم، قال: وعليه يحمل الحديث: " لعن الله زوّارات القبور " وإن كانت زيارتهن للاعتبار من غير تعديد ولا نياحة كره إلا أن تكون عجوزًا لا تشثهى فلا يكره كحضور الجماعة في المساجد، وهذا الذي قاله حسن ومع هذا فالاحتياط للعجوز ترك الزيارة لظاهر الحديث (^٥).
_________________
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢/ ٦٣٣).
(٢) عمدة القاري (٨/ ٧٠)
(٣) كما في (ص:٤٢٧).
(٤) هو: أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي الأصل الفارقي المولد، المعروف بالمستظهري، الملقب فخر الإسلام الفقيه الشافعي (ت: ٥٠٧)، وفيات الأعيان (٤/ ٢١٩) (٥٨٩).
(٥) المجموع (٥/ ٣١١).
[ ١٣٦ ]
تنبيهات (^١):
١ - إذا عُلم من حال النساء أنهن إذا ذهبن إلى القبور يصحن ويندُبن وينُحْن ويعددن على الأموات، ويفعلن البدع والمحرمات، فتحرم حينئذ زيارتهن للقبور.
٢ - إذا عُلم من أحوالهن أنهن يذهبن إلى قبور من يطلقون عليهم الصالحين أو الأولياء، يلتمسن عندهم تفريج الكربات وقضاء الحاجات وكشف الغمات، فهذا شرك وتحرم حينئذ الزيارة بلا شك.
٣ - إذا خصص النساء يومًا لزيارة القبور فيه، كما يحدث في أيام الجُمَع والأعياد ونحو ذلك فهذا من البدع.
٤ - لا يجوز خروج النساء إلى المقابر وغيرها متبرجات متزينات متعطرات كما لا يخفى.
_________________
(١) صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة، أبو مالك كمال بن السيد سالم، المكتبة التوفيقية، القاهرة - مصر، عام النشر: ٢٠٠٣ م، (١/ ٦٦٩).
[ ١٣٧ ]