عاش الإمام يوسف أفندي زادة بين عام (١٠٨٥ هـ- ١٦٧٤ م) وعام (١١٦٧ هـ - ١٧٥٣ م).
وقد تخلل هذه الفترة ما يسمى عصر التوقف وقد أمتد من (١٠٩٤ هـ ١٦٨٣ م- ١١٨١ هـ ١٧٦٨ م) وفي هذه الفترة اقتربت نهاية الدولة العثمانية، وقد تعاقب في هذه الفترة الزمنية ستة من السلاطين العثمانيين، وقد كانت الحالة السياسية العامة في هذه الفترة حالة مد وجزر، وحرب ومعاهدات، وكان الاعتماد في تلك الفترة على قوة الصدر الأعظم (^١) الذي كان يلعب الدور الأساسي في الدولة (^٢).
والواقع أن كل شيء كان يؤذن باضمحلال الدولة، فالسلاطين الذين يتوقع لهم التوفيق كانوا يموتون سريعًا، وفضلًا عن ذلك، فقد تولى العرش في تلك الفترة سلاطين في سن الطفولة، فأحمد الأول وعثمان الثاني كانا في الرابعة عشرة من عمرهما، ومراد الرابع كان في الثانية عشرة، ومحمد الرابع كان ابن سبع سنين (^٣).
وأول هؤلاء السلاطين: السلطان الغازي محمد خان الرابع، وقد اعتلى عرش السلطنة وعمره آنذاك سبع سنوات، وفترة جلوسه على عرش الدولة العثمانية كانت ما بين عامي (١٦٤٨ م-
_________________
(١) الصدر الأعظم: هو بمعنى الوزير الأكبر، وهو صاحب الصلاحية المطلقة في إدارة شؤون الدولة.
(٢) مقدمة السويدان لكتاب تاريخ الدولة العثمانية لشكيب أرسلان (ص: ١٠)، دار ابن كثير-دمشق، الطبعة الأولى (١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م).
(٣) الدولة العثمانية في التاريخ الإسلامي الحديث، الدكتور إسماعيل أحمد ياغي، مكتبة العبيكان، الطبعة: الثانية، ١٩٩٨ م. (ص ١٤٠٩).
[ ٤٥ ]
١٦٨٧ م)، ظل محمد الرابع على سدة الحكم تسعة وثلاثين عامًا (^١)، أي من قبل ولادة الشارح - ﵀ - إلى ان بلغ الثامنة عشرة، فهي فترة نشأة الشارح.
وتولى المسؤولية وهو ابن سبع سنوات ورأت أوروبا أن الوقت حان للنيل من الدولة العثمانية؛ لذلك كونت أوروبا حلفًا ضم كلًا من: النمسا، وبولونيا، والبندقية، ورهبان مالطة، والبابا، وروسيا وسموه (الحلف المقدس) وذلك للوقوف في وجه المد الاسلامي الذي أصبح قريبًا من كل بيت في أوروبا الشرقية بسبب جهاد العثمانيين الأبطال وبدأ الهجوم الصليبي على ديار الدولة العثمانية.
وقيض الله لهذه الفترة (آل كوبريلل) الذين ساهموا في رد هجمات الأعداء وتقوية الدولة، فالصدر الأعظم محمد كوبريللي المتوفي عام (١٠٧٢ هـ) فأعاد للدولة هيبتها، وسار على نهجه ابنه (احمد كوبريللي) الذي رفض الصلح مع النمسا والبندقية وسار على رأس جيش لقتال النمسا، وتمكن عام (١٠٧٤ هـ) أن يفتح أعظم قلعة في النمسا وهي قلعة نوهزل شرقي فينا في (٢٥ صفر ١٠٧٤ هـ/٢٨ سبتمبر ١٦٦٣ م).
وفي عهد هذا الصدر الأعظم حاولت فرنسا التقرب من الدولة العثمانية، وتجديد الامتيازات، غير أن الصدر الأعظم رفض ذلك، ثم حاولت فرنسا التهديد حيث أرسل "لويس الرابع عشر" ملك فرنسا السفير الفرنسي مع أسطول حربي، وهذا ما زاد الصدر الأعظم إلا ثباتًا، وقال: (إن الامتيازات كانت منحة، وليست معاهدة واجبة التنفيذ) (^٢).
وبوفاة الصدر الأعظم "أحمد كوبريللي" آلت الصدارة إلى وزير آخر ولم يكن كفؤًا للسير في الطريق الذي رسمه كوبرلي الكبير وولده؛ بل اتبع مصلحته الذاتية، وباع المناصب العالية والمعاهدات
_________________
(١) تاريخ الدولة العلية العثمانية، محمد فريد (بك) ابن أحمد فريد (باشا)، المحامي المتوفى: ١٣٣٨ هـ)، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٠١ - ١٩٨١. (ص: ٢٩٠). والخلافة العثمانية من المهد إلى اللحد، جمع وتنسيق محمد خير فلاحة (ص: ٦١).
(٢) الدولة العُثمانية - عَوَامل النهُوض وأسباب السُّقوط، عَلي محمد محمد الصَّلَاّبي، دار التوزيع والنشر الإسلامية، مصر، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م (ص: ٣٠٨). الدولة العثمانية، أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ، د. جمال عبد الهادي، د. وفاء محمد رفعت جمعة، علي أحمد لبن، دار الوفاء، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ/١٩٩٤ م. (ص: ٧٣)
[ ٤٦ ]
والامتيازات المجحفة بالدولة حالا واستقبالا بدراهم معدودة (^١)، وقتل بأمر من السلطان على إثر الهزيمة التي حلت بالجيش العثماني في فينا (١٠٩٤ هـ -١٦٨٣ م)، وفقد فيها الجيش عشرة آلاف مقاتل (^٢).
ثم لم تجد الأمة سبيلا لإصلاح حال الدولة سوى بعزل السلطان، وتم ذلك في (١٠٩٩ هـ- ١٦٨٧ م)، وتمت مبايعة أخيه السلطان سليمان الثاني (^٣).
ثم لما تولى السلطان سليمان الثاني أمور السلطنة عام (١٠٩٩ هـ)، استمر سقوط بلدان من الدولة واستمرت الهزائم، وشاعت الفوضى والاضطرابات الداخلية فانتهز الأعداء هذه الاختلالات المستمرة في فتح الحصون العثمانية، فعهد السلطان بالصدارة إلى مصطفى باشا الكوبرلي، وهو ابن الكوبرلي الكبير _محمد باشا- فأصلح الأحوال الداخلية، وجهز الجيش، وسرعان ما تمكن من القضاء على مظاهر الضعف والسوء في البلاد، وقام بالعديد من الإصلاحات المالية والإدارية، وشارك بنفسه في جبهة القتال (^٤).
ولم تطل أيام السلطان فتوفي عام (١١٠٢ هـ) بعد أن حكم ثلاث سنوات، وتولى الحكم بعده أخوه السلطان أحمد الثاني (^٥).
السلطان أحمد الثاني، تولى الحكم عام (١١٠٢ هـ) بعد وفاة أخيه السلطان سليمان الثاني، غير أنه وجد نفسه في حرب مع النمسا. فأرسل لمقاومتها جيشًا عظيمًا، تحت إمرة الصدر الأعظم، مصطفى فاضل باشا. وقد كان النصر في البداية في جانب العثمانيين، غير أن استعجال الصدر
_________________
(١) تاريخ الدولة العلية العثمانية للمحامي (ص: ٣٠٠).
(٢) تاريخ الدولة العثمانية لشكيب أرسلان (ص: ٢٣٢)
(٣) تاريخ الدولة العلية العثمانية للمحامي (ص: ٣٠٤). والدولة العثمانية، د. جمال عبد الهادي، (ص: ٧٤). والدولة العُثمانية للصلابي (٣٠٨).
(٤) تاريخ الدولة العلية العثمانية للمحامي (ص: ٣٠٥ - ٣٠٦)، والدولة العُثمانية للصلابي (٣٠٩). تاريخ الدولة العثمانية العلية، إبراهيم بك حليم، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ -١٩٨٨ م (ص: ١٤٩).
(٥) تاريخ الدولة العلية العثمانية للمحامي (ص: ٣٠٧).
[ ٤٧ ]
الأعظم للنصر، وإنهاء القتال بسرعة، أدى إلى مقتله، مما أدى إلى حصول البلبلة في صفوف الجيش وبالتالي حدوث الهزيمة، فقد فيها الجيش العثماني ثمانية وعشرين ألف مقاتل (^١). ولم تطل أيام السلطان وتوفي عام (١١٠٦ هـ).
وتولى الحكم بعده ابن أخيه السلطان الغازي مصطفى الثاني بن محمد الرابع سنة (١١٠٧ هـ) (^٢)، وكان يحمى العلماء ورجال العلم، ويأنس بمجالسهم. وكانت بداية عهده بداية خير وانتصارات، وفي سنة (١١٠٧ هـ) ذهب بنفسه مع الجيش وهاجم عساكر ألمانيا وأوستريا وانتصر عليهم، وعاد السلطان إلى الآستنانة منصورًا مؤيدًا وفرحت الأمة بنصر الله، (^٣).
وفي عهده تم توقيع معاهدة كار لوفتس جنوب غرب زغرب على نهر الدانوب عام (١١١٠ هـ/١٦٩٩ م)، مع روسيا وطبقًا لشروط هذه المعاهدة انسحب العثمانيون من بلاد المجر، وإقليم ترانسلفانيا، وهذا مؤشر سيء في تاريخ بعض حكام الدولة العثمانية، وهو انسحابهم في المعارك تاركين المسلمين بين يدي عدو نزعت من قلبه الشفقة والرحمة (^٤).
تم عزل السلطان مصطفى الثاني سنة (١١١٥ هـ) بعد أن حكم ثمان سنوات وثمانية شهور وبقي معزولًا إلى أن مات من السنة المذكورة، وكان سبب عزله أن طلب منه الإنكشارية (^٥)، عزل
_________________
(١) تاريخ الدولة العثمانية العلية، لإبراهيم بك (١٥١)، تاريخ الدولة العلية العثمانية للمحامي (ص: ٣٠٧).
(٢) تاريخ الدولة العلية العثمانية للمحامي (ص: ٣٠٧).
(٣) تاريخ الدولة العلية العثمانية للمحامي (ص: ٣٠٨).
(٤) الدولة العُثمانية للصلابي (ص ٣١٠). والدولة العثمانية، د. جمال، (ص: ٧٦).
(٥) كلمة تركية تعني: العساكر الجديدة، وأصل نشأتهم ان السلطان مراد الأول، أراد إحداث فرقة من الجيش لحراسته وخدمته، ثم علا شأنهم حتى أصبحوا أعظم عساكر الدولة العثمانية. انظر: التحفة السنية في تاريخ القسطنطينية، سليمان بن خليل القمرانني، دار صادر-بيروت، الطبعة: الثانية، ١٩٩٥ م، (١/ ١٠ - ١١).
[ ٤٨ ]
الوزير (رامي محمد باشا) فأمتنع وأرسل إليهم فرقة من الجنود لقمعهم فانضمت إليهم وعزلوا السلطان مصطفى، وأقاموا مكانه بعد عزله أخاه (^١).
ثم تولى السلطنة السلطان أحمد الثالث عام (١١١٥ هـ) وفي زمنه كثر تغيير الصدور العظام، وكانت هذه الفترة بداية دور الانحدار والانكماش للدولة العثمانية؛ فإن الدولة شهدت الهزائم المتلاحقة والمعاهدات التي فقدت الدولة بموجبها كثيرا من البلاد (^٢).
وشهدت هذه الفترة حروبًا بين الدولة العثمانية وبين روسيا، وانتهت أخيرًا بهدنة لمدة خمس وعشرين سنة، ونشبت حرب بين الدولة العثمانية والنمسا، وانتهت بهزيمة الجيش العثماني، بمعاهدة أخلى بموجبها العثمانيون بلغراد (^٣).
كما زحفت فارس صوب تركيا، واستردت الولايات التي كانت تحت الولاية العثمانية، فلم يشأ السلطان أن يثير حربًا معهم، فثار الأنكشارية على السطان وعزلوه (^٤).
ثم تولى السلطان محمود الأول سنة (١١٤٣ هـ) وكان عاقلًا دقيقًا حذرًا وقورًا ذا ثقافة عالية، اتعظ بعاقبة أبيه وعمه، وبدل رؤساء الوزراء بصورة مستمرة، ولم يبق أي صدر أعظم مدة طويلة في السلطة، وعين في مقام المشيخة ابني شيخ الإسلام فيض الله أفندي (^٥).
_________________
(١) تاريخ الدولة العلية العثمانية للمحامي (ص: ٣٠٨). والدولة العُثمانية للصلابي (ص ٣١٠).
(٢) تاريخ الدولة العلية العثمانية للمحامي (ص: ٣١٢).
(٣) تاريخ الدولة العثمانية، لشكيب أرسلان (ص: ٢٤٣).
(٤) تاريخ الدولة العثمانية، لشكيب أرسلان (ص: ٢٤٣). والدولة العُثمانية للصلابي (ص: ٣١٠ - ٣١٥).
(٥) تاريخ الدولة العثمانية، يلماز أوزتونا، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مؤسسة فيصل للتمويل، تركيا -استانبول، ١٩٩٠ م (١/ ٦٠٨).
[ ٤٩ ]
وبعد أن هدأت الأحوال بسبب اضطرابات الإنكشارية قرر السلطان محمود استقدام مستشار أوربي فرنسي للشؤون العسكرية، وقد تعهد بإحياء فرقة المدفعية، وإدخال أنظمة جديدة للخدمة العسكرية على أسس أوربية، بهدف جعل الخدمة العسكرية من جديد مهنة حقيقية (^١).
وفي سنة (١١٤٤ هـ) أعلن السلطان الحرب على شاه العجم؛ لاستيلاء الشاه على بعض الجهات بغير إعلان الحرب، فأرسل علي باشا بن الحكيم فاقتتل مع عساكر إيران بقيادة (نادر قولى خان)، فقتل من الإيرانيين نحو ثلاثين ألفًا، وانهزم عسكرهم شر هزيمة، واسترد علي باشا الجهات التي استولى عليها الإيرانيون أخيرًا، فأرسل نادر شاه سفراء لطلب الصلح، فتم الصلح بتعديل الحدود، واسترداد بعض جهات أخرى (^٢).
وتوفي السلطان سنة (١١٦٨ هـ)، وكان حليمًا رؤوفا محبوبًا، فأسف جميع الناس عليه (^٣).