كانت عقيدة الشارح - ﵀ - هو عقيدة أهل السنة والجماعة، وما ذكر أحد ممن ترجم له أنه قد تُكُلِّم فيه بما يقدح في عقيدته وسيرته، وأساتذته الذين ذكرت المصادر أنه روى عنهم وأخذ منهم جميعهم من أهل السنة الكرام والأئمة الأعلام.
ونجد في بعض آرائه في شرح بعض المسائل، أنه كان مُنافحًا ومدافعًا عمَّا ذهب إليه أهل السنة والجماعة - رضوان الله عليهم - في بعض مسائل الاعتقاد، كرده على المعتزلة (^٣) نفيهم عذاب القبر؛ لأنهم لا يثبتون عذاب القبر، قال الشارح في "بَاب الْمَيِّت يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ": "وفي هذه الأحاديث إثبات عذاب القبر وهو مذهب أهل السنة والجماعة. وأنكر ذلك ضرار بن عمرو وبشر
_________________
(١) التحرير الوجيز، فيما يبتغيه المستجيز، محمد زاهد بن الحسن الكوثري، سنة ١٣٦٠ هـ، مطبعة الأنوار (ص: ٢٠).
(٢) إمتاَعُ الفُضَلاء (٢/ ٢١٠).
(٣) المعتزلة، ويسمون أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية، والعدلية، وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركًا، وقالوا: لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله تعالى، احترازا من وصمة اللقب، ينظر: الملل والنحل (١/ ٤٣).
[ ٦٤ ]
المريسي وأكثر المتأخرين من المعتزلة. . . . .، ولنا معاشر أهل السنة آيات منها: قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر: ٤٦]. . . . ".
وكرده على الروافض (^١) في تخليد أصحاب الكبائر في النار، قال الشارح في باب: وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ: ". . . بخلاف مذهب الرافضة والإباضية (^٢)، وأكثر الخوارج فأنَّهم يقولون: أنَّ أصحاب الكبائر يخلَّدون في النار بذنوبهم، والقرآن ناطق بتكذيبهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وحديث الباب أيضًا يكذّبهم".
وكرده على الخوارج (^٣) والجهمية (^٤) في مسألة الدجال، فقال: "وفي حديث الباب وغيره حجة لمذهب أهل الحق من صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله تعالى به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الميت الذي يقتله. . . وأبطل أمره الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة".
_________________
(١) الرافضة: هي إحدى الفرق المنتسبة للتشيّع، الذين يدعون النصّ على استخلاف علي بن أبي طالب - ﵁ -، ويتبرئون من الخلفاء قبله وعامة الصحابة. ينظر: مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعريّ،) ١/ ١٦).
(٢) الإباضية: فرقة من الخوارج، منسوبة إلى عبد الله بن يحيى بن أباض المريّ، شاع أمرها في أواخر الدولة الأموية، ولا يزال لهم وجود إلى حاضرنا هذا. ينظر: المعارف، لأبي محمد عبد الله بن مسلم (ت:٢٧٦ هـ)، ص ٦٢٢، تحقيق: الدكتور ثروت عكاشة، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة. وينظر: الإيمان الأوسط، شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ)، ص ٢٧، تحقيق: أبو يحيى محمود، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، السنة: ١٤٢٢ هـ.
(٣) كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين؛ أو كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأئمة في كل زمان، ينظر: الملل والنحل (١/ ١١٤).
(٤) الجهمية: فرقة من الفرق الإسلامية، ظهرت في أواخر دولة بني أمية، وهم أتباع جهم بن صفوان، الذى أنكر الاستطاعات كلها، وقال بأنّ الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وإن الكفر هو الجهل به فقط، وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز، وغير ذلك من الآراء. ينظر: الفرق بين الفرق، عبد القاهر البغدادي، (١/ ١٩٩).
[ ٦٥ ]
أما مذهبه الفقهي فقد نصت كتب التراجم والمصادر بالاتفاق على أنه كان حنفي المذهب (^١)، فهذا واضح في عباراته في المسائل الفقهية بقوله: وقال إمامنا الأعظم أبو حنيفة، قوله: وأمّا عندنا معاشر الحنيفة. . . . . ومع ذلك فلم يكن متعصبًا للمذهب الحنفي، بل كان يأخذ بأقوال عامة الفقهاء من المذاهب الأخرى، وينقل عنهم إذا صحت لديه.
يذكر المناقشات بين ابن حجر والعيني، وأنه يرجح ما يراه راجحًا، وكثيرًا ما يخالف العيني. كما قال: (بابٌ) كذا وقع في رواية الأكثرين بلا ترجمة، وقد سقط لفظ: " باب " أيضًا في رواية الأصيلي، وعلى رواية شرح ابن بطّال ومن تبعه، وقال الحافظ العسقلاني: والرّاجح إثباته؛ لأنَّ الأحاديث المذكورة فيه لا دلالة فيها على فضل" اللهم ربنا لك الحمد " إلا بتكلف. . . .، وتعقَّبه العيني بأنّه: لا تكلّف في دلالة الأحاديث المذكورة بعد لفظة " باب" على فضل اللهم ربنا لك الحمد، هذا، وأنت خبير بأنَّ هذا التعقب ليس على الحافظ العسقلاني، بل هو له، كما لا يخفى على من تامَّل (^٢).