قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ::
١٢٤١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ وَيُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - زَوْجَ النَّبي - ﷺ - أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ؛ فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ، حَتَّى نَزَلَ؛ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ - ﵂ -؛ فَتَيَمَّمَ النَّبي - ﷺ - وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ-؛ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ؛ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى؛ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ؛ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ؛ فَقَدْ مُتَّهَا.
قَالَ الشَّارِحُ - ﵀ -:
(بابُ) جواز (الدُّخُولِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ إِذَا أُدْرِجَ) أي: إذا لُفَّ (فِي أكفانه) بالجمع، وفي رواية: في كفَنِه، بالإفراد (^١).
قال ابن رشيد: موقع هذه الترجمة من الفقه: أن الموت لما كان سبب تغير محاسن الحيِّ التي عهد عليها؛ فإنه يكون كريهًا في المنظر؛ فلذلك أُمِرَ بتغميضه وتسجيته، كان ذلك مظنة المنع من كشفه، حتَّى قال النخعي: ينبغي أن لا يطَّلِعَ عليه إلا الغاسل ومن يليه، فترجمة المؤلف: إشارة إلى جواز ذلك، ولما كان حاله بعد التسجية مثل حاله بعد التكفين؛ وقع التطابق بين الترجمة والحديث من هذه الحيثية، كما ستطلع عليه (^٢).
_________________
(١) إرشاد الساري (٢/ ٣٧٦).
(٢) فتح الباري (٣/ ١١٤).
[ ٢٠٥ ]
وقال الزين ابن المنير ما محصله: إنَّ أبا بكرٍ - ﵁ - كان عالِمًا بأنَّه - ﷺ - لا يزال مصونًا عن كل أذى؛ فساغ له الدخول من غير تنصيب عن الحال، وليس ذلك لغيره (^١).
(حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (^٢» بكسر الموحدة، وسكون المعجمة: أبو محمد السجستاني المروزي، مات سنة أربع وعشرين ومائتين.
(قال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو: ابن المبارك (^٣) (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَعْمَرٌ) هو: ابن راشد (وَيُونُسُ) هو: ابن يزيد (^٤) كلاهما (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) ابن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - (^٥) (أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - زَوْجَ النَّبي - ﷺ -)، وسقط في رواية قوله: زوج النَّبي - ﷺ - (^٦) (أَخْبَرَتْهُ: قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ) بضم المهملة، وسكون النون، بعدها حاء مهملة، ويُرْوَي بضم النون أيضًا، منازل بني الحارث بن الخزرج بالعوالي، بينها وبين منزل رسول الله - ﷺ - ميل، وكان أبو بكر - ﵁ - متزوجًا فيهم (^٧) (حَتَّى نَزَلَ) عن فرسه (فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ (النبوي (فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ، حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ - ﵂ - فَتَيَمَّمَ) أي: قصد الصدِّيق - ﵁ - (النَّبي - ﷺ -، وَهُوَ مُسَجًّى) جملة
_________________
(١) فتح الباري (٣/ ١١٥).
(٢) هو: بشر بن محمد السختياني، أبو محمد المروزي. تهذيب الكمال (٤/ ١٤٥)، (٧٠٥).
(٣) هو: عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، التميمي، مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، أحد الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام. تهذيب الكمال (١٦/ ٦)، (٣٥٢٠).
(٤) هو: يونس بن يزيد بن أبي النجاد، ويقال: يونس ابن يزيد بن مشكان بن أبي النجاد الأيلي، تهذيب الكمال (٣٢/ ٥٥١)، (٧١٨٨).
(٥) هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل. تهذيب الكمال (٣٣/ ٣٧٠)، (٧٤٠٩).
(٦) إرشاد الساري (٢/ ٣٧٦).
(٧) عمدة القاري (١٦/ ١٨٥).
[ ٢٠٦ ]
اسمية وقعت حالًا، وهو اسم مفعول من سجَّيْتُ الميتَ تسجية: إذا مددت عليه ثوبًا، ومعناه هنا مغطًّى (^١).
[٨٧ أ/س]
(بِبُرْدِ حِبَرَةٍ) يُروى بالوصف وبالإضافة، والبرد - بضم الموحدة وسكون الراء-: نوع من الثياب /معروف، والجمع: أبراد، وبرود، والبردة: الشملة المخططة؛ وحِبَرة على وزن عنبة: ثوب يماني يكون من قطن، أو كتان مخطط غالي الثمن (^٢)، وقال الداودي: هو ثوب أخضر (^٣).
(فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ) الشريف - ﷺ - (ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ) هذا اللفظ من النوادر حيث هو لازم، وثلاثيُّه كَبَّ متعد، عكس ما هو المشهور في القواعد التصريفية (^٤) (فَقَبَّلَهُ) بين عينيه.
وقد ترجم عليه النسائي، وأورده صريحًا، حيث قال: تقبيل الميت، وأين يقبل منه؟ في حديثه: "إن أبا بكر - ﵁ - قبَّل بين عيني النَّبيِّ - ﷺ -، وهو ميت" (^٥).
(وبَكَى (^٦» اقتداء به - ﷺ - "حيث دخل على عثمان بن مظعون - ﵁ -، وهو ميت؛ فأكب عليه، وقبله، ثم بكى حتى سالت دموعه على وجنتيه" (^٧)، رواه الترمذي.
[٣٨ ب/ص]
وفي التمهيد: " لما توفي عثمان - ﵁ - /كشف النَّبي - ﷺ - الثوب عن وجهه، وبكى بكاءً طويلًا، وقبل بين عينيه؛ فلما رُفِع على السرير قال: "طوبى لك يا عثمان، لم تلبسك الدنيا، ولم تلبسها" (^٨).
_________________
(١) الصحاح تاج اللغة: مادة [سجى] (٦/ ٢٣٧٢).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر [برد] (١/ ١١٦).
(٣) عمدة القاري (٨/ ٢٤).
(٤) عمدة القاري (٨/ ١٤).
(٥) سنن النسائي الكبرى: كتاب الجنائز، تقبيل الميت وأين يقبل منه (٢/ ٣٨٦) (١٩٧٨) من طريق: يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، إسناده صحيح على شرط البخاري.
(٦) [ثم بكى] في صحيح البخاري.
(٧) سنن الترمذي: كتاب الجنائز، باب ما جاء في تقبيل الميت (٣/ ٣١٤) (٩٨٩) من طريق عاصم بن عبيد الله، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٨) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، ١٣٨٧، المغرب، (٢١/ ٢٢٤) وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٥١٥) (١٣٣٤) وقال: هذا حديث متداول بين الأئمة إلا أن الشيخين لم يحتجا بعاصم بن عبيد الله، وشاهده الصحيح المعروف حديث عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وعائشة، «أن أبا بكر الصديق قبل النبي - ﷺ - وهو ميت»، ووافقه الذهبي.
[ ٢٠٧ ]
(فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ) أي: مَفْدِيٌّ بأبي، مبتدأ وخبر، وقيل: تقديره فديتك بأبي، وفيه نظر (يَا نَبيَّ اللَّهِ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ) برفع يجمع (عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ) قال الداودي: لم يجمع الله عليك شدة بعد هذا الموت؛ لأنَّ الله قد عصمك من أهوال القيامة؛ كما قال - ﷺ - لفاطمة - ﵂ - لما قالت: واكرباه: "لا كرب على أبيك بعد اليوم" (^١)، قال: وقيل: لا يموت موتة آخرى في قبره كما يحيى غيره في القبر؛ فيسأل، ثم يقبض (^٢).
قال المولى علي القاري: الصحيح أنه لا يموت أحد في قبره ثانيًا، وإنما يحصل للموتى عند النفخة الأولى غشيان كالأولى، وأول من يفيق من تلك الحالة هو - ﷺ -.
وقال ابن التين: (^٣) أراد بذلك موته، وموت شريعته، يدل عليه قوله: "من كان يعبد محمدًا"؛ وقيل: إنما قال ذلك ردًّا على من قال: إن رسول الله - ﷺ - لم يمت، وسيبعث، ويقطع أيدي رجال وأرجلهم (^٤)؛ لأنه لو صح ذلك للزم أن يموت موتة آخرى؛ فأخبر - ﵁ - أنه - ﷺ - أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين، كما جمعهما على غيره، كالذي مر على قرية (^٥).
وقيل: إنه معارض لقوله -تعالى-: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النَّبي - ﷺ - ووفاته (٦/ ١٥)، (٤٤٦٢).
(٢) فتح الباري (٣/ ١١٤)، وعمدة القاري (٨/ ١٤).
(٣) ابن التين: هو عبد الواحد بن التين، أبو محمد، الصفاقسي، المغربي، المالكي. الشهير بابن التين، فقيه محدث مفسر. له اعتناء زائد في الفقه ممزوج بكثير من كلام المدونة وشراحها اعتمده الحافظ ابن حجر في شرح البخاري وكذلك ابن رشد وغيرهما، من تصانيفه: " المخبر الفصيح في شرح البخاري الصحيح ".
(٤) عمدة القاري (٨/ ١٤).
(٥) إرشاد الساري (٢/ ٣٧٦).
[ ٢٠٨ ]
أجيب: بأن الأولى: الخلقة من التراب، ومن نطفة؛ لأنهما موات، والثانية: التي تموت الخلق، وإحدى الحياتين في الدنيا والآخرى بعد الموت في الآخرة (^١).
وعن الضحاك: أن الأولى: الموت في الدنيا، والثانية: الموت في القبر بعد الفتنة والمسألة (^٢)، وقيل: إنه لا يجوز أن يقال: النطفة والتراب ميت، وإنما الميت من تقدمت له حياة، ورد بقوله -تعالى-: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس: ٣٣]، ولم يتقدم لها حياة قط، وإنما خلقها الله جمادًا ومواتًا، وهذا من سعة كلام العرب (^٣).
[٨٧ أ/ص]
(أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ) بصيغة المجهول، وفي رواية "كتب الله عليك" (^٤) أي: قدر عليك (فَقَدْ مُتَّهَا) بضم (^٥) الميم وكسرها، من مات يموت، ومات يمات (^٦)، /والضمير فيه يرجع إلى الموتة.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ - ﵀ -:
١٢٤٢ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - ﵁- خَرَجَ، وَعُمَرُ -﵁- يُكَلِّمُ النَّاسَ؛ فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى؛ فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ﵁، فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ؛ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا - ﷺ -؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا
يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ إِلَى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾؛ وَاللهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا
_________________
(١) التوضيح (٩/ ٤٠٩).
(٢) عمدة القاري (٨/ ١٤).
(٣) عمدة القاري: (٨/ ١٤).
(٤) إرشاد الساري (٢/ ٣٧٦).
(٥) [وضم] في ب.
(٦) القاموس المحيط، محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، مؤسسة الرسالة، سنة النشر، بيروت (٢٠٦).
[ ٢٠٩ ]
يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ -﵁-؛ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا.
قَالَ الشَّارِحُ - ﵀ -:
(قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) أي: ابن عبد الرحمن (وأخبرني (^١) ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - خَرَجَ) من حجرة النَّبي - ﷺ - (وَعُمَرُ - ﵁ - يُكَلِّمُ النَّاسَ) ويقول: "والله لا أسمع أحدًا يذكر أن رسول الله - ﷺ - قُبِض إلا ضربته بسيفي هذا، وقد سل سيفه، وكان يقول أيضًا: إنما أرسل إليه - ﷺ - كما أرسل إلى موسى - ﵇ -، فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم" (^٢)، أي: من المنافقين، أو المرتدين، أو المريدين للخلافة، وفي رواية: كان يقول: "ذهب محمد لميعاد ربه، كما ذهب موسى لمناجاة ربه" (^٣)، وكأن الحامل عليه ما ظنه أن هذا من الغشيان المعتاد له - ﷺ -، أو ذهوله عن حسه، فأحال الموت عليه - ﷺ -، ويحتمل أن عمر - ﵁ - ظن أن أجله - ﷺ - لم يأت، وأن الله -تعالى- منَّ على عباده بطول حياته (^٤)، وقيل: وكأنه - ﵁ - رأى في ذلك أن يردع المنافقين واليهود إلى أن يجتمع المؤمنون، وأما أبو بكر - ﵁ - فرأى إظهار الأمر تجلدًا.
_________________
(١) فأخبرني في صحيح البخاري.
(٢) صحيح ابن حبان: ذكر البيان بأن المصطفى - ﷺ - أراد في اليوم الذي توفي فيه الخروج إلى أمته (١٤/ ٥٨٨) (٦٦٢٠) من طريق الزهري: عن أنس بن مالك، عن عمر بن الخطاب. ومصنف ابن أبي شيبة، ما جاء في وفاة النَّبي - ﷺ - (٧/ ٤٢٩) (٣٧٠٣٥)، إسناده صحيح.
(٣) التوضيح (٩/ ٤٠٩).
(٤) سقط في ب طول حياته.
[ ٢١٠ ]
(فَقَالَ) له أبو بكر - ﵁ - (اجْلِسْ، فَأَبَى) أن يجلس لما حصل له من الدهشة والحزن، (فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -؛ فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ) وفي رواية للمؤلف: "أن عمر - ﵁ - قام يقول، والله ما مات رسول الله - ﷺ -؛ فجاءَهُ أبو بكر - ﵁ -؛ فكشف عن وجه رسول الله - ﷺ -، فقبله، فقال: بأبي وأمي طبت حيًّا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقنك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج، فقال: أيها الحالف على رِسلك_ بكسر الراء، أي: على مهلك؛ فلما تكلم أبو بكر - ﵁ - جلس عمر - ﵁ -، فحمد اللهَ أبو بكر، وأثنى عليه" (^١) الحديث.
(فَقَالَ) أبو بكر - ﵁ - (أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا - ﷺ -؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قال الله -﷿- (^٢): ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾) [آل عمران: ١٤٤]، فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه؛ لأن الغرض من بعثة الرسول تبليغ الرسالة وإلزام الحجة؛ لا وجوده بين أظهر قومه.
[٨٨ أ/س]
وسقط في رواية قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (^٣) إلَى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] يعني تلا قوله -تعالى-: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، الفاء متعلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ على معنى التسبيب، والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله/ سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكًا به يجب أن يجعل سببًا
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب أصحاب النَّبي - ﷺ -، باب قول النَّبي - ﷺ -: «لو كنت متخذا خليلا» (٥/ ٦)، (٣٦٦٧).
(٢) قال الله تعالى في البخاري.
(٣) إرشاد الساري (٢/ ٣٧٦).
[ ٢١١ ]
للتمسك بدين محمد - ﷺ -، لا للانقلاب عنه، وإنما ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل لكونه مجوزا عند المخاطبين.
فإن قيل: أما علموه من قوله -تعالى- ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]؟
فالجواب: أن هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوي البصيرة، ألا ترى أنهم سمعوا بخبر قتله فهربوا في غزوة أحد، على أنه يحتمل العصمة من فتنة الناس، وإضلالهم؛ والمراد من الانقلاب على الأعقاب: الأدبار، عما كان رسول الله - ﷺ - يقوم به من الجهاد وغيره.
[٣٩ ب/س]
وقيل: الارتداد وما ارتد أحد من المسلمين ذلك اليوم في تلك الغزوة إلا ما كان من قول المنافقين، ويجوز أن يكون على وجه التغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار، والانكشاف عن رسول الله، - ﷺ - وإهماله؛ "ومن ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤] يعني: فما ضر إلا نفسه؛ لأن الله -تعالى- لا يجوز عليه المضار والمنافع، ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ الذين (^١) لم ينقلبوا، كأنس بن النضر وأضرابه، وسماهم شاكرين /لأنَّهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا (^٢).
رُوِيَ أنه لما رَمَى عبدُ الله بن قمئة الحارثي رسولَ الله - ﷺ - بحجر فكسر رباعيته، وشج وجهه؛ أقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير -، وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد- حتى قتله ابن قمئة، وهو يُرى، أي: يظن أنه رسول الله - ﷺ -؛ فقال: قد قتلت محمدًا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا - ﷺ - قد قتل، وقيل: كان الصارخ الشيطان، ففشا في الناس خبر قتله، فانكفؤوا، أي: رجعوا من موضع الحرب، فجعل رسول الله - ﷺ - يدعو إلّى عباد الله حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه،
_________________
(١) [الذين] في ب.
(٢) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: ٥٣٨ هـ) دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤٠٧ هـ (١/ ٤٢٤).
[ ٢١٢ ]
فلامهم على هروبهم، فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك، فرعبت قلوبنا، فولينا مدبرين، فنزلت (^١).
[٨٨ أ/ص]
ورُوِي: أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أُبي يأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان، وقال ناس من المنافقين: لو كان نبيًّا لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم، فقال أنس ابن النضر عم أنس بن مالك - ﵂ -: يا قوم، إن كان قتل محمد فإنَّ رب محمد حيٌّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله - ﷺ -؛ /فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شدَّ بسيفه فقاتل حتى قتل، وعن بعض المهاجرين: أنَّه مر بأنصاري يتشخط أي: يضطرب في دمه، فقال: يا فلان، أشعرت أن محمدًا قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان قتل فقد بلَّغ، قاتلوا على دينكم (^٢).
وإنما تلا أبو بكر - ﵁ - هذه الآية تعزيًا وتصبرًا، قال ابن عباس: - ﵂ - (وَاللَّهِ) وفي رواية فوالله (^٣) (لَكَأَنَّ) بتشديد النون (النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ) أي: الآية، وفي رواية
أنزلها، يعني
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ) تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م (٦/ ٩٩) من طريق محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، إسناده حسن من أجل أسباط، قال ابن حجر في "التقريب" (ص: ٩٨) (٣١٠): " صدوق كثير الخطأ يغرب"، وبه موضع إرسال.
(٢) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، تحقيق عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت (١/ ٤٤٩ - ٤٥٠). وتاريخ الطبري، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، مكان النشر بيروت (٢/ ٦٨)، وتخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري، جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي (المتوفى: ٧٦٢ هـ) المحقق: عبد الله بن عبد الرحمن السعد، دار ابن خزيمة - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ. (١/ ٢٣٠) وقال: " روى الطبري في تفسيره حدثنا محمد بن الحسين ثنا أحمد بن المفضل ثنا أسباط عن السدي".
(٣) إرشاد الساري (٢/ ٣٧٦).
[ ٢١٣ ]
هذه الآية (^١) (حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -؛ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ) بصيغة المجهول (بَشَرٌ إِلَاّ يَتْلُوهَا) أي: ما يسمع بشر يتلو شيئًا إلا يتلوها، هذه الآية، وزاد ابن أبي شيبة، عن ابن عمر - ﵄ - أن عمر - ﵁ - إنما قال: "ما مرّ في المنافقين لأنهم أظهروا الاستبشار ورفعوا رؤوسهم، وأن أبا بكر - ﵁ - ضم إلى تلك الآية ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠] يعني: أنك ستموت، وأن أعداءك أيضًا سيموتون، وقوله -تعالى-: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] (^٢).
وفي الحديث: استحباب تسجية الميت أي: تغطيته بثوب، وحكمتها: صيانته عن الانكشاف، وستر صورته المتغيرة عن الأعين.
وفيه: جواز تقبيل الميت لفعل أبي بكر - ﵁ - اقتداء بفعله - ﷺ -، وفيه: جواز البكاء على الميت من غير نوح.
وفيه: أن الصديق - ﵁ - أفضل من عمر - ﵁ -، وهذه إحدى المسائل التي ظهر فيها ثاقب علمه، وفضل معرفته، وسداد رأيه، وبارع فهمه، وحسن إسراعه بالقرآن وثبات نفسه، وكذلك مكانته عند الناس؛ فإنه حين تشهد مال إليه الناس وتركوا عمر - ﵁ -، ولم يكن ذلك إلا لعظيم منزلته في النفوس، وسمو محله عندهم، وقد أقر بذلك عمر - ﷺ - حين مات الصديق - ﵁ -؛ فقال: والله ما أحب أن ألقى الله بمثل عمل أحد إلا بمثل عمل أبي بكر - ﵁ -، ولوددت أني شعرة في صدره" (^٣).
_________________
(١) إرشاد الساري (٢/ ٣٧٦).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة: ما جاء في وفاة النَّبي - ﷺ - (٧/ ٤٢٧)، (٣٧٠٢١) من طريق: ابن فضيل، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، وأخرجه البزار في "مسنده" (١/ ١٨٢) (١٠٣) من طريق علي بن المنذر به، وقال الهيثمي في "مجمع الزائد" (٩/ ٣٨) (١٤٢٧٧) ": "رواه البزار في" كشف الأستار عن زوائد البزار" (١/ ٤٠٢) (٨٥٢)، ورجاله رجال الصحيح غير علي بن المنذر، وهو ثقة.
(٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٢٤٢)، وعمدة القاري (٨/ ١٤).
[ ٢١٤ ]
[٨٩ أ/س]
وذكر الطبري عن ابن عباس - ﵂ - قال: إني والله لأمشي مع عمر - ﵁ - في خلافته، وبيده الدرة، وهو يحدث نفسه، ويضرب قدمه بدرته، ما معه غيري؛ إذ قال لي: يا ابن العباس، هل تدري ما حملني على مقالتي التي قلت حين مات رسول الله - ﷺ -؟ /قلت: لا أدري والله يا أمير المؤمنين، قال: فإنَّه ما حملني على مقالتي تلك إلا قوله -﷿-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] إلى قوله ﴿شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فوالله إن كنت لأظن أن رسول الله - ﷺ - سيبقى في أمته حتى يشهد عليها (^١).
وفيه: حجة لمالك في قوله بأن في الصحابة مخطئًا ومصيبًا في التأويل (^٢)، وفيه: اهتمام عائشة - ﵂ - بأمر الشريعة، وأنها لم يشغلها ذلك عن حفظها ما كان من أمر الناس في ذلك اليوم، وفيه: غيبة الصديق عن وفاته - ﷺ -، وفيه: الدخول على الميت من غير استئذان، ويجوز أن يكون عند عائشة - ﵂ - غيرها؛ فصار كما لمحفل لا يحتاج الداخل إلى إذن، ورُوِي: أنه استأذن؛ فلما دخل أذن للناس، وفيه: جواز التفدية بالآباء والأمهات، وفيه: ترك تقليد المفضول عند وجود الفاضل (^٣).
_________________
(١) تاريخ الطبري (٢/ ٢٣٨) من طريق ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس. إسناد ضعيف لأن فيه: ابن حميد، وهو متروك الحديث، قال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٣/ ٥٣٠) (٧٤٥٣): " قال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير. وقال البخاري: فيه نظر. وكذبه أبو زرعة. وفيه: حسين بن عبد الله، وهو ضعيف الحديث قال الحافظ العسقلاني في "التقريب" (ص: ١٦٧) (١٣٢٦): " الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي المدني، ضعيف، من الخامسة.
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، ١٩٧٣، بيروت (٤/ ٢١١).
(٣) عمدة القاري (٨/ ١٤ - ١٥).
[ ٢١٥ ]
ورجال إسناد هذا الحديث ما بين مروزي وبصري وإيلى ومدني، وفيه: رواية التابعي عن التابعي، وقد أخرج متنه المؤلف في "المغازي، وفي "فضل أبي بكر"، وأخرجه النسائي في "الجنائز"، وكذا ابن ماجة (^١).
*** *** ***
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ::
١٢٤٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ - امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ بَايَعَتِ النَّبيَّ - ﷺ - أخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً؛ فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِى تُوُفِّيَ فِيهِ؛ فَلَمَّا تُوُفِّيَ، وَغُسِّلَ، وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ؛ دَخَلَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -؛ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبي - ﷺ -: «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟»، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: «أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي - وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ - مَا يُفْعَلُ بِي»؛ قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا.
١٢٤٣ م- حَدَّثَنَا: سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا: اللَّيْثُ مِثْلَهُ، وَقَالَ نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلٍ: "مَا يُفْعَلُ بِهِ". وَتَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمَعْمَرٌ.
_________________
(١) * صحيح البخاري: كتاب: أصحاب النَّبي - ﷺ -، باب لو كنت متخذًا خليلًا (٥/ ٤)، (٣٦٦٧). وكتاب المغازي، باب مرض النَّبي - ﷺ - ووفاته. (٦/ ١٣)، (٤٤٥٢). *سنن النسائي المجتبى: كتاب الجنائز: باب تقبيل الميت، (٤/ ١١)، (١٨٤١). * سنن ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه - ﷺ - (١/ ٥٢٠)، (١٦٢٧).
[ ٢١٦ ]
قَالَ الشَّارِحُ - ﵀ -:
(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ (^١» بضم الموحدة، هو: يحيى بن عبد الله بن بكير أبو زكريا المخزومي (^٢) (قال (^٣) حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو: ابن سعد الإمام (^٤) (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين هو: ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهْرِي (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (خَارِجَةُ (^٥» على صيغة اسم الفاعل من الخروج (بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاري التابعي الجليل، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، مات سنة مائة (أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ (^٦» بنت الحارث بن ثابت بن خارجة الأنصارية، وقال أبو عيسى الترمذي: هي أم خارجة، وكان رسول الله - ﷺ - يعودها في مرضها (^٧).
(امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) عطف بيان، أو رفع بتقدير هي امرأة (بَايَعَتِ النَّبِيَّ - ﷺ -) جملة في محل النصب، أو الرفع على أنها صفة امرأة (أَخْبَرَتْهُ) أي: أخبرت خارجة- وهي خبر إن- التي اسمها أم العلاء (أَنَّهُ) الضمير فيه للشأن (اقْتُسِمَ) على صيغة المجهول (الْمُهَاجِرُونَ) نائب عن الفاعل (قُرْعَةً) نصب بنزع الخافض أي: بقرعة، والمعنى اقتُسِم الأنصار والمهاجرون بالقرعة في نزولهم
_________________
(١) هو: يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي، أبو زكريا المصري، مولى بني مخزوم. تهذيب الكمال (٣١/ ٤٠١)، (٦٨٥٨).
(٢) أبو زكريا المخزومي سقط من (ب)
(٣) بدون (قال) في البخاري.
(٤) هو: ليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر. تهذيب الكمال (٢٤/ ٢٥٥)، (٥٠١٦).
(٥) هو: خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري النجاري، أبو زيد المدني، أخو إسماعيل بن زيد بن ثابت، وسعد بن زيد بن ثابت. (٨/ ٨)، (١٥٨٩).
(٦) هي: أم العلاء بنت الحارث بن ثابت بن خارجة ابن ثعلبة بن الجلاس بن أمية بن حذارة بن عوف بن الحارث ابن الخزرج الأنصارية (٣٥/ ٣٧٥)، (٧٩٩٦).
(٧) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، ١٤١٢ هـ، بيروت (٤/ ١٩٤٨).
[ ٢١٧ ]
عليهم، وسكناهم في منازلهم؛ لأن المهاجرين لما دخلوا المدينة لم يكن معهم شيء من أموالهم، فدخلوها فقراء، وكان بنوا مظعون ثلاثة: عثمان، /وعبد الله، وقدامة؛ بدريون أخوال آل ابن عمر (^١).
[٣٨ ب/ص]
[٣٩ ب/ص]
(فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ) - بالظاء المعجمة، والعين المهملة- الجمحي القرشي أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة، ولما دفن بالبقيع، قال - ﷺ -: "نِعمَ السلف هو لنا - ﵁ - (^٢) ".
أي: وقع في سهمنا، أي: في سهم الذين /أم العلاء منهم، ويروى: "فصار لنا بالصاد" (^٣) القصيرة، فإن ثبتت هذه الرواية؛ فمعناها صحيح.
(فَأَنْزَلْنَاهُ فِى أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ) بكسر الجيم (وَجَعَهُ) بفتح الجيم نصب على المصدر (الَّذِى تُوُفِّىَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّىَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِى أَثْوَابِهِ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -) عليه (فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ) بالسين المهملة، وفي آخره موحدة، وهي كنية عثمان ابن مظعون - ﵁ -، وحرف النداء محذوف، والتقدير: يا أبا السائب، (فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ) جملة اسمية، ومثل هذا التركيب يُسْتَعْمَلُ عرفًا في معني القسم، كأنها قالت: أقسم بالله، وكلمة: على، لمعنى الاستعلاء فقط، بدون ملاحظة المضرة، أو هي بمعنى اللام (لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ) جواب القسم (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «وَمَا يُدْرِيكِ) بكسر الكاف أي: من أين علمت؟ (أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ) أي: عثمان - ﵁ -، وفي رواية: أن
_________________
(١) عمدة القاري: (٨/ ١٦).
(٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، (٣/ ١٠٥٣).
(٣) مسند إسحاق بن راهويه، أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم الحنظلي المروزي المعروف بـ ابن راهويه (المتوفى: ٢٣٨ هـ)، المحقق: د. عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي، مكتبة الإيمان - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ - ١٩٩١، ما يروى عن أم العلاء الأنصارية عن النَّبي - ﷺ - (٥/ ٨٧)، (٢١٩٣) وقال ابن حجر في "الفتح" (٣/ ١١٥): وهو صحيح من حيث المعنى إن ثبتت الرواية.
[ ٢١٨ ]
الله قد أكرمه (^١) (فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ) أي: مَفْديٌّ بأبي أنت (يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ) أي: هو مؤمن خالص مطيع، فإذا لم يكن هو من المكرمين من عند الله، فمن يكرمه الله؟
(فَقَالَ) وفي رواية: قال (^٢) - ﷺ -: (أَمَّا هُوَ) أي: عثمان - ﵁ - (فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ) أي: الموت (وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ) وكلمة: أما، تقتضي القسيم، وقسيمها هنا مقدر، والتقدير: وأمَّا غيره؛ فخاتمة أمره غير معلومة، أهو ممن يرجى لهم الخير عند اليقين أم لا؟ (وَاللَّهِ مَا أَدْرِى - وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ) - ﷺ - (مَا يُفْعَلُ بِي) كلمة ما موصولة أو استفهامية، وفي رواية الكشميهني ما يُفعَل به؟ أي بعثمان (^٣).
[٩٠ أ/س]
قال الحافظ العسقلاني: وهو غلط منه؛ فإن المحفوظ في رواية الليث هو الأول؛ ولذلك عقبه المؤلف برواية نافع بن يزيد عن عقيل، التي لفظها "ما يفعل به" وعلَّق منها هذا القدر فقط إشارة إلى أن باقي الحديث لم يختلف فيه (^٤). ثم قوله: ما يفعل بي، هو الموافق لما في سورة الأحقاف من قوله -تعالى-: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا﴾ [الأحقاف: ٩]، البِدْع بمعنى البديع، كالخف بمعنى الخفيف، كانوا يقترحون عليه الآيات، ويسألونه عما لم يوح إليه من الغيوب، فقيل له: قل: ما كنت بِدْعًا من الرسل فآتيكم /بكل ما تقترحونه، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيبات فإن الرسل لم يكونوا يأتون إلا بما آتاهم الله من آياته، ولا يخبرون إلا بما أوحى إليهم، ولقد أجاب موسى - ﵇ - عن قول فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١)﴾ [طه: ٥١] بقوله: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [طه: ٥٢] وما أدري؛ لأنه لا علم لي بالغيب، وما يفعل بي ولا بكم، أي ما يفعل الله بي وبكم فيما يستقبل من الزمان من أفعاله، ويقدر لي ولكم من قضاياه؛ إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ؛ وعن الحسن: وما أدري ما
_________________
(١) إرشاد الساري (٢/ ٣٧٧).
(٢) إرشاد الساري (٢/ ٣٧٧).
(٣) إرشاد الساري (٢/ ٣٧٧).
(٤) فتح الباري (٣/ ١١٥).
[ ٢١٩ ]
يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، ومَن الغالب والمغلوب (^١)؟ وعن الكلبي (^٢): قال له أصحابه - وقد ضجروا من أذى المشركين، حتى متى نكون على هذا؟ فقال: "ما أدرى ما يفعل بي ولا بكم؟ " أأُترَك بمكة أم أومر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها؟ يعني: في منامه، ذات نخيل وشجر (^٣).
وعن ابن عباس - ﵂ -: ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، وقال: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] (^٤) لأن سورة الأحقاف مكية، وسورة الفتح مدنية بلا خلاف فيهما (^٥)، وفيه: تأمل على ما قيل، فإنه خبر؛ والخبر لا يدخله النسخ كما بين في محله، فالأَوْلى أن يقول: إن ذلك كان قبل أن يخبر الله نبيه بغفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولعل مراد ابن عباس - ﵂ - ذلك، والتعبير بالنسخ سهو من الراوي عنه، ويجوز أن يكون نفيًا للدراية المفصلة؛ إذ إجماله - وهو أصل الإكرام- معلوم.
قال البرماوي (^٦): وكثير من التفاصيل معلوم أيضًا من ذلك قوله - ﷺ - " أنا أول من يدخل الجنة" (^٧)، فالخفي بعض التفاصيل، فإن قيل: عثمان هذا - ﵁ - أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر
_________________
(١) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: ٥٣٨ هـ) دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الثالثة - ١٤٠٧ هـ (٤/ ٢٩٨).
(٢) هو: أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي، المفسر. وكان أيضا رأسا في الأنساب، إلا أنه شيعي، متروك الحديث (توفي: ١٤٦ هـ)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٤٨) (١١١).
(٣) الناسخ والمنسوخ، قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، أبو الخطاب السدوسي البصري (المتوفى: ١١٧ هـ)، حاتم صالح الضامن، كلية الآداب - جامعة بغداد، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٨ م (١/ ٤٧).
(٤) المصدر نفسه (٤/ ٢٩٨).
(٥) فتح الباري: (٣/ ١١٦).
(٦) هو الإمام: محمد بن عبد الدائم بن موسى بن عبد الدائم، العسقلانيّ الأصل، البرماويّ ثمّ القاهريّ، ولد بالقاهرة سنة (٧١٩ هـ)، وَنَشَأ بهَا واشتغل فِي فنون شتى على أيدي العلماء الكبار، وتوفي سنة (٨٦٤)، ومن تصانيفه: (اللامع الصبيح على الجامع الصحيح، وجمع العدة لفهم العمدة). انظر ترجمته في: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: ١٢٥٠ هـ)، دار المعرفة - بيروت (٢/ ١٨١).
(٧) المعجم الأوسط للطبراني: من اسمه علي، (٤/ ٢٦٨) (٤١٦٠). معاوية بن واهب بن سوار الجرمي قال: نا عمي أنيس بن سوار، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس، إسناده ضعيف فيه معاوية بن وهب وهو مجهول الحال قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٧٧) (١١٧٤٠). وأخرجه مسلم في صحيحه من طريق آخر عن أنس، بلفظ " أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة وأنا أول من يقرع باب الجنة" كتاب الإيمان، باب في قول النَّبي - ﷺ - أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا (١/ ١٨٨)، (١٩٦).
[ ٢٢٠ ]
الهجرتين، وشهد بدرًا، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة، وقد أخبر النَّبي - ﷺ - بأن أهل بدر غفر الله لهم.
فالجواب: أن ذلك قبل أن يخبر أن أهل بدر غفر الله لهم، ولا يعارض ذلك قوله - ﷺ - في حديث جابر - ﵁ -: "ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه" (^١)؛ لأنه قاله - ﷺ -، وذلك قاله أم العلاء، وقوله - ﷺ - خبر من لا ينطق عن الهوى، وذلك كلام أم العلاء، وليسا بسواء. (^٢)
(قَالَتْ فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّى أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا) ففي الحديث أنه لا يُجزم لأحد بالجنة إلا ما نص عليه الشارع، كالعشرة المبشرة وأمثالهم؛ لا سيما والإخلاص أمر قلبي لا اطلاع لنا عليه، وفيه مواساة الفقراء الذين ليس لهم مال ولا منزل ببذل المال وإباحة المنزل.
[٩٠ أ/ص]
وفيه: إباحة الدخول على الميت بعد التكفين، وفيه: جواز القرعة، وفيه: جواز الدعاء للميت (^٣)؛ / ورجال إسناد هذا الحديث ما بين مصري بالميم، وأيلي ومدني، وفيه: رواية التابعي عن التابعي، وقد أخرجه المؤلف في "الجنائز"، و"الشهادات"، و"التفسير"، و"الهجرة"، و"التعبير"، وأخرجه النسائي في "الرؤيا" (^٤)، ومطابقته للترجمة أظهر من أن يخفى.
_________________
(١) صحيح البخاري (٢/ ٧٢)، (١٢٤٤).
(٢) ينظر عمدة القاري: (٨/ ١٦).
(٣) عمدة القاري: (٨/ ١٧).
(٤) *صحيح البخاري: كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت (٢/ ٧٢)، (١٢٤١)، وكتاب الشهادات، باب القرعة في المشكلات، (٣/ ١٨١)، (٢٦٨٧)، وكتاب مناقب الأنصار، باب مقدم النَّبي - ﷺ - وأصحابه المدينة، (٥/ ٦٧)، (٣٩٢٩)، وكتاب التعبير، باب العين الجارية في المنام (٩/ ٣٨)، (٧٠١٨). *سنن النسائي الكبرى: كتاب التعبير، باب العين الجاري، (٤/ ٣٨٥)، (٧٦٣٤).
[ ٢٢١ ]
(حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين، وفتح الفاء، وسكون التحتية بعدها راء، نسبة لجده، واسم أبيه كثير أبو عثمان المصري (^١)، (قال حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابن سعد عن عقيل عن الزهري (مِثْلَهُ) أي: مثل الحديث المذكور، وأخرجه من هذا الطريق في "التعبير" على ما يأتي -إن شاء الله تعالى- (^٢).
[٤٠ ب/س]
(وَقَالَ نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ (^٣» أبو يزيد مولى شرحبيل بن حسنة القرشي المصري، مات سنة ثمان وستين ومائة (عَنْ عُقَيْلٍ (^٤» بضم العين، وفتح القاف (مَا يُفْعَلُ بِهِ) بالهاء بدل الياء/ أي: بعثمان - ﵁ -، وذلك لأنَّه - ﷺ - لا يعلم من ذلك إلا ما يوحى إليه.
وهذا التعليق وصله الإسماعيلي بسنده إلى عقيل (وَتَابَعَهُ) أي: وتابع عقيلًا في روايته عن الزهري (شُعَيْبٌ (^٥» هو ابن أبي حمزة، وقد وصل هذه المتابعة المؤلف، في كتاب "الشهادات"، قال: حدثنا أبو إيمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري إلى آخره (^٦) (وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (^٧» وقد وصلها ابن
أبي
_________________
(١) هو: سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد بن الأسود الأنصاري مولاهم، أبو عثمان المصري. تهذيب الكمال (١١/ ٣٦)، (٢٣٤٤).
(٢) صحيح البخاري: كتاب التعبير، بَابُ رُؤْيَا النِّسَاءِ (٩/ ٣٤)، (ر ٧٠٠٣).
(٣) هو: نافع بن يزيد الكلاعي، أبو يزيد المصري، ويقال: إنه مولى شرحبيل بن حسنة القرشي. تهذيب الكمال (٢٩/ ٢٩٦)، (٦٣٧١).
(٤) هو: عقيل بن خالد بن عقيل الأيلي، أبو خالد الأموي، مولى عثمان بن عفان. تهذيب الكمال (٢٠/ ٢٤٢)، (٤٠٠١).
(٥) هو: شعيب بن أبي حمزة، واسمه دينار، القرشي الأموي، مولاهم أبو بشر الحمصي. تهذيب الكمال (١٢/ ٥١٦)، (٢٧٤٧).
(٦) صحيح البخاري: كتاب الشهادات، باب القرعة في المشكلات، (٣/ ١٨١)، (٢٦٨٧).
(٧) هو: عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم الجمحي مولى موسى بن باذام، تهذيب الكمال (٢٢/ ٥)، (٤٣٦٠).
[ ٢٢٢ ]
عمر (^١) في مسنده: عن ابن عيينة، عنه، عن الزهري (وَمَعْمَرٌ) هو ابن راشد، وقد وصلها المؤلف في باب العين الجارية من كتاب "التعبير": من طريق ابن المبارك، عنه، عن الزهري (^٢).
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ - ﵀ -:
١٢٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄- قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِى، وَيَنْهَوْنِني عَنْهُ، وَالنَّبي - ﷺ - لَا يَنْهَانِي؛ فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبي - ﷺ -: «تَبْكِينَ، أَوْ لَا تَبْكِينَ، مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ». تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: سَمِعَ جَابِرًا - ﵁ -.
قَالَ الشَّارِحُ - ﵀ -:
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ (^٣» بالموحدة، والمعجمة المشددة (قال (^٤) حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ (^٥» بضم المعجمة محمد بن جعفر البصري (قال (^٦) حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هو ابن الحجاج (قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ
_________________
(١) هو: أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني. وصنف (المسند) (ت: ٢٤٣) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٩٦) (٢٨).
(٢) صحيح البخاري: كتاب التعبير، باب العين الجارية في المنام (٩/ ٣٨)، (٧٠١٨).
(٣) هو: محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي، أبو بكر البصري بندار، وإنما قيل له: بندار لأنه كان بندارا في الحديث، والبندار: الحافظ، تهذيب الكمال (٢٤/ ٥١١)، (٥٠٨٦).
(٤) (قال) لم يرد في البخاري.
(٥) هو: محمد بن جعفر الهذلي، مولاهم، أبو عبد الله البصري، المعروف بغندر، صاحب الكرابيس، وكان ربيب شعبة، تهذيب الكمال (٢٥/ ٥)، (٥١٢٠).
(٦) (قال) لم يرد في البخاري.
[ ٢٢٣ ]
الْمُنْكَدِرِ (^١)، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأنصاري - ﵄ - قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي) عبد الله بن عمرو، وكان قتله يوم أحد وكان المشركون مثلوا به: جدعوا أنفه وأذنيه، وكانت غزوة أحد في سنة ثلاث من الهجرة في شوال.
[٩١ أ/س]
(جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ) حال كوني (أَبْكِي) عليه (وَيَنْهَوْنِي) بحذف النون على التخفيف، وفي رواية الكشميهني: وينهونني بزيادة النون على الأصل (عَنْهُ) أي: عن البكاء وسقط لفظ عنه في رواية (^٢) (وَالنَّبِيُّ - ﷺ - لَا يَنْهَانِي عنه (^٣)، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ) هي عمة جابر شقيقة أبيه عبد الله بن عمرو (تَبْكِي، فَقَالَ النَّبي - ﷺ -) معزيًا لها ومخبرًا لها بما آل إليه أمره من الخير (تَبْكِينَ أَوْ لا تَبْكِينَ) كلمة (أو) ليست للشك من الراوي؛ بل هي من كلام /الرسول - ﷺ - للتسوية بين البكاء وعدمه.
(فَمَا) بالفاء، وفي رواية ما بدونها (^٤) (زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ) من غسله، ومعناه: أنه مكرم عند الملائكة، وإظلاله بأجنحتها لاجتماعهم عليه، وتزاحمهم على المبادرة لصعودهم بروحه، وتبشيره بما أعد الله له من الكرامة، أو أنهم أظلوه من الحر؛ لئلا يتغير، أو لأنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
وروَى بقي بن مخلد (^٥) عن جابر - ﵁ -: "لقيني رسول الله - ﷺ -؛ فقال: ألا أبشرك أن الله أحيا أباك، وكلمه كفاحًا، وما كلم أحدًا قط إلا من وراء حجاب (^٦) ".
_________________
(١) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهذير بن عبد العزى بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي (٢٦/ ٥٠٤)، (٥٦٣٢).
(٢) إرشاد الساري (٢/ ٣٧٧).
(٣) (عنه) لم يرد في البخاري.
(٤) إرشاد الساري (٢/ ٣٧٨).
(٥) هو: الإمام، القدوة، شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن الأندلسي، القرطبي، الحافظ، صاحب (التفسير) و(المسند) اللذين لا نظير لهما. (المتوفى: ٢٧٦ هـ) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٨٥) (١٣٧).
(٦) سنن الترمذي، أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران (٥/ ٢٣٠) (٣٠١٠) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ولا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم، وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، شيئًا من هذا، ورواه علي بن عبد الله بن المديني، وغير واحد من كبار أهل الحديث، هكذا عن موسى بن إبراهيم. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٢٤) (٤٩١٤)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه " وسكت عنه الذهبي في التلخيص.
[ ٢٢٤ ]
وفيه: فضيلة عظيمة له لم تُسْمَع لغيره من الشهداء في دار الدنيا، وفيه: جواز البكاء على الميت بلا نياحة، ونهي أهل الميت بعضًا عن البكاء للرفق بالباكي.
ومطابقة الحديث للترجمة من قوله: "جعلت أكشف الثوب عن وجهه"؛ لأن الثوب أعم من الذي سجوه به، ومن الكفن، وأخرج هذا الحديث المؤلف في (الفضائل) أيضًا، وأخرجه النسائي في (الجنائز) و(المناقب) (^١) (تَابَعَهُ) أي: تابع شعبة (ابْنُ جُرَيْجٍ (^٢» بالجيمين عبد الملك ابن عبد العزيز بن جريج (قال (^٣) أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ الْمُنْكَدِرِ) وفي نسخة محمد بن المنكدر (^٤) (سَمِعَ) أي: أنه سمع (جَابِرًا - ﵁ -) وصل هذه المتابعة مسلم من طريق عبد الرزاق عنه، وأوله (^٥) "جاء قومي بأبي قتيلًا يوم أحد، مُسَجًّى، وقد مُثِّل به" الحديث (^٦)، وذكر المؤلف: هذه المتابعة لينفي ما وقع في نسخة ابن هامان في صحيح مسلم، عن عبد الكريم، عن محمد بن علي بن حسين، عن جابر - ﵁ -
_________________
(١) *صحيح البخاري: كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت، (٢/ ٧٢) (١٢٤٤). وكتاب الجهاد والسير، باب ظل الملائكة على الشهيد، (٤/ ٢١) (٢٨١٦). وكتاب المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أحد، (٥/ ١٠٢) (٤٠٧٨). *سنن النسائي الكبرى: كتاب الجنائز، تسبيحة الميت، (١/ ٦٠٥)، (١٩٦٩). وكتاب المناقب، فضل عبد الله بن حرام - ﵁ - (٥/ ٦٨)، (٨٢٤٧).
(٢) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشي الأموي، أبو الوليد وأبو خالد المكي، مولى أمية بن خالد، تهذيب الكمال (١٨/ ٣٣٨)، (٣٥٣٩).
(٣) قال: لم يرد في البخاري.
(٤) إرشاد الساري (٢/ ٣٧٨).
(٥) في نسخة الأم أوله.
(٦) صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة ﵃، باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر رضي الله تعالى عنهما (٤/ ١٩١٨)، (ر ٢٤٧١).
[ ٢٢٥ ]
جعل محمد بن علي بدل محمد بن المنكدر؛ فبين المؤلف: أن الصواب ابن المنكدر، كما رواه شعبة، وأيدها براوية ابن جريج، والله أعلم (^١).
_________________
(١) عمدة القاري (٨/ ١٨).
[ ٢٢٦ ]