قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ - ﵀ -:
١٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عن ابْنِ عُمَرَرضي الله عنهما-: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ لَمَّا تُوُفِي جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبي - ﷺ -؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبي - ﷺ - قَمِيصَهُ فَقَالَ: «آذِنِّي أُصَلِّى عَلَيْهِ». فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّىَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُرضي الله عنه-؛ فَقَالَ أَلَيْسَ اللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّىَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ: «أَنَا بَيْنَ خِيْرَتَيْنِ قَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾»، فَصَلَّى عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾.
قَالَ الشَّارِحُ - ﵀ -:
(باب الْكَفَنِ) أي: كفن الميت حال كونه (فِي الْقَمِيصِ الَّذِى يُكَفُّ أَوْ لَا يُكَفُّ) بضم المثناة التحتية، وفتح الكاف، وتشديد الفاء، من كففت الثوب أي خطت حاشيته (^١).
وقال ابن التين: وضبطه بعضهم بفتح الياء، وضم الكاف، وتشديد الفاء، وقيل: بفتح الياء، وسكون الكاف، وكسر الفاء، من الكفاية؛ فأصلهما يكفي أو لا يكفي، وقيل: هذا لحن إذ لا موجب لحذف الياء، وقد جزم المهلب بأنَّه الصواب، وأنَّ الياء سقطت من الكاتب سهوًا (^٢)، وفيه: أنَّ سقوط الياء في مثل هذا اكتفاء بالكسر (^٣)، وقد جاء في التنزيل أيضًا كما في قوله -تعالى-: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ [الفجر: ٤] قال ابن التين: والأول هو الأشبه.
_________________
(١) تهذيب اللغة، باب الكاف والفاء (٩/ ٣٣٦).
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٢٦٣).
(٣) عمدة القاري (٨/ ٥٣).
[ ٣٦٤ ]
وتعقبه ابن رشيد بأنَّ الثاني هو الصواب، قال: والذي يظهر لي أنَّ البخاري لاحظ قوله -تعالى-: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] يعني: أن النَّبيَّ - ﷺ - ألبس عبد الله بن أُبي قميصه سواء كان يكف عنه العذاب أو لا يكف؛ استصلاحًا للقلوب المؤلفة، ومن هذا يُؤخذ التبرك بآثار الصالحين سواء علمنا أنه يؤثر في حال الميت أو لا، قال: ولا يصح أن يراد به سواء كان الثوب مكفوف الأطراف، أو غير مكفوف؛ لأنَّ ذلك وصف لا أثر له (^١).
وأما الضبط الثالث: فقد قال ابن بطال: المراد طويلًا كان القميص، أو قصيرًا؛ فإنه يجوز الكفن فيه (^٢)، ووجهه بعضهم: بأن عبد الله كان مفرط الطول، وكان النَّبي - ﷺ - معتدل الخلق، وقد أعطاه مع ذلك قميصه؛ ليكفن فيه، ولم يلتفت إلى كونه ساتر الجميع بدنه أولا، وأما قول ابن رشيد: إن مكفوف الأطراف لا أثر له، فغير مسلم، بل المتبادر إلى الذهن أنه مراد البخاري كما فهمه ابن التين -كما (^٣) سيأتي- في فوائد الحديث.
[٥٣ ب/س]
[١١٩ أ/س]
(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) /هو ابن مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطان (عن عُبَيْدِ اللَّهِ) هو على صيغة التصغير ابن عمر العمري (^٤).
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عن ابْنِ عُمَرَرضي الله عنهما-: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ) / بضم الهمزة، وفتح الموحدة، وتشديد التحتية، ابن سلول رأس المنافقين، وأبي: هو أبو مالك بن الحارث بن عبيد، وسلول: امرأة من خزاعة، هي أم أبي مالك بن الحارث، وأم عبد الله بن أبي خولة بنت المنذر بن حرام من بني النجار، وكان عبد الله سيد الخزرج في الجاهلية، وكان عبد الله هذا هو الذي تولى كبره في قصة الصديقة - ﵂ -، وهو الذي قال: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]،
_________________
(١) فتح الباري (٣/ ١٣٨).
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٢٦٣).
(٣) فتح الباري (٣/ ١٣٨).
(٤) هو: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني أبو عثمان ثقة ثبت قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهري عن عروة عنها من الخامسة مات سنة بضع وأربعين ومائة. تقريب التهذيب (١/ ٣٧٣) (٤٣٢٤).
[ ٣٦٥ ]
وقال: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، ورجع يوم أحد بثلث العسكر إلى المدينة بعد أن خرجوا مع رسول الله - ﷺ -.
(لَمَّا تُوُفِي) قال الواقدي: مرض عبد الله بن أبي في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة سنة تسع منصرف رسول الله - ﷺ - من تبوك، وكان مرضه عشرين ليلة، وكان رسول الله - ﷺ - يعوده فيها؛ فلما كان اليوم الذي توفي فيه دخل عليه رسول الله - ﷺ - وهو يجود بنفسه، فقال: قد نهيتك عن حبِّ يهود، فقال: أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه، ثُمَّ قال يا رسول الله: ليس بحين عتاب! هو الموت، فإنَّ مِتُّ؛ فاحضر غسلي، وأعطني قميصك الذي يلي جسدك؛ فكفننِّي فيه، وصلّ علىَّ، واستغفر لي؛ ففعل ذلك به رسول الله - ﷺ - (^١).
وفي رواية عبد الرزاق عن معمر، والطبري مِنْ طَريقِ سعيد كلاهما عن قتادة، قال: أرسل عبد الله بن أبي إلى النَّبيِّ - ﷺ -؛ فلما دخل عليه قال: أهلكك حب يهود، قال يا رسول الله: إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبخني، ثُمَّ سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه (^٢).
قال الحافظ العسقلاني: وهو مرسل مع ثقة رجاله (^٣)، ويعضده ما أخرجه الطَّبراني مِنْ طَريقِ: الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: لما مرض عبد الله بن أبي جاره النَّبي - ﷺ - فقال: "امْنُنْ عَلَيَّ، فَكَفِّنِّي فِي قَمِيصِكَ وَصَلِّ عَلَيَّ" (^٤)، قال الحافظ العسقلاني: وكأنه أراد
_________________
(١) المغازي (٣/ ١٠٥٧).
(٢) تفسير عبد الرزاق، أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني (المتوفِي: ٢١١ هـ)، دراسة وتحقيق: د. محمود محمد عبده، دار الكتب العلمية- بيروت. الطبعة: الأولى، سنة ١٤١٩ هـ (٢/ ١٦١) (١١١٦) من طريق معمر، عن قتادة. وأخرجه الطبري في تفسيره "جامع البيان في تأويل القرآن" (١١/ ٦١٤) من طريق: بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة. قال الحافظ العسقلاني: وهو مرسل مع ثقة رجاله.
(٣) فتح الباري (٨/ ٣٣٤).
(٤) المعجم الكبير، عكرمة عن ابن عباس، (١١/ ٢٣٥) (١١٥٩٨) من طريق: عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، إسناده حسن فيه الحكم بن أبان، قال ابن حجر في "التقريب" (ص: ١٧٤) (١٤٣٨) صدوق عابد وله أوهام، وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٣٣) (١١٠٥١): رواه الطبراني، وفيه الحكم بن أبان، وثقه النسائي وجماعة، وضعفه ابن المبارك، وبقية رجاله رجال الصحيح.
[ ٣٦٦ ]
بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النَّبيِّ - ﷺ - عليه ووقعت إجابته على سؤاله على حسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- قال: وهذا /من أحسن الأجوبة المتعلقة بهذه القصة (^١).
[١١٩ أ/ص]
(جَاءَ ابْنُهُ) عبد الله بن عبد الله، وكان اسمه الحُباب بضم المهملة وتخفيف الموحدة، وفي آخره موحدة أيضًا؛ فسماه رسول الله - ﷺ - بعبد الله كاسم أبيه، وهو من فضلاء الصحابة وخيارهم، شهد المشاهد، واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق - ﵁ - (^٢) (إِلَى النَّبي - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية سقط لفظ يا رسول الله (^٣) (أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ) أي: أكفن عبد الله بن أبي فيه، وهو مجزوم على أنه جواب الأمر (وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ) ووقع عند الطبري مِنْ طَريقِ الشعبي لما احتضر عبد الله جاء ابنه إلى النَّبي - ﷺ - فقال: " يا نبي الله إنَّ أبي احتضر؛ فأحب أن تحضره وتصلي عليه" (^٤)، وكأنَّه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام؛ فلذلك التمس من النَّبيِّ - ﷺ - أن يحضر عنده ويصلي عليه، وقد سبق ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، والله أعلم.
(فَأَعْطَاهُ) أي: النَّبي - ﷺ - ابنه (قَمِيصَهُ) فإنْ قيل: ما الحكمة في دفع قميصه له، وهو كان رئيس المنافقين؟ فالجواب بأمور منها: أنه كان ذلك إكرامًا لولده، ومنها: أنه - ﷺ - ما سئل شيئًا فقال: لا، ومنها: أنه - ﷺ - قال: إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئًا، إني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب، فروى أنَّه أسلم من الخزرج ألف لما رواه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله - ﷺ - والصلاة عليه، وقال أكثر العلماء: إنما ألبسه قميصه مكافأة لما صنع في إلباس العباس عمِّ النَّبي - ﷺ - قميصه يوم بدر، وكان العباس - ﵁ - طوالًا؛ فلم يجدوا له قميصًا يصلح له إلا
_________________
(١) فتح الباري (٨/ ٣٣٤).
(٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، (٣/ ٩٤٠).
(٣) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (٢/ ٣٩١)
(٤) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (١١/ ٦٠٠) من طريق: الحسن، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن الشعبي، إسناده به موضع إرسال، وباقي رجاله ثقات.
[ ٣٦٧ ]
قميص ابن أبيِّ، فكافأه - ﷺ - بذلك كيلا يكون لمنافق عليه لم يكافئه عليها (^١)، وقال بعضهم: إن ذلك كان قبل نزول قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وأما قول المهلب: فعله - ﷺ - رجاء أن يكون معتقدًا لبعض ما كان يظهر من الإسلام فنفعه الله بذلك، فهفوة ظاهرة، وذلك أن الإسلام لا يتبعض، حقيقة؛ فإنَّ اعتقاد بعضه شرط في البعض الآخر والإخلال ببعضه إخلال بجملته (^٢)، وقد أنكر الله تعالى على من آمن بالبعض كما أنكر على من كفر بالكل بقوله -تعالى-: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠] (^٣).
[١٢٠ أ/س]
/فإنَّ قلت: هذا الحديث صريح في أنه - ﷺ - أعطى قميصه ابن عبد الله بن أبي، وفي رواية للبخاري: عن جابر - ﵁ -، على ما سيأتي أنه أخرج بعدما أدخل حفرته، فوضعه على ركبته، ونفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه، وكان أهل عبد الله بن أبي خشوا على النَّبي - ﷺ - المشقة في حضوره؛ فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النَّبيِّ - ﷺ -؛ فلما وصل ووجدهم قد دلُّوه في حفرته، أمر بإخراجه إنجاز الوعد في تكفينه في القميص والصلاة عليه، وأيضًا في رواية الواقدي: أن عبد الله بن أبي هو الذي أعطاه النَّبي - ﷺ - القميص.
فالجواب أن رواية الواقدي لا تقاوم رواية البخاري (^٤)، وأما التوفيق بين رواية ابن عمر ورواية جابر - ﵃ - فقيل: إن معنى قوله: في حديث ابن عمر - ﵄ -: فأعطاه، أي: وعد له بذلك، فأطلق على الوعد اسم العطية مجاز التحقق وقوعها، وقال ابن الجوزي: يجوز أن يكون أعطاه قميصين قميصًا لكفن، ثُمَّ أخرجه فألبسه غيره، والله أعلم (^٥).
_________________
(١) كشف المشكل من حديث الصحيحين، المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفِي: ٥٩٧ هـ)، المحقق: علي حسين البواب، دار الوطن - الرياض (٣/ ٣٥). وعمدة القاري (٨/ ٥٤).
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣/ ٢٦٢)، وفتح الباري (٨/ ٣٣٦).
(٣) إرشاد الساري (٢/ ٣٩١).
(٤) عمدة القاري (٨/ ٥٤).
(٥) كشف المشكل من حديث الصحيحين، (٣/ ٣٥).
[ ٣٦٨ ]
[٥٣ ب/ص]
(فَقَال) - ﷺ - (آذِنِّي) بالمد، وكسر الزال المعجمة، وتشديد النون: أمر من الإيذان، أي: أعلمني (^١) (أُصَلِّى عَلَيْهِ) بعدم الجزم على الاستئناف، ويروي / أصل بالجزم جوابًا للأمر (^٢) (فَآذَنَهُ) أي أعلمه ابنه (فَلَمَّا أَرَادَ) - ﷺ - (أَنْ يُصَلِّىَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ) بن الخطاب (- ﵁ -) بثوبه (فَقَالَ أَلَيْسَ اللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّىَ) أي: عن الصلاة (عَلَى الْمُنَافِقِينَ) فهم ذلك عمر - ﵁ - من قوله -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]؛ لأنه لم يتقدم نهي عن الصلاة على المنافقين بدليل أنَّه قال في آخر الحديث: فنزلت ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]، وفي تفسير براءة من وجه آخر عن عبيد لله، فقال: "تصلي عليه، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ " (^٣)، وقال الإسماعيلي: الاستغفار والدعاء يسمى صلاة (^٤).
[١٢٠ أ/ص]
(فَقَالَ) - ﷺ - (أَنَا بَيْنَ خِيْرَتَيْنِ) تثنية خيرة على وزن عنبة اسم من قولك: اختاره الله، أي: أنا مخير بين أمرين: هما الاستغفار، وعدمه؛ فأيهما أردت اختاره، وقال الداودي: هذا اللفظ أعني قوله: " أنا بين خيرتين" غير محفوظ؛ لأنه خلاف ما رواه أنس - ﵁ -، وأرى رواية أنس هي المحفوظة، لأنه قال هنا: "أليس نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ "، ثُمَّ قال: فنزلت ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية، جعل النهي بعد قوله: " أليس الله نهاك" (^٥)؟ فيكون النهي نازلًا على رأي عمر/ - ﵁ - هذا، وقد مرَّ أن عمر - ﵁ - فهم ذلك النهي من قوله -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] (قَالَ) الله -تعالى- وهو بيان لقوله: أنا بين خيرتين (﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾).
قال: البيضاوي يريد التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة، كما نصَّ عليه بقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، روى أنَّه - ﷺ - قال: إن الله قد رخص لي فلأستغفرنَّ لهم أكثر
_________________
(١) تهذيب اللغة (١٥/ ١٥).
(٢) إرشاد الساري (٢/ ٣٩١).
(٣) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن باب قوله: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره﴾ [التوبة: ٨٤] (٦/ ٦٨)، (٤٦٧٢).
(٤) عمدة القاري (٨/ ٥٥).
(٥) عمدة القاري (٨/ ٥٥).
[ ٣٦٩ ]
من سبعين، ففهم - ﷺ - من السبعين العدد المخصوص؛ لأنه الأصل، فنزلت: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، فتركه (^١).
فإنَّ قيل: كيف خفِي على رسول الله - ﷺ -، وهو أفصح العرب، وأخبرهم بأساليب الكلام، وتمثيلاته، والذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار، كيف، وقد تلاه بقوله ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله؛ فبين الصارف عن المغفرة لهم حتَّى قال: قد رخص لي؛ فسأزيد على السبعين؟
فالجواب: أنه لم يخف عليه ذلك، ولكنه خُيِّلَ بما قل إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه، كقول إبراهيم - ﵇ -: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم: ٣٦] وفي إظهار النَّبي - ﷺ - الرأفة والرحمة لطفًا لأمته ودعاءً لهم إلى ترحم بعضهم على بعض، والله أعلم (^٢).
وكذا الجواب عن الإشكال بأنَّه - ﷺ - كيف استغفر بعد قوله -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]، وهو متقدم على الآية التي فهم منها التخيير؛ فإنَّه نزل بعد موت أبي طالب حين قال - ﷺ -: "والله لأستغفرن لك مالم أُنْهَ عنه"، ومحصل الجواب أن المنهي عنه استغفار مرجو الإجابة حتَّى يكون المقصود تحصيل المغفرة لهم، كما في أبي طالب بخلاف استغفاره للمنافقين؛ فإنه استغفار قصد به تطييب قلوب المؤلفة قلوبهم (^٣).
(فَصَلَّى) - ﷺ - (عَلَيْهِ) أي: على عبد الله بن أبي (فَنَزَلَتْ) آية ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] لأنَّ الصلاة دعاء للميت واستغفار له، وهو ممنوع في حق الكافر، وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه، ونهي عن الصلاة؛ لأنَّ الضنة بالقميص مخلٌّ بالكرم، وزاد أبو ذر في روايته: ولا تقم على قبره، أي: ولا تقف على قبره للدفن أو الزيارة (^٤).
وفي الحديث: جواز التكفين في القميص سواء كان القميص مكفوف الأطراف أو لا، ومنهم من قال: لا يجوز إلا إذا كانت أطرافه غير مكفوفة، أو كان غير مزرر؛ ليشبه الرداء وردَّ البخاري
_________________
(١) التوضيح (٩/ ٤٨٤)، وعمدة القاري (٨/ ٥٥).
(٢) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٢/ ٢٥٥).
(٣) فتح الباري (٨/ ٣٣٩)، وإرشاد الساري (٢/ ٣٩٢).
(٤) إرشاد الساري (٢/ ٣٩٢).
[ ٣٧٠ ]
ذلك بالترجمة المذكورة، وفي الخلافيات للبيهقي مِنْ طَريقِ ابن عون قال: كان محمد بن سيرين يستحب أن يكون قميص الميت كقميص الحي مكففًا مزررًا (^١)،
[١٢١ أ/س]
وفيه أيضًا: النهي عن الصلاة على الكافر الميت وهل يجوز غسله وتكفينه ودفنه أو لا؟ فقال ابن التين: من مات له والد كافر لا يغسله ولده المسلم، ولا يدخله قبره؛ إلا أنْ يخاف أن يضيع؛ /فيواريه نص عليه مالك في المدونة (^٢)، وروى أن عليًا - ﵁ - جاء إلى رسول الله - ﷺ -؛ فأخبره أن أباه مات فقال: "اذهب فواره" (^٣)، ولم يأمره بغسله، وروى أنه أمر بغسله، ولا أصل له كما قال القاضي عبد الوهاب (^٤).
وقال الطبري: يجوز أنْ يقوم على قبر والده الكافر لإصلاحه ودفنه، قال: وبذلك صح الخبر، وعمل به أهل العلم (^٥)، وقال ابن حبيب: لا بأس أن يحضره ويلى أمر تكفينه؛ فإذا كفن دفنه (^٦).
_________________
(١) فتح الباري (٣/ ١٣٩)،
(٢) المدونة (١/ ٢٦١).
(٣) سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب: الرجل يموت له قرابة مشرك (٣/ ٢١٤)، (٣٢١٤) عن طريق: مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، حدَّثني أبو إسحاقَ، عن ناجيةَ بن كعْبٍ، عن علي، وأخرجه النسائي في "سننه الصغرى"، كتاب الطهارة، الغسل من مواراة المشرك (١/ ١١٠)، (١٩٠) عن طريق: محمد بن المثنى، عن محمد قال: حدثني شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت ناجية بن كعب، عن علي ﵁. إسناده صحيح رجاله ثقات عدا ناجية بن كعب العنزي، قال ابن حجر في "التقريب" (ص: ٥٥٧) (٧٠٦٥). ناجية ابن كعب الأسدي عن علي ثقة، وهم من خلطه بناجية بن خُفاف وهو مقبول.
(٤) التلقين في الفقه المالكي، أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفِي: ٤٢٢ هـ)، تحقيق، أبي أويس محمد بوخبزة الحسني التطواني، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م (١/ ٥٦). والتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفِي: ٨٥٢ هـ) دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ. ١٩٨٩ م (٢/ ٢٧٠).
(٥) تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفِي: ٣١٠ هـ)، المحقق: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني - القاهرة، مسند عمر بن الخطاب (٢/ ٥١٧)، (٧٤٥).
(٦) النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ، (١/ ٦٦٣).
[ ٣٧١ ]
وقال صاحب "الهداية": وإن مات الكافر، وله ابن مسلم يغسله ويكفنه ويدفنه، بذلك أمر علىٌّ - ﵁ - في حق أبيه أبي طالب (^١)، وهذا أخرجه ابن سعد في "الطبقات"؛ فقال: أخبرنا محمد بن عمر الواقدي، حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد بن رافع، عن أبيه، عن جده، عن عليٍّ - ﵁ - قال: لما أخبرت رسول الله - ﷺ - بموت أبي طالب بكى، ثُمَّ قال لي: اذهب فاغسله وكفنه وواره"، قال: ففعلتُ ثُمَّ أتيته، فقال لي: اذهب فاغتسل، قال: وجعل رسول الله - ﷺ - يستغفر له أيامًا، ولا يخرج من بيته حتَّى نزل جبريل - ﵇ - بهذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآية (^٢).
[٥٤ ب/س]
وقال صاحب "الهداية": لكن يغسل غسل الثوب النجس، ويلفف في خرقة من غير مراعاة سنة التكفين من اعتبار عدد وغير حنوط (^٣)، وبه قال الشافعي (^٤)، وقال مالك وأحمد: ليس لولي الكافر غسله ولا دفنه (^٥)، ولكن قال مالك: له موارته (^٦)، ويستوي في ذلك: الذمي،
والمعاهد، والمستأمن بخلاف الحربي والمرتد الزنديق؛ إذ لا حرمة لهم، وقد ثبت أمره - ﷺ - بإلقاء/ قتلى بدر في القليب بهيئتم.
وفيه أيضًا فضيلة عمر - ﵁ -، وفي قوله - ﵁ -: "أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين؟ " جواز الشهادة على الإنسان بما فيه في الحياة والموت عند الحاجة، وإن كانت مكروهة، وفيه أيضًا: جواز المسألة للشيء تبركًا.
_________________
(١) الهداية في شرح بداية المبتدي (١/ ٩١)
(٢) الطبقات الكبرى، أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء، البصري، البغدادي المعروف بابن سعد (المتوفِي: ٢٣٠ هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ- ١٩٩٠ م (١/ ٩٩)، إسناد فيه متروك الحديث وهو محمد بن عمر الواقدي، كما ذكره العسقلاني في تقريب التهذيب (ص: ٤٩٨) (٦١٧٥).
(٣) الهداية في شرح بداية المبتدي (١/ ٩١)
(٤) الأم (١/ ٣٠٣).
(٥) المدونة (١/ ٢٦١). المغني (٢/ ٣٩٣).
(٦) المدونة (١/ ٢٦١).
[ ٣٧٢ ]
وهذا الحديث: أخرجه المؤلف في "اللباس"، و"التفسير" أيضًا، وأخرجه مسلم أيضًا في "اللباس"، و"التوبة"، والتِّرْمِذِي في "التفسير"، وكذا النسائي فيه وفي الجنائز، وكذا ابن ماجه (^١).
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ - ﵀ -:
١٢٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إسماعيل، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عن عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًارضي الله عنه- قَالَ: أَتَى النَّبيَّ - ﷺ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ.
قَالَ الشَّارِحُ - ﵀ -:
(حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إسماعيل) بن زياد النهدي الكوفي (^٢) (قال: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو سفيان بن عيينة (^٣) (عن عَمْرٍو) هو ابن دينار (سَمِعَ جَابِرًا) هو ابن عبد الله الأنصاري - ﵁ - (قَالَ أَتَى
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن في القميص الذي يكف أولا يكف، ومن كفن بغير قميص (٢/ ٧٦)، (١٢٦٩)، وكتاب تفسير القران، باب قوله: ﴿استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠] (٦/ ٦٧)، (٤٦٧٠). وكتاب اللباس، باب لبس القميص (٧/ ١٤٣)، (٥٧٩٦). *صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه (٤/ ١٨٦٥)، (٢٤٠٠)، وكتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٤/ ٢١٤١)، (٢٧٧٤)، *سنن التِّرْمِذِي، أبواب التفسير، باب: ومن سورة التوبة (٥/ ٢٧٩)، (٣٠٩٧). * السنن الكبرى للنسائي، كتاب الجنائز، باب القميص في الكفن (٢/ ٤١١)، (٢٠٣٨) وكتاب التفسير، سورة التوبة (١٠/ ١١٧)، (١١١٦٠). *سنن ابن ماجة، كتاب الجنائز، باب في الصلاة على أهل القبلة (١/ ٤٨٧)، (١٥٢٣).
(٢) هو: مالك ابن إسماعيل النهدي أبو غسان الكوفي سبط حماد ابن أبي سليمان ثقة متقن صحيح الكتاب عابد من صغار التاسعة مات سنة سبع عشرة ومائتين. تقريب التهذيب (ص: ٥١٦) (٦٤٢٤).
(٣) هو: سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي، ثم المكي ثقة حافظ فقيه، إمام حجة، إلا أنه تغير حفظه بأخرة، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، وكان أثبت الناس في عمرو ابن دينار مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، تقريب التهذيب (ص: ٢٤٥) (٢٤٥١).
[ ٣٧٣ ]
النَّبي - ﷺ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ) بالنصب مفعول أتى (بَعْدَ مَا دُفِنَ)، /وهذا يدل على أنه - ﷺ - ما جاء إلا بعد أن دفنوه؛ فلذلك قال (فَأَخْرَجَهُ) أي: من قبره، وقد مر فيما سبق أن أهل عبد الله بن أبي خشوا على النَّبيِّ - ﷺ - المشقة في حضوره؛ فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النَّبيِّ - ﷺ -.
[١٢١ أ/ص]
(فَنَفَثَ فِيهِ) أي: في جلده (مِنْ رِيقِهِ) وفي تفسير الثعلبي: لما مات عبد الله بن أبي انطلق ابنه ليؤذن به النَّبي - ﷺ -؛ فقال له ما اسمك؟ قال الحباب: قال: أنت عبد الله والحباب شيطان، ثُمَّ شهده النَّبي - ﷺ -، ونفث في جلده ودلاه في قبره، فما لبث النَّبي - ﷺ - إلا يسيرا حتَّى نزل عليه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] الآية (^١).
وفي تفسير أبي بكر بن مردويه من حديث ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس - ﵄ -، عن عمر - ﵁ - جاء عبد الله بن عبد الله؛ فقال يا رسول الله: إن عبد الله قد وضع موضع الجنائز؛ فانطلق، فصلى عليه (^٢).
(وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ) قد مر في حديث ابن عمر - ﵄ - ما يتعلق بهذا من المباحث، وفي الحديث: جواز إخراج الميت من قبره لحاجة، وفي "التوضيح" لابن الملقن، وهو دليل لابن القاسم الذي يقول بإخراجه إذا لم يصل عليه للصلاة ما لم يخش التغيير، وقال ابن وهب: إذا سُوي عليه التراب فات إخراجه، وقاله يحيى بن يحيى أيضًا (^٣).
وقال أشهب: إذا أهيل عليه التراب فات إخراجه، ويصلى عليه في قبره (^٤)، وفي "المبسوط" و"البدايع" لو وضع الميت في قبره لغير القبلة، أو على شقة الأيسر، أو جعل رأسه في موضع رجليه، وأهيل عليه التراب لا ينبش قبره لخروجه من أيديهم؛ فإنَّ وضع اللبن ولم يهل التراب عليه ينزع اللبن
_________________
(١) الكشف والبيان عن تفسير القرآن، أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق (المتوفِي: ٤٢٧ هـ)، تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى ١٤٢٢، هـ- ٢٠٠٢ م (٥/ ٧٩).
(٢) عمدة القاري (٨/ ٥٦)، إسناده حسن رجاله ثقات عدا ابن إسحاق القرشي، قال ابن حجر في "التقريب" (ص: ٤٦٧) (٥٧١٣): وهو صدوق يدلس.
(٣) التوضيح (٩/ ٤٨٦).
(٤) النَّوادر والزِّيادات (١/ ٦٣٠).
[ ٣٧٤ ]
ويراعي السنة في وضعه، ويغسل -إن لم يكن غسل (^١) -، وهو قول أشهب، ورواية ابن نافع، عن مالك (^٢)، وقال الشافعي: يجوز نبشه إذا وضع لغير القبلة (^٣).
وأما نقل الميت من موضع إلى موضع: فكرهه جماعة وجوزه آخرون، فقال: إن نُقِلَ ميلًا أو ميلين؛ فلا بأس به (^٤)، وقيل: ما دون السفر، وقيل: لا يكره السفر أيضًا، وعن عثُمَّان - ﵁ -، أنه أمر بقبور كانت عند المسجد أن تحول إلى البقيع، وقال: توسعوا في مسجدكم، وعن محمد أنه إثْم ومعصية.
[١٢٢ أ/س]
وقال المازري: ظاهر مذهبنا جواز نقل الميت من بلد إلى بلد (^٥)، وقد مات سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بالعقيق، ودفنا بالمدينة (^٦)، وفي "الحاوي"قال الشافعي: لا أحب نقله إلا أن يكون بقرب مكة، أو المدينة، أو بيت المقدس؛ فاختار أن ينقل إليها /لفضل الدفن فيها (^٧).
وقال البغوي والبندنيجي: يكره نقله (^٨)، وقال القاضي حسين والدارمي: يحرم نقله، قال النووي: هذا هو الأصح (^٩)، ولم ير أحمد بأسًا أن يحول (^١٠) الميت من قبره إلى غيره، وقال: قد نبش معاذ امرأته، وحول طلحة، وخالف الجماعة في ذلك (^١١).
_________________
(١) المبسوط (٢/ ٧٤) وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي (المتوفِي: ٥٨٧ هـ)، دار الكتب العلمية، الطبعة: الثانية، ١٤٠٦ هـ- ٩٨٦ م (١/ ٣١٩).
(٢) النَّوادر والزِّيادات (١/ ٦٣٠)
(٣) الأم (١/ ٣٠٩).
(٤) المحيط البرهاني (٥/ ٣٥٩).
(٥) شرح التلقين، أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التَّمِيمي المازري المالكي (المتوفِي: ٥٣٦ هـ)، المحقق: سماحة الشيخ محمَّد المختار السّلامي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، ٢٠٠٨ م (١/ ١٢٠١).
(٦) عمدة القاري (٨/ ٥٦)
(٧) الحاوي (٣/ ٢٦).
(٨) شرح السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفِي: ٥١٦ هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط-محمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي- دمشق، بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٣ هـ- ١٩٨٣ م (٥/ ٤٦٦).
(٩) المجموع (٥/ ٣٠٣).
(١٠) [يحول] في ب.
(١١) المغني (٢/ ٢٨١).
[ ٣٧٥ ]
(تتمة) وفي التلويح لمغلطاي كان البخاري فهم من قول جابر: - ﵁ - فأخرجه بعد دفنه، وألبسه قميصه أنه كان دفن بغير قميص، فلهذا بوَّب: ومن كُفِّن في غير قميص. انتهى.
وهذا بناء على الترجمة التي في نسخته التي ادعى أنها كذلك في نسخة سماعه، حيث قال: باب الكفن في القميص، ومن كفن بغير قميص، وقال: كذا في نسخة سماعنا، وهذا ويجوز أن يكون أعطاه قميصين، ويجوز أيضًا أن يكون خلع عنه القميص الذي كُفِّنَ فيه، وألبسه قميصه - ﷺ -، والله -تعالى- أعلم (^١).
ثُمَّ إنه أخرج هذا الحديث البخاري في "اللباس" و"الجهاد" أيضًا، وأخرجه مسلم في "التوبة"، والنسائي في "الجنائز" أيضًا. (^٢)
_________________
(١) عمدة القاري (٨/ ٥٦).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن في القميص الذي يكف أولا يكف، ومن كفن بغير قميص (٢/ ٧٢)، (١٢٧٠). وكتاب الجهاد، باب الكسوة للأسارى (٤/ ٦٠)، (٣٠٠٨). وكتاب اللباس، باب لبس القميص (٧/ ١٤٣)، (٥٧٩٥). *صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٤/ ٢١٤٠)، (٢٧٧٣). *سنن النسائي المجتبى، كتاب الجنائز، باب القميص في الكفن (٤/ ٣٧)، (١٩٠١).
[ ٣٧٦ ]