قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ - ﵀ -:
١٢٧٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ حَدَّثَنَا خَبَّابٌ - ﵁ - قَالَ هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِىِّ - ﷺ - نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا. قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إلَّا بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِىُّ - ﷺ - أَنْ نُغَطِّىَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ. (^١).
-
قَالَ الشَّارِحُ - ﵀ -:
[٥٥ ب/ص]
(بابٌ) بالتنوين، أي: هذا باب يذكر فيه (إِذَا لَمْ يَجِدْ) مَن يتولّى أمر الميت (كَفَنًا إلَّا مَا يُوَارِى) أي: يستر (رَأْسَهُ) مع بقية جسده، إلا قدميه (أو) يواري (قَدَمَيْهِ) مع بقية جسده إلا رأسه، كأنّه قال: ما يوارى جسده إلا رأسه، أو ما (^٢) يواري /جسده إلا قدميه، ومعنى حديث الباب يقتضي ذلك التفسير؛ لأنّه إذا لم يوار إلا رأسه أو قدميه فقط كان تغطية عورته أحق (^٣) والله أعلم.
[١٢٥ أ/س]
/ (غَطَّى رَأْسَهُ) ويروى: " غطى به" أي بذلك الكفن "رأسه".
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب: إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إلَّا مَا يُوَارِى رَأْسَهُ أَوْ قَدَمَيْهِ غَطَّى رَأْسَهُ (٢/ ٧٧)، (١٢٧٦).
(٢) [قال ما يوارى جسده إلا رأسه أو] سقط من ب.
(٣) فتح الباري (٣/ ١٤٢).
[ ٣٩٠ ]
(حَدَّثَنَا عُمَرُ) بضم العين: (بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بن طلق بن معاوية، أبو حفص النخعيّ، (قال: حَدَّثَنَا أَبِى) حفص بن غياث، (قال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، (قال: حَدَّثَنَا شَقِيق) بفتح المعجمة وبالقافين: أبو وائل بن سلمة الأسدي، (قال: حَدَّثَنَا خَبَّابٌ) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة، وفي أخره موحدة أيضًا، هو: ابن الأرت، بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية، أبو يحيى، ويقال: أبو عبد الله (^١)، وقدر مر في باب: رفع البصر إلى الإمام - ﵁ -.
ورجال هذا الإسناد كلهم كوفيون، وفيه: رواية الابن عن الأب، وفيه: رواية التابعي عن التابعي.
وقد أخرج متنه المؤلف في (الهجرة)، وفي (الرقاق)، وفي (المغازي) أيضًا، وأخرجه مسلم في (الجنائز)، وأبو داود في (الوصايا) مختصرًا، والترمذي في (المناقب)، والنسائي في (الجنائز) -أيضًا (^٢).
(قَالَ هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِىِّ - ﷺ -) والمراد بالمعيّة: الاشتراك في الحكم الإلهي إذ لم يكن معه - ﷺ - حينئذ إلا أبو بكر وعامر بن فهيرة - ﵄ -.
(نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ) أي: ذاته لا الدنيا، والجملة حالية، (فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ) وفي رواية: " وجب أجرنا على الله" أي: وجوبًا شرعيًا بما وعد بقوله الصدق، لا وجوبًا عقليًا إذ لا يجب على الله شيء (^٣).
_________________
(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٢/ ٤٣٧) (٦٢٨).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب: إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إلَّا مَا يُوَارِى رَأْسَهُ أَوْ قَدَمَيْهِ غَطَّى رَأْسَهُ (٢/ ٧٧)، (١٢٧٦). وكتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة (٥/ ٥٦)، (٣٨٩٨). وكتاب المغازي، باب غزوة أحد (٥/ ٩٥)، (٤٠٤٧). وكتاب الرقائق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها (٨/ ٩٢)، (٤٠٤٧). *صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب في كفن الميت (٢/ ٦٤٩)، (٩٤٠). * سنن أبي داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الدليل على أن الكفن من جميع المال (٣/ ١١٦)، (٢٨٧٦). * سنن الترمذي، أبواب المناقب، باب مناقب مصعب بن عمير ﵁ (٥/ ٦٩٢)، (٣٨٥٣). * السنن الصغرى للنسائي، كتاب الجنائز، القميص في الكفن (٤/ ٣٨)، (١٩٠٣).
(٣) عمدة القاري (٨/ ٦٠).
[ ٣٩١ ]
(فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا) يعني: لم يكسب من الدنيا شيئًا من الغنائم التي تناولها من إدراك الفتوح، بل قصر نفسه عن شهواتها؛ لينالها موفّرة في الآخرة، (مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، يجتمع مع النبيّ - ﷺ - في قصي.
(وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ) بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية، وفتح النون، أي: أدركت ونضجت (لَهُ ثَمَرَتُهُ) وفي: رواية ثمرة بدون الضمير.
يقال: نِيع الثمر ينيع نيعًا وينوعًا فهو يانع، وكذلك أينع، وثمر ينيع أي: نضيج (^١)، وقال الفرّاء: أينع أكثر من ينع، وقال القزاز: يونع أيناعًا فهو مونع، وقال الجوهري: جمع اليانع ينع مثل صاحب وصحب (^٢).
(فَهُوَ يَهْدِبُهَا) بفتح المثناة التحتيّة وسكون الهاء وكسر الدال المهملة وضمّها، وجوّز فتحها أيضًا وبالموحّدة أي: يجتنيها، وقال ابن سيده: هدب الثمرة يهدبها هدبًا اجتباها (^٣)، وعبّر بالمضارع؛ ليفيد استمرار الحال الماضية والآتية، واستحضارًا له في مشاهدة السامع.
[١٢٥ أ/ص]
(قُتِلَ) أي: مصعب - ﵁ - (يَوْمَ أُحُدٍ) /والذي قتله هو: عبد الله بن قمئة، عن نيف وأربعين سنة، والجملة استينافية.
(فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ) وزاد أبو ذر: "به" (^٤). (إِلَاّ بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غَطَّيْنَا) بها (رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ) لقصرها.
(فَأَمَرَنَا النَّبِىُّ - ﷺ - أَنْ نُغَطِّىَ رَأْسَهُ) بطرف البردة (وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ) بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة وفي آخره راء.
_________________
(١) جمهرة اللغة، [نعى] (٢/ ٩٥٥). ولسان العرب [فصل الياء] (٨/ ٤١٥).
(٢) الصحاح [ينع] (٣/ ١٣١٠).
(٣) المحكم المحيط، مقلوبه: (هـ ب د)، (٤/ ٢٧٠).
(٤) إرشاد الساري (٢/ ٣٩٤).
[ ٣٩٢ ]
قيل: هو نبت بمكة، قيل: والحق أنّه ليس بمخصوص بمكة، بل هو: نبت حجازيّ طيب الرائحة ينبت بأرض الحجاز في السهول، والحزون وإذا جفّ أبيضّ، وذكر أبو حنيفة في كتاب "النبات": أن له أصلًا مندفن، وله قضبان دقاق، دفر الريح، وهو مثل الأسل أسل الكولان يعني: الذي يعمل منه الحُصُر، إلا أنّه أعرض وأصغر كعوبًا، وله ثمرة كأنها مكاسح القصب، إلا أنّه أرقّ وأصغر، وله كعوب كثيرة (^١).
قال ابن بطال: وفي الحديث: أن الثوب إذا ضاق فتغطيه رأس الميت ولى من رجليه؛ لأنّه أفضل، وفيه: بيان ما كان عليه صدر هذه الأمة.
وفيه: أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار ودرجات الأخيار، وفيه: أن الثوب إذا ضاق عن تغطية رأسه وعورته، غطيت بذلك عورته وجعل على سائر بدنه من الإذخر؛ لأن ستر العورة واجب في الحياة والموت، والنظر إليها ومباشرتها باليد محرم إلا من حل له من الزوجين، كذا قال المهلب (^٢).
وقال العينيّ: هذا عند من يقول: أنّ الكفن يكون ساترًا لجميع البدن، وأنّ الميت يصير كله عورة، ومذهبنا أنّ الآدمي محترم حيًا وميتًا، فلا يحل للرجال غسل النساء ولا للنساء غسل الرجال الأجانب بعد الوفاة (^٣).
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنّ الميّت يؤزر بإزار سابغ، كما يفعله في حياته إذا أراد الاغتسال، وفي ظاهر الرواية: يشق عليهم غسل ما تحت الإزار، فيكتفي بستر العورة الغليظة بخرقة (^٤).
وفي البدائع: يغسل عورته تحت الخرقة بعد أن يلف على يديه خرقة، ويستنجي عند أبي حنيفة، كما كان يفعله في حال حياته، وعندهما لا يستنجي (^٥).
_________________
(١) تاج العروس [ذخر] (١١/ ٣٦٤).
(٢) شرح صحيح البخارى لابن بطال (٣/ ٢٦٦).
(٣) عمدة القاري (٨/ ٦١).
(٤) المبسوط للسرخسي (٢/ ٥٩).
(٥) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٣٠٠).
[ ٣٩٣ ]
[١٢٦ أ/س]
وفي المحيط، والروضة: لا يستنجي عند أبي يوسف (^١)، وفهم من هذا كلّه أنّ الميت لا يصير كلّه عورة، /وإنّما يعتبر حاله حال حياته، وفي حال حياته عورته من السرة إلى الركبة، والركبة، عورة عندنا، وهذا هو الأصل في الميت أيضًا ولكن يكتفي بستر العورة الغليظة وهي القبل والدبر تخفيفًا، وهو الصحيح من المذهب، وبه قال مالك وكره في المدونة (^٢).
_________________
(١) المحيط البرهاني (٢/ ١٥٥).
(٢) المدونة (١/ ٢٦٠).
[ ٣٩٤ ]