ش: أي هذا باب في بيان كيفية التطوع بعد صلاة الجمعة، والمناسبة بين البابين ظاهرة.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﵇ -: "مَنْ كان مُصلّيًا منكم بعد الجمعة فليصلّ أربعًا".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وسفيان هو ابن عُيَيْنة، وأبو صالح اسمه ذكوان الزيات المدني، روى له الجماعة.
وأخرجه مسلم (١): حدثني زهير بن حرب، قال: نا جرير.
ونا عمرو الناقد وأبو كريب، قالا: نا وكيع، عن سفيان، كليهما عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﵇ -: "مَنْ كان منكم مصلّيًا بعد الجمعة فليصلّ أربعًا".
وليس في حديث جرير "منكم"، وفي لفظٍ له: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا"، وفي لفظٍ آخر: "إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعًا".
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا أحمد بن يونس، نا زهير، ونا محمَّد بن الصباح البزاز، نا إسماعيل بن زكرياء، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺقال ابن الصباح-: "مَنْ كان مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا" وتمّ حديثه -وقال ابن يونس-: "إذا صليتم الجمعة فصلوا بعدها أربعًا".
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٢/ ٦٠٠ رقم ٨٨١).
(٢) "سنن أبي داود" (١/ ٢٩٤ رقم ١١٣١).
[ ٥ / ٣٨٤ ]
وأخرجه الترمذي (١) والنسائي (٢) وابن ماجه (٣).
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند بعض أهل العلم.
فإن قيل: ينبغي أن يكون هذا واجبًا؛ لوجود الأمر.
قلت: نبّه - ﵇ - على عدم الوجوب بقوله: "مَنْ كان منكم مُصلِّيًا" وهو القرينة الصارفة عن الوجوب فيكون سنة.
ص: قال أبو جعفر -﵀-: فذهب قوم إلى أن التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه هو أربع ركعات لا يُفصل بينهن بسلام، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا حنيفة ومحمدًا وأحمد في رواية وإسحاق، فإنهم قالوا: السنة بعد صلاة الجمعة أربع ركعات، ويحكى ذلك عن ابن مسعود وإبراهيم النخعي، وقال القاضي عياض: قال أبو حنيفة وإسحاق: يصلي أربعًا لا يفصل بينهن بسلام.
قوله: "واحتجوا في ذلك بهذا الحديث" أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة - ﵁ -.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه: ركعتان كالتطوع بعد الظهر.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مالكًا وأحمد في رواية ويحيى بن يحيى والزهري؛ فإنهم قالوا: بل التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه ركعتان. ويحكى ذلك عن ابن عمر.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٢/ ٣٩٩ رقم ٥٢٣).
(٢) "المجتبى" (٣/ ١١٣ رقم ١٤٢٦).
(٣) "سنن ابن ماجه" (١/ ٣٥٨ رقم ١١٣٢).
[ ٥ / ٣٨٥ ]
وقال عياض: أخذ مالك برواية ابن عمر وجعله في الإِمام أشدّ، ووسَّع لغيره في الركوع في المسجد مع استحبابه أن لا يفعلوا، ووجه ذلك أن لا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهرًا أربعًا، أو يظن جاهل ممَّنْ رآه يتنفل بعدها بركعتين أنها ظهرٌ.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بشْرٍ الرَقّى، قال: ثنا حجاج بن محمَّد، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﵇ -: "أنه كان لا يصلي الركعتين بعد الجمعة إلا في بيته".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارِمٌ، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -: "رأى رجلًا يصلي ركعتين بعد الجمعة فدفعه وقال: أتصلي الجمعة أربعًا؟ قال: وكان ابن عمر يصلي الركعتين في بيته ويقول: هكذا فعل النبي - ﵇ -".
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عمر - ﵄ -.
وأخرجه من وجهين صحيحين:
أحدهما: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقّي، عن حجاج بن محمَّد المصيصي الأعور روى له الجماعة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني روى له الجماعة، عن نافع إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا الحسن بن علي، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: "كان رسول الله - ﵇ - يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته".
وأخرجه الترمذي (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وليس في حديثه: "في بيته".
_________________
(١) "سنن أبي داود" (١/ ٢٥٩ رقم ١١٣٢).
(٢) "جامع الترمذي" (٢/ ٣٩٩ رقم ٥٢٣).
(٣) "المجتبى" (٣/ ١١٣ رقم ١٤٢٨).
(٤) "سنن ابن ماجه" (١/ ٣٥٨ رقم ١١٣٠).
[ ٥ / ٣٨٦ ]
وأخرجه مسلم (١): عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: "أنه وصف تطوع صلاة النبي - ﵇ - فقال: وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلّي ركعتين في بيته".
والآخر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عارم -وهو محمَّد بن الفضل السَّدُوسي البصري شيخ البخاري- عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن نافع إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٢): حدثنا محمَّد بن عبيد وسليمان بن داود -المعنى- قالا: ثنا حماد بن زيد، نا أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر - ﵄ - رأى رجلًا يصلي ركعتين يوم الجمعة في مقامه، فدفعه وقال: أتصلي الجمعة أربعًا؟ وكان عبد الله يصلي ركعتين يوم الجمعة في بيته ويقول: هكذا فعل رسول الله - ﵇ -".
قلت: وإنما أنكر ابن عمر على ذلك الرجل لأنه أوصل الركعتين بالجمعة من غير فصل بكلام ونحوه، ولأنه خالف فعل الرسول - ﵇ - في زعمه؛ لأنه كان يصلي الركعتين بعد الجمعة في بيته ويقول هكذا فعل رسول الله - ﵇ -.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه ستٌ، أربعٌ ثم ركعتان.
ش: أي خالف الفريقن المذكررَيْن جماعة آخرون؛ وأراد بهم: عطاء ومجاهدًا وحميد بن عبد الرحمن والثوري والشافعي وأبا يوسف، فإنهم قالوا: التطوع بعد الجمعة الذي لا ينبغي تركه ست ركعات، أربع بتسليمة، ثم ركعتان بعدها، ويحكى ذلك عن علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري.
ص: وقالوا: قد يحتمل أن يكون النبي - ﵇ - قال ما رواه عنه أبو هريرة أولًا، ثم فعل ما رواه عنه ابن عمر، فكان ذلك زيادة فيما تقدم من قوله، والدليل على ما ذهبوا إليه من ذلك:
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٢/ ٦٠٠ رقم ٨٨٢).
(٢) "سنن أبي داود" (١/ ٢٩٤ رقم ١١٢٧).
[ ٥ / ٣٨٧ ]
أن سليمان بن شعيب حدثنا، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عطاء -قال أبو إسحاق: حدثني غير مرة- قال: "صليت مع ابن عمر يوم الجمعة، فلما سلم قام فصلّى ركعتين، ثم قام فصلى أربع ركعات، ثم انصرف".
فهذا ابن عمر - ﵄ - قد كان يتطوع بعد الجمعة بركعتين، ثم أربع، فيحتمل أن يكون فعل ذلك لما كان قد ثبت عنده من قول النبي - ﵇ - في ذلك وفعله، على ما ذكرناه.
ش: أي قال هؤلاء الآخرون، وهذه إشارة إلى الجواب عن حديث أبي هريرة والتوفيق بين الأحاديث، بيانه: أن حديث ابن عمر - ﵄ - يَحْتملُ أن يكون متأخرًا عن حديث أبي هريرة، مشتملًا عليه وعلى زيادة؛ فيجب قبولها والعمل بها.
والدليل على هذا التوفيق: ما قاله عطاء بن أبي رباح أنه قال: "صليت مع ابن عمر يوم الجمعة، فلما سلم قام، فصلى ركعتين، ثم قام فصل أربع ركعات، ثم انصرف" ففعله هذا يدلُّ على أنه قد ثبت عنده ذلك من قول النبي - ﵇ - وفعله.
ثم إنه أخرج حديث عطاء هذا عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن ابن زياد الثقفي الرصاصي، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عطاء. وهؤلاء كلهم ثقات.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عطاء قال: "كان ابن عمر - ﵄ - إذا صلَّى الجمعة صلَّى بعدها ست ركعات، ركعتين ثم أربعًا".
ص: وقد روي عن علي - ﵁ - مثل ذلك: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن أبي حَصِين، عن أبي عبد الرحمن، عن علي - ﵁ - أنه قال: "مَنْ كان مصليًا بعد الجمعة فليصل ستًّا".
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٤٦٤ رقم ٥٣٧٠).
[ ٥ / ٣٨٨ ]
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن قال: "علّم ابن مسعود الناس أن يُصلُّوا بعد يوم الجمعة أربعًا، فلما جاء عليٌّ - ﵁ - علمهم أن يُصلُّوا ستًّا".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي قال: "قدم علينا عبد الله، فكان يُصلّي بعد الجمعة أربعًا، فقدم بعده عليٌّ - ﵁ - فكان إذا صلّى الجمعة صلى بعدها ركعتين وأربعًا، فأعجبنا علي - ﵁ - فاخترناه".
ش: أي قد روي عن علي بن أبي طالب مثل ما روي عن عبد الله بن عمر من فعل التطوع بعد الجمعة بستّ ركعاتٍ.
وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن أبي حَصِين بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، واسمه عثمان بن عاصم الكوفي، روى له الجماعة، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُّلمي الكوفي القاري ولأبيه صحبة، روى له الجماعة.
وأخرج عبد الرزاق (١) من حديث أبي إسحاق أنه قال: "كان علي - ﵁ - يصلي بعد الجمعة ست ركعات" قال: وبه نأخذ.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن سفيان بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن حبيب قال: "كان عبد الله يصلي أربعًا، فلما قدم عليٌّ - ﵁ - صلّى ستًّا، ركعتي وأربعًا".
_________________
(١) "مصنف عبد الرزاق" (٣/ ٢٤٧ رقم ٥٥٢٤).
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٤٦٤ رقم ٥٣٦٩).
[ ٥ / ٣٨٩ ]
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هشيمُ، قال: أنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن قال: "قدم علينا ابن مسعود - ﵁ - فكان يأمرنا أن نصلي بعد الجمعة أربعًا، فلما قدم عليٌّ - ﵁ - أمرَنا أن نصلّي ستًّا، فأخذنا بقول عليّ - ﵁ - وتركنا قول عبد الله، قال: كنَّا نصلي ركعتين ثم أربعًا".
ص: وثبت بما ذكرنا أن التطوع الذي لا ينبغي تركه بعد الجمعة ستٌّ، وهو قول أبي يوسف إلا أنه قال: أحبُّ إليَّ أن يُبدأ بالأربع ثم يُثنَّى بالركعتين؛ لأنه هو أبْعد من أن يكون قد صلّى بعد الجمعة مثلها على ما قد نُهِيَ عنه، فإنه قد حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن سليمان بن مُسهِر، عن خَرشة بن الحر "أن عمر - ﵁ - كان يكره أن يُصلّى بعد صلاة مثلها".
قال أبو جعفر: فلذلك استحبّ أبو يوسف -﵀- أن يُقدِّم الأربع قبل الركعتين؛ لأنهن لسْن مثل الركعتين، وكره أن تُقدَّم الركعتان لأنهما مثل الجمعة.
وأما أبو حنيفة - ﵁ - فكان يذهب في ذلك إلي القول الذي بدأنا بذكره في أول هذا الباب، والله أعلم.
ش: أي وثبت بما ذكرنا من الآثار المذكورة أن المستحب أن يصلي بعد صلاة الجمعة ستّ ركعات، وهو قول أبي يوسف والشافعي والثوري وآخرين -الذين ذكرناهم فيما قبل- إلا أن أبا يوسف قال: أحب إليَّ إلى آخره.
ثم إسناد الأثر المذكور صحيح، أخرجه عن يزيد بن سنان القزاز، عن عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري البصري روى له الجماعة، عن سفيان
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٤٦٤ رقم ٥٣٦٨).
[ ٥ / ٣٩٠ ]
الثوري، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن سليمان بن مُسْهِر الفزاري الكوفي روى له مسلم وأبو داود والنسائي، عن خَرَشَة -بفتح الخاء المعجمة والراء المهملة والشين المعجمة- ابن حُرّ الفزاري، وكان يتيمًا في حجر عمر بن الخطاب - ﵁ - ويقال: له صحبة، روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشة قال: "كان عمر - ﵁ - يكره أن يُصلَّى خلف صلاة مثلها".
ونا هشيم (٢)، عن الأعمش، عن سليمان بن مُسْهِر، عن خرشة بن الحر، عن عمر - ﵁ -: "أنه كره أن يُصلّى بعد المكتوبة مثلها" انتهى.
وذلك أنه إذا تنفل بعد الفرض مثله لا يتميز الفرض من النفل، وللفرض مزية كبيرة على النفل، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (٢/ ٢٢ رقم ٥٩٩٨).
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" (٢/ ٢٢ رقم ٦٠٠٣).
[ ٥ / ٣٩١ ]