ش: أيّ هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يخرج من ذكره المذي، كيف يكون حكمه؟ ولما فرغ من أحكام الوضوء، شرع في بيان ما ينقضه، والمذي -بفتح الميم وسكون الذال المعجمة- ما يخرج عند الملاعبة والتقبيل. قاله في الصحاح. يقال: مذى الرجل -بالفتح- وأمذى- بالألف مثله، ويقال: كل ذكر يُمذِي، وكل أنثى تَقْذِي من قَذتِ الشاة: إذا ألقت من رحمها بياضا.
وقال ابن الأثير: المذي -بسكون الذال مخفف الياء-: البَلَل اللزج الذي يخرج من الذكر عند ملاعبة النساء، ولا يجب فيه الغُسل، وهو نجس يجب غسله، وينقض الوضوء، ورجل مَذَّاء: فَعَّال للمبالغة في كثرة المذي، وقد مَذى الرجل، يَمْذِي، وأَمْذى، والمِذاء: المُمَاذاة فَعَال منه.
وفي "المطالع": هو ماء رقيق، يخرج عند التذكر أو الملاعبة، بسكون الذال وكسرها، يقال: مَذى، وأمذى، ومَذَّى.
وقال عياض: فيه وجهان: مَذْي بالتخفيف، ومَذِيّ بالتشديد.
ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا أميّه بن بسطام، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا رَوْحُ بن القاسم، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن إياس بن خليفة، عن رافع بن خديج: "أنَّ عليّا - ﵁ - أمَر عمَّارا أنْ يسأل رسول الله - ﷺ - عن المَذْي، قال: يَغْسلُ مذاكيره ويتوضأ".
ش: أميّة بن بسطام بن المنتشر أبو بكر البصري، ابن عم يزيد بن زريع، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي.
وابن أبي نجيح هو عبد الله بن أبي نجيح، روى له الجماعة.
وعطاء بن أبي رباح.
[ ١ / ٤١٩ ]
وإياس بن خليفة البكري قال الذهبي: لا يكاد يُعرف. قال العُقيلي: في حديثه وهم، روى له النسائي.
وأخرجه النسائي (١): عن عثمان بن عبد الله، عن أميّة بن بسطام إلى آخره نحوه.
قوله: "مذاكيره" جمع ذكر على غير قياس.
قال الجوهري: كأنهم فرقوا بين الذكر الذي هو الفحل وبين الذكر الذي هو العضو في الجمع.
وقال الأخفش: هو من الجمع الذي لا واحد له مثل العباديد، والأبابيل.
ويُستفاد منه: وجوب الوضوء من المذي دون الغسل، واستنابة الصحابة بعضهم بعضا، وتعاونهم في العلم والتعلم، وحسن التعلم مع الصهر، واستعمال الحياء في أمثال هذه الأمور ما لم يقدح في الدين، ويؤدي إلى تضييع ما يلزم.
ص: قال أبو جعفر -﵀-: فذهب قوم إلى أنَّ غسل المذاكير واجب [على الرجل] (٢) إذا أمْذى، وإذا بال، واحتجوا في ذلك بهذا الأثر.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري وبعض المالكية والحنابلة؛ فإنهم أوجبوا غسل المذاكير إذا أمذى وإذا بال، وقد اختلف أصحاب مالك، منهم من أوجب غسل الذكر كله لظاهر الخبر، ومنهم من أوجب غسل مخرج المذي وحده.
وعن الزهري: لا تغسل الأنثيين من المذي إلَّا أنْ يكون أصابهما شيء.
وقال الأثرم: وعلى هذا مذهب أبي عبد الله، سمعته لا يرى في المذي إلَّا الوضوء، ولا يرى فيه الغُسل، وهذا قول أكثر أهل العلم.
_________________
(١) "المجتبى" (١/ ٩٧ رقم ١٥٥).
(٢) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
[ ١ / ٤٢٠ ]
وفي "المغني" لابن قدامة: المذي ينقض الوضوء، وهو ما يخرج لزجا متسبسبا عند الشهوة، فيكون على رأس الذكر، واختلفت الرواية في حكمه، فروي أنَّه لا يوجب [إلَّا] (١) الاستنجاء والوضوء، والرواية الثانية: يجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء. انتهى.
وقال ابن حزم في "المحلى": المذي تطهيره بالماء؛ يغسل مخرجه من الذكر وينضح بالماء ما مسّ من الثوب.
وقال مالك: يغسل الذكر كله.
وقال القاضي عياض في "شرح مسلم": اختلف أصحابنا في المذي هل يجزئ منه الاستجمار كالبول، أو لا بد من الماء؟ واختلف القائلون بغسل الذكر من المذي هل يجزئ أنْ يغسل منه ما يغسل من البول أو لا بد من غسل جميعه؟ واختلفوا أيضًا هل يفتقر إلى نية في غسل ذكره أم لا؟
وقال أبو عمر: المذي عند جميعهم يوجب الوضوء ما لم يكن خارجا عن علة أبردةٍ وزمانةٍ، فإن كان كذلك فهو أيضًا كالبول عند جميعهم، فإنْ كان سَلَسا لا ينقطع، فحكمه حكم سلس البول عند جميعهم أيضا، إلَّا أنَّ طائفة توجب الوضوء على من كانت هذه حاله لكل صلاة؛ قياسا على المستحاضة عندهم، وطائفة تستحبه ولا توجبه، وأما المذي العهود المتعارف، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله؛ لما يجري من اللذة أو لطول عزْبة، فعل هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي - ﵁ - وعليه يقع الجواب، وهو موضع إجماع، لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، إيجاب غسله لنجاسته.
_________________
(١) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها، والذي في "المغني" (١/ ١١٢): لا يجب أكثر من الاستنجاء والوضوء. وهذه هي الرواية الثانية في "المغني". فالمؤلف ينقل من "المغني" وغيره بالمعنى، ويتصرف في كثير من الألفاظ بالاختصار والتقديم والتأخير.
[ ١ / ٤٢١ ]
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لم يكن ذلك من رسول الله - ﵇ -[علي] (١) إيجاب غسل المذاكير، ولكنه ليتقلص المذي فلا يخرج، قالوا: ومن ذلك ما أُمر به المسلمون في الهدي إذا كان له لبن أنْ ينضح ضرعه بالماء؛ ليتقلص ذلك فيه فلا يخرج.
ش: أيّ خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالكا في رواية، وأحمد كذلك؛ فإنهم قالوا: لم يكن ذلك أيّ قوله: - ﵇ -: "يغسل مذاكيره" إيجاب غسل ولكنه ليتقلص أيّ ليرتفع ويزول، من قلص الشيء، تقلص قلوصا: ارتفع. يقال: قلص الظلّ، وقَلَص الماء: إذا ارتفع في البئر فهو ماء قَالِصٌ، وقَلاص، وقَلِيص، وقَلَص، وقَلَّص وتَقَلَّص: كله بمعنى واحد. أيّ: انضم وانزوى، يقال: قلصت شفته: إذا انزوت، وقلص الثوب بعد الغسل، وشفة قالصة، وظل قالص: إذا نقص.
قوله: "ومن ذلك" أيّ من القبيل المذكور: مسألة الهدي إذا كان لها لبن يُدِرُّ، فإنه ينضح بالماء ليتقلص، أيّ: ليرتفع لبنها وينقطع، فإنّ هذا في الحديث ليس على الإيجاب. ومن خاصيَّة الماء البارد أنَّه يقطع اللبن ويردّه إلى داخل الضرع، وكذلك إذا أصاب الأنثيين رَدَّ المذي وكسره، و"النضح" -بالضاد المعجمة، والحاء المهملة-: الرش.
ص: وقد جاءت الآثار متواترة بما يدل على ما قالوا، فمن ذلك: ما حدثنا ابن أبي داود وابن أبي عمران، قالا: حدثنا عمرو بن محمَّد الناقد، قال: نا عَبيدةُ بن حميد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال علي - ﵁ -: "قد كنت رجلًا مذاء، فأمرتُ رجلًا، فسأل النبي - ﵇ - فقال: فيه الوضوء".
_________________
(١) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
[ ١ / ٤٢٢ ]
ش: أيّ قد جاءت الآثار حال كونها متكاثرة متتابعة بما يَدلُّ على ما قال الآخرون، من أنَّ قوله - ﵇ -: "يغسل مذاكيره" ليس على إيجاب غسلها؛ ولكن ليتقلص المذي كما ذكرنا.
فمن ذلك ما رواه الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي وأحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، كلاهما عن عمرو بن محمَّد شيخ الشيخين وغيرهما، عن عَبيدة -بفتح العين وكسر الباء الموحدة- بن حميد بن صُهيب الضبي، عن سليمان الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه مسلم (١): من حديث عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس قال: قال علي - ﵁ -: "أرسلت المقداد ابن الأسود إلى رسول الله - ﵇ - فسأله عن المذي يخرج من الإنسان، كيف يفعل به؟! قال رسول الله - ﵇ -: توضأ وانضح فرجك".
قوله: "مذاء"، فعَّال بالتشديد، وهو صيغة المبالغة في كثرة خروج المذي، وكان علي - ﵁ - كثير المذي جدّا.
حتى قال البيهقي في "سننه" (٢): من حديث ابن جريج، عن عطاء: "أنَّ عليّا كان يدخل الفتيلة في إحليله من كثرة المذي".
قوله: "فأمرت رجلًا" قد فسره في رواية مسلم بأنه المقداد.
ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: أبنا هُشيم، قال: أبنا الأعمش، عن منذر بن يعلى الثوري، عن محمَّد بن الحنفية، قال: سمعته يُحدِّث عن أبيه قال: "كنت أجد مذيا؛ فأمرت المقداد أنْ يسأل النبي - ﵇ - عن ذلك، واستَحْييتُ أنْ أسأله؛ لأن ابنته عندي، فقال: إن كل فحل يُمْذي، فإذا كان المني فعليه الغسل، وإذا كان المذي فعليه الوضوء".
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١/ ٢٤٧ رقم ٣٠٣).
(٢) "سنن البيهقي الكبرى" (١/ ٣٥٦ رقم ١٥٥٤) بنحوه.
[ ١ / ٤٢٣ ]
ش: هذا طريق آخر، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وهشيم هو ابن بشير، والأعمش هو سليمان، ومحمد بن الحنفية هو محمَّد بن علي بن أبي طالب - ﵄ - المعروف بابن الحنفية، واسمها خولة بنت جعفر.
وأخرجه مسلم (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع وأبي معاوية وهشيم، عن الأعمش، عن منذر بن يعلى إلى آخره، نحوه، ولفظه: "فكنت أستحي أنْ أسأل رسول الله لمكان ابنته، فأمرت المقداد فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ".
وأخرجه البخاري (٢) أيضًا بنحوه.
قوله: "واستحييت"، بيائين، وفيه لغة أخرى: بياء واحدة، وقرأ ابن كثير: ﴿إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا﴾ (٣) بياء واحدة كراهة للجمع بين حرفي لين. قاله ابن خالويه.
قوله: "كل فحل" أيّ كل ذكر من بني آدم يخرج من ذكره مذي.
قوله: "فإذا كان المني" أيّ وُجدَ المني و"كان" ها هنا تامة؛ فلهذا لم تحتج إلى الخبر، وهذا لم يذكر فيه وجوب غسل الذكر، وكل موضع ذكر فيه ذلك فالمراد غسل موضع الإصابة، لا جميع الذكر.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا زائدة بن قدامة عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، عن علي - ﵁ - قال: "كنت رجلًا مذاء، وكانت عندي ابنة النبي - ﵇ - فأرسلتُ إلى رسول الله - ﵇ - فقال: توضأ واغسله".
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة.
وأبو حصين -بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين- واسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي.
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١/ ٢٤٧ رقم ٣٠٣).
(٢) "صحيح البخاري" (١/ ٦١ رقم ١٣٢).
(٣) سورة البقرة، آية: [٢٦].
[ ١ / ٤٢٤ ]
وأبو عبد الرحمن اسمه عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعة -بالتصغير- السلمي الكوفي.
وأخرجه البخاري (١): ثنا الوليد، ثنا زائدة، عن أبي حَصِين، عن أبي عبد الرحمن، عن علي - ﵁ - قال: "كنت رجلًا مذَّاء، فأمرت رجلًا أنْ يسأل النبي - ﵇ - لمكان ابنته، فسأله فقال: توضأ واغْسل ذكرك".
وأخرجه النسائي (٢) وقال: أنا هنّاد بن السري، عن أبي بكر بن عيّاش، عن أبي حَصِين، عن أبي عبد الرحمن، قال: قال عليّ: "كنت رجلًا مذاء، وكانت ابنة النبي - ﵇ - تحتي، فاستحييت أنْ أسأله فقلت لرجل جالس إلى جَنْبي: سَلْه. فسأله فقال: فيه الوضوء".
ص: حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أنا يزيدُ بن أبي زياد، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي - ﵁ - قال: "سئل النبي - ﵇ - عن المذي، قال: فيه الوضوء، وفي المني الغسل".
ش: هذا طريق آخر وهو جيد حسن، ورجاله ثقات، وسعيد هو ابن منصور.
وأخرجه الترمذي (٣) نا محمَّد بن عمرو السواق البلخي، ثنا هشيم، عن يزيد بن أبي زياد، قال: ونا محمود بن غيلان، قال: نا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: "سألت النبي - ﵇ - عن المذي، فقال: من المذي الوضوء ومن المني الغسل".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: نا الفريابي، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي - ﵁ - قال: "كنت رجلًا مذاء، وكنت إذا أمزيت اغتسلتُ، فسألت النبي - ﵇ - فقال: فيه الوضوء".
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١/ ١٠٥ رقم ٢٦٦).
(٢) "المجتبى" (١/ ٩٦ رقم ١٥٢).
(٣) "جامع الترمذي" (١/ ١٩٣ رقم ١١٤).
[ ١ / ٤٢٥ ]
ش: هذا أيضًا طريق آخر، وهو جيد لا بأس به، والفريابي هو [محمد] (١) بن يوسف، وأبو إسحاق هو عَمرو بن عبد الله السّبيعي، وإسرائيل ابنه، وهانئ بن هانئ الهمداني الكوفي، لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي، ووثقه ابن حبان.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي - ﵁ - قال: "كنت رجلًا مذاء، فإذا أمزيت اغتسلت، فأمرت المقداد فسأل النبي - ﵇ - فضحك، وقال: فيه الوضوء".
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أبنا إسرائيل. ح وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا إسرائيل ثم ذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان آخران صحيحان:
أحدهما: عن محمد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء بن عمر البصري، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي - ﵁ -.
والآخر: عن ربيع المؤذن المصري، عن أسد بن موسى، عن إسرائيل إلى
آخره.
و"الحاء" المفردة علامة الانتقال والتحول من إسناد إلى إسناد.
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا زائدة، قال: ثنا الرُكَيْن بن الربيع الفزاري، عن حُصَيْن بن قبيصة، عن علي - ﵁ - قال: "كنت رجلًا مذاء، فسألت النبي - ﵇ - فقال: إذا رأيت المذْي فتَوضأ واغسِل ذكرك، وإذا رأيت المني فاغتسل".
_________________
(١) في "الأصل، ك": عبد الله. وهو وهم أو سبق قلم تكرر مرارًا من المؤلف -﵀-، وعبد الله بن يوسف هو التنيسي، وهو شيخ البخاري أيضًا، وأما الفريابي فهو محمَّد بن يوسف.
(٢) "مسند أحمد" (١/ ١٠٨ رقم ٨٥٦).
[ ١ / ٤٢٦ ]
ش: إسناده جيد حسن، والرُكين -بضم الراء- بن الربيع بن عميلة الفزاري الكوفي، روى له مسلم والأربعة.
وحُصين -بضم الحاء- وثقه ابن حبان.
وأخره أبو داود (١): ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عَبيدة بن حميد الحذاء، عن الركين ابن الربيع، عن حصين بن قبيصة، عن علي - ﵁ - قال: "كنت رجلًا مذاء، فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، قال: فذكرت ذلك للنبي - ﵇أو ذكر له- فقال: رسول الله - ﵇ -: لا تفعل؛ إذا رأيت المذي؛ فاغسل ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضَخْت الماء فاغتسل".
وأخرجه أحمد (٢)، والطبراني (٣) أيضًا، وفي رواية أحمد: "فليغسل ذكره وأُنْثييه" فمراده استظهار بزيادة التطهير؛ لأن المذي ربما ينتشر فيصيبهما.
قوله: "فضخت"، بالضاد والخاء المعجمتين أيّ إذا دفقت.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عايش بن أنس، قال: سمعت عليّا - ﵁ - على المنبر يقول: "كنت رجلًا مذاء فأردت أنْ أسال النبي - ﵇ - فاستحييت منه لأن ابنته كانت تحتي، فأمرت عمارا فسأله، فقال: يكفي منه الوضوء".
ش: هذا أيضًا جيد، وعايش -بالياء آخر الحروف وفي آخره شين معجمة- وثقه ابن حبان (٤) وأخرجه النسائي (٥): عن قتيبة، عن سفيان إلى آخره نحوه.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (١/ ٥٣ رقم ٢٠٦).
(٢) "مسند أحمد" (١/ ١٤٥ رقم ١٢٣٧).
(٣) "المعجم الكبير" (٢٠/ ٢٣٨ رقم ٥٦٣).
(٤) وذكره الذهبي في "الميزان" (٢/ ٣٦٤) وقال: قال ابن خراش: مجهول. ثم قال: كوفيٌّ له عن علي وغيره، وعنه عطاء بن أبي رباح فقط: "كنت رجلًا مذاءً". فعلى هذا فهو مجهول العين، والإسناد ضعيف.
(٥) "المجتبى" (١/ ٩٦ رقم ١٥٤).
[ ١ / ٤٢٧ ]
ص: قال أبو جعفر -﵀-: أفلا ترى أنَّ عليّا - ﵁ -، لما ذكر عن النبي - ﵇ - ما أوجبه عليه في ذلك ذكر وضوء الصلاة؛ فثبت بذلك أنَّ ما كان سوى وضوء الصلاة مما أمره به؛ فإنما كان لغير المعني الذي أوجب وضوء الصلاة.
ش: أراد من قوله: "مما أمر به" من غسل الأنثيين، أو نضح الماء، التحقيق أنَّه - ﵇ - أوجب الوضوء لكون المَذْي خارجا نجسا، وأما ما سواه من ذلك فإنه إنما كان لغير هذا المعنى، وهو كونه نجسا أصاب موضعا طاهرا؛ فيجب غسله، ولهذا قلنا باقتصار غسل موضع الإصابة من الذكر.
ص: وقد روى سهلُ بن حُنَيْف، عن رسول الله - ﷺ - ما يدل على هذا أيضًا.
حدثنا نصر بن مرزوق وسليمان بن شعيب، قالا: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا حماد بن زيد، عن محمَّد بن إسحاق، عن سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبيه، عن سهل بن حنيف: "أنَّه سأل النبي - ﵇ - عن المذي، فقال: فيه الوضوء".
قال أبو جعفر -﵀-: فأخبر أنَّ ما يجب فيه هو الوضوء، وذلك ينفي أنْ يكون عليه مع الوضوء غيره.
ش: أيّ ما دلّ على ما ذكرناه من أنَّ ما سوى الوضوء مما أمر به فإنما كان لغير المعنى الذي وجب به الوضوء، وإسناد الحديث المذكور صحيح.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا هنّاد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق إلى آخره، ولفظه: "كنت ألقى من المذي شدة وعَناء، فكنت أكثر منه الغسل، فذكرت ذلك لرسول الله - ﵇ - وسألته عنه، فقال: إنما يجزئك من ذلك الوضوء. قلت: يا رسول الله كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أنْ تأخذ كفّا من ماء، فتنضح به ثوبك حيث ترى أنَّه أصاب منه". قال: هذا حديث حسن صحيح.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١/ ١٩٧ رقم ١١٥).
[ ١ / ٤٢٨ ]
وأخرجه ابن ماجه (١): عن عبد الله بن المبارك وعبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق إلى آخره نحوه.
فهذا سهل بن حُنيف أخبر أنَّ الذي يجب فيه: هو الوضوء لا غير، وهذا ينفي أنْ يكون عليه مع الوضوء غيره وأما المذي إذا أصاب الثوب فحكمه ما قال الترمذي في "جامعه": وقد اختلف أهل العلم في المذي يُصيب الثوب، فقال بعضهم: لا يجزئ إلَّا الغسل -وهو قول الشافعي وإسحاق- وقال بعضهم: يجزئه النضح. وقال أحمد: أرجو أن يجزئ النضح بالماء.
قلت: مذهب أبي حنيفة أنه لا يجزئ إلَّا الغسل.
ص: فإن قال قائل: فقد رُوي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - ما يوافق ما قال أهل المقالة الأول، فذكر:
ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: أبنا حماد بن سلمة، قال: أبنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النَهْدي: "أن سلمان بن ربيعة الباهلي، تزوج امرأة من بني عُقَيل، فكان يأتيها فيُلاعبها فيمذي، فسأل [عن] (٢) ذلك عمر بن الخطاب، فقال: إذا وجدت الماء فاغسل فرجك وأُنثييك، وتوضأ وضوئك للصلاة".
قيل له: يحتمل أن يكون وجه ذلك أيضًا ما صرفنا إليه وجه حديث رافع بن خديج.
ش: توجيه السؤال: أن قول عمر - ﵁ - يدل على ثلاثة أشياء: غسل الفرج، وغسل الأنثيين، والوضوء كوضوء الصلاة، وهذا يعضد قول أهل المقالة الأولى الذين ذهبوا إلى أن غسل المذاكير واجب إذا أمذى وإذا بال.
_________________
(١) "سنن ابن ماجه" (١/ ١٦٩ رقم ٥٠٦).
(٢) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
[ ١ / ٤٢٩ ]
والجواب: أنه يحتمل تأويل حديث عمر نحو تأويل حديث رافع بن خديج الذي مضى ذكره في أى الباب، بأن يكون المراد من غسل الفرج والأنثيين هو لأن يتقلص المذي، أو المراد منه غسل موضع الإصابة فقط، وذكر الأنثيين يكون لاستظهار الطهارة.
وأبو بكرة: هو بكَّار القاضي.
وأبو عمر: هو الحَوْضِي واسمُه حفص بن عمر، شيخ البخاريّ.
وسليمان التيمي، روى له الجماعة.
وأبو عثمان النهدي: اسمه عبد الرحمن بن مَلّ الكوفي، روى له الجماعة.
وسلمان بن ربيعة الباهلي صحابي، وذكره ابن حبان في التابعين.
"وأخرجه بن أبي شيبة" (١): عن ابن عُلية، عن سليمان التيمي إلى آخره نحوه، ولكن فيه: "ثم أتيت عمر فقال: ليس عليك في ذلك غسل".
قوله: "من بني عُقَيْل" بضم العين وفتح القاف، وهم قبيلة كبيرة.
ص: وقد روُي عن جماعة ممن بعده ما يوافق ذلك؛
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان الثوري. (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا هلال بن يحيى بن مسلم، قال: ثنا أبو عوانة، كلاهما عن منصور، عن مجاهد، عن مُورق، عن ابن عباس قال: "هو المني والمذي والوّدْيُ؛ فأما المَذْي والوّدْي فإنه يغسل ذكره ويتوضأ، وأما المَني ففيه الغسل".
ش: أي قد رُوي عن جماعة ممن بعد النبي - ﵇ - من الصحابة والتابعين ما يوافق ذلك، أبي ما صرفنا إليه معنى حديث رافع بن خديج.
وأثر ابن عباس أخرجه من طريقين جيدين حَسنين:
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٨٨ رقم ٩٧١).
[ ١ / ٤٣٠ ]
أحدهما: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي -وثقه ابن حبان- عن الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد بن جبر المكي، عن مُوَرّق العجلي -بضم الميم وتشديد الراء المكسورة-.
وأخرجه ابن أبي شيبة (١) في "مصنفه": عن وكيع، عن سفيان، عن منصور إلى آخره نحوه.
الثاني: عن أبي بكرة، عن هلال بن يحيى بن مسلم الرأي البصري- أحد الأئمة الحنفية الكبار، قال ابن الجوزي: كان فقيها كبيرا، وضعفه بعضهم، (٢) وكان أجَلّ من ذلك.
عن أبي عُوانة، عن منصور إلى آخره.
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣): عن الثوري، عن منصور (إلى) (٤) مجاهد عن ابن عباس قال في المَذْي والودي والمني: "في المني الغُسْلُ، وفي المَذي والوّدْي الوضوءُ، يغسل حَشَفَته ويَتوضأ".
قوله: "كلاهما" أبي سفيان وأبو عوانة.
قوله: "هو المني " إلى آخره، أي: الذي يخرج من الذكر غير البول ثلاثة أشياء: المَنِيُّ، والمَذْي، والوَدْي، وقد مر تفسير المذي.
وأما "الوَدْي": فهو بفتح الواو وسكون الدال المهملة، وهو الذي يكون مع البول وبعده، وفي "البدائع": الوَدْي ماء غليظ يخرج بعد البول، وكذا رُوُيَ عن عائشة - ﵂ -، ويقال: الودي في نفس الأمر: بقيّة البول، ولكنه غليظ أغلظ
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٨٩ رقم ٢٩٨٤)، وليس فيه ذكر لمورق العجلي.
(٢) ذكره ابن حبان في "المجروحين" (٣/ ٨٧ - ٨٨) وقال: كان يخطئ كثيرًا على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.
(٣) "مصنف عبد الرزاق" (١/ ١٥٩ رقم ٦١٠).
(٤) كذا في "الأصل، ك"، وفي "المصنف": منصور، عن مجاهد، ومنصور يروي عن مجاهد مباشرة كما في مصادر ترجمته، وليس في إسناده مورق.
[ ١ / ٤٣١ ]
من البول، وقال الجوهري: الوَدْي بالتسكين ما يخرج بعد البول، وكذا الوديَّ بالتشديد، وفي "المطالع": ويقال فيه بذال معجمة أيضًا، ويقال: الوديُّ أيضًا، يقال فيه: وَدي، وأَوْدَى، ووَدَّي، وهو من السيلان، وَوَدَي: سال، ومنه الوادي.
وأما المني: فهو الماء الدافق بشهوة، وفي "البدائع": المني: حاثر أبيض ينكسر منه الذكر، وقال الشافعي: إن له رائحة الطلع.
وفي "المطالع": المَنِيّ والمُنِيّ والمِنِيّ على مثال: المُرِيُّ لغات كلها، وقال الأزهري: سُمي مَنِيّا لأنه يُمْنَى، أبي: يُراق ويدفق، ومنه سميت منى لما يُمنى بها من الدماء، أبي: يراق، والمَنِيُّ مشدد، ولا يجوز فيه التخفيف، يقال: مَنى الرجل وأَمْنَى: إذا دفق ماؤه.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن أبي جمرة، قال: "قلت لابن عباس: إني أركب الدابة فأُمْذي. قال: اغْسِلْ ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة".
قال أبو جعفر -﵀-: أفلا ترى أن ابن عباس حين ذكر ما يجب في المذي ذكر الوضوء خاصة، وحين أمر أبا جمرة أمره [مع الوضوء] (١) بغسل الذكر.
ش: إسناده صحيح، وأبو عامر: عبد الملك بن عَمرو العقدي.
وأبو جمرة -بالجيم- نصر بن عمران بن عاصم الضُبَعي.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن هشيم، عن أبي جمرة مولى بني أسد قال: "سألت ابن عباس، قلت: بينا أنا على راحلتي أخذتني شهوة، فخرج من ذكري شيء ملأ (حَاذيَّ) (٣) وما حوله، فقال: اغسل ذكرك، وما أصابك، ثم توضأ وضوءك للصلاة".
_________________
(١) في "الأصل، ك": بالوضوء، والمثبت من "شرح المعاني".
(٢) "مصنف عبد الرزاق" (١/ ١٥٨ رقم ٦٠٩).
(٣) الحاذان: لحمتان في ظاهر الفخذين، تكونان في الإنسان وغيره. انظر "لسان العرب" (مادة: حوذ).
[ ١ / ٤٣٢ ]
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا وهب، قال: نا الربيع بن صَبيح، عن الحسن -في المذي والودي-: "يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة".
ش: وهب هو ابن جرير البصري، روى له الجماعة.
والربيع بن الصبيح -بفتح الصاد- السعدي، استشهد به البخاري في الكفارات، وضعفه جماعة، وقال أبو زرعة: صالح صدوق.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو الأحوص، عن سماك، قال: قلت للحسن البصري: "أرأيت الرجل إذا أمذى، كيف يصنع؟ قال: كل فحل يُمذي، فإذا كان ذلك، فليغسل ذكره.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن زياد بن فياض، عن سعيد بن جبير، قال: "إذا أمذى الرجل غسل الحشفة، وتوضأ وضوءه للصلاة".
ش: زياد بن فياض الخزاعي أبو الحسن الكوفي، روى له مسلم.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن سفيان، عن زياد بن فياض، عن سعيد بن جبير: "أنه قال في الذي: يغسل الحشفة ثلاثا ويتوضأ".
وأخرجه عبد الرزاق أيضًا (٣): عن الثوري، عن زياد بن فياض، قال: "سمعت سعيد بن جبير يقول في الذي: يغسل حشفته".
وهذا كله صريح بأن الواجب: غسل موضع الإصابة، لا كما قال أهل المقالة الأولى.
ص: قال أبو جعفر -﵀-: فهذا وجه هذا الباب، من طريق تصحيح الآثار، قد ثبت به ما وصفنا، وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا خروج المذي حدثا،
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٨٨ رقم ٩٨١).
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٨٨ رقم ٩٨٣).
(٣) "مصنف عبد الرزاق" (١/ ١٥٨ رقم ٦٠٨).
[ ١ / ٤٣٣ ]
فأردنا أن ننظر في خروج الأحداث ما الذي يجب فيه؟ فكان خروج الغائط يجب فيه غسل ما أصاب البدن منه، ولا يجب غسل ما سوى ذلك، إلَّا التطهر للصلاة.
وكذلك خروج الدم من أي موضع ما خرج -في قول من جعل ذلك حدثا- فالنظر على ذلك أن يكون كذلك خروج المذي الذي هو حدث، لا يجب فيه غسل غير الموضع الذي أصابه من البدن، غير التطهر للصلاة، فثبت بذلك أيضًا ما ذكرنا من طريق النظر، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن -﵏-.
ش: أشار بقوله: "فهذا" إلى ما ذكر من قوله: إن المراد من غسل المذاكير هو أن يتقلص وينزوي حتى لا يخرج، لا أنه يجب غسل الذكر كله.
قوله: "قد ثبت به" أبي بهذا الطريق "ما وصفنا" من وجوب الوضوء في المذي خاصة وغسل موضع الإصابة، والباقي طاهر.
[ ١ / ٤٣٤ ]