ش: أي هذا باب في بيان كيفية القراءة في صلاة الكسوف، ووجه المناسبة بين البابن ظاهر لا يخفى.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: "ما سمعت من النبي - ﵇ - في صلاة الكسوف حرفًا".
ش: عمرو بن خالد الحراني نزيل مصر وشيخ البخاري، وعبد الله بن لهيعة فيه مقال، وقد تكرر الكلام فيه.
والحديث أخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث زيد بن الحباب، عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، حدثني عكرمة، عن ابن عباس: "أن النبي - ﵇ - صلى صلاة الكسوف فلم نسمع له صوتًا".
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢)، والطبراني في "معجمه"، وأبو نعيم في "الحلية" وأبو يعلى المَوْصلي في "مسنده".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة (ح).
وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عِبَاد، عن سمرة بن جندب - ﵁ - قال: "صلى بنا رسول الله - ﵇ - في صلاة الكسوف لا نسمع له صوتًا".
حدثنا حسين، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن ابن عِبَاد -رجل من بني عبد القيس- عن سمرة بن جندب، عن النبي - ﵇ - مثله.
_________________
(١) "سنن البيهقي" (٣/ ٣٣٥ رقم ٦١٣٤).
(٢) "مسند أحمد" (١/ ٣٥٠ رقم ١/ ٣٥٠ رقم ٣٢٧٨).
[ ٥ / ٣٦٠ ]
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة، عن سمرة، عن النبي - ﵇ - مثله.
ش: أخرج حديث سمرة من أربع طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن الأسود بن قيس العَبدي الكوفي، عن ثعلبة بن عِباد -بكسر العين وتخفيف الباء الموحدة- عن سمرة بن جندب.
وأخرجه الطبراني (١) مطولًا: من حديث أبي عوانة، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عِبَاد، وفيه: "ما نسمع له صَوْتًا".
الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري وأبي داود، عن زهير بن معاوية، عن الأسود بن قيس إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (٢) أيضًا: من حديث زهير، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عِبَاد، وفيه: "ما نسمع له صوتًا".
الثالث: عن حسين أيضًا، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٣): أنا عمرو بن منصور، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن ابن عِبَاد -رجل من عبد القيس- عن سمرة: "أن النبي - ﵇ - صلّى بهم في كسوف الشمس لا نسمع له صوتًا".
الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير، عن سفيان إلى آخره.
_________________
(١) "المعجم الكبير" (٧/ ١٩٠ رقم ٦٧٩٨).
(٢) "المعجم الكبير" (٧/ ١٩١ رقم ٦٧٩٩).
(٣) "المجتبى" (٣/ ١٤٨ رقم ١٤٩٥).
[ ٥ / ٣٦١ ]
وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمود بن غيلان، قال: نا وكيع، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عِبَاد، عن سمرة بن جندب قال: "صلى بنا النبي - ﵇ - في كسوف لا نسمع له صوتًا".
قال أبو عيسى: حديث سمرة بن جندب حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجه (٢) أيضًا نحوه.
ص: قال أبو جعفر -﵀-: فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: هكذا صلاة الكسوف لا يُجْهر فيها بالقراءة؛ لأنها من صلاة النهار، وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة - ﵁ -.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الليث بن سَعْد ومالكًا والشافعي وآخرين؛ فإنهم ذهبوا إلى الآثار المذكورة، وقالوا: لا يُجْهر فيها بالقراءة؛ لأنها من صلاة النهار، وصلاة النهار عجماء لا يجهر فيها بالقراءة، وممن ذهب إلى هذا القول الإِمام أبو حنيفة -﵀-.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: يُجْهر فيها بالقراءة.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا يوسف ومحمدًا وأحمد وإسحاق وابن المنذر ومالكًا في رواية؛ فإنهم قالوا: يُجهر في صلاة الكسوف بالقراءة، ويروى ذلك عن علي بن أبي طالب وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وعبد الله بن يزيد - ﵃ - وهو مذهب الظاهرية أيضًا.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أنه قد يجوز أن يكون ابن عباس وسمرة - ﵃ - لم يسمعا من النبي - ﵇ - في صلاته تلك حرفًا -وقد جهر فيها- لبُعْدهما منه، فهذا لا ينفي الجهر؛ إذ كان قد روي عنه أنه قد جهر فيها بالقراءة.
_________________
(١) "جامع الترمذي" (٢/ ٤٥١ رقم ٥٦٢).
(٢) "سنن ابن ماجه" (١/ ٤٠٢ رقم ١٢٦٤).
[ ٥ / ٣٦٢ ]
ومما روي عنه في ذلك: ما حدثنا ابن أبي داود، قال ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة - ﵂ -: "أن رسول الله - ﵇ - جَهرَ بالقراءة في كسوف الشمس".
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا أبو إسحاق الفزاريّ، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - ﵂، عن النبي - ﵇ - مثله.
فهذه عائشة تُخْبر أنه قد جهر فيها بالقراءة، فهي أولى لما قد ذكرنا.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان للجماعة الآخرين على الطائفة الأولى في ذلك، أي فيما ذهبوا إليه من جهر القراءة في صلاة الكسوف، وهذا في الحقيقة جوابٌ عن حديثي ابن عباس وسمرة اللَّذيْن تمسك بهما الطائفة الأولى، بيانه أنه يجوز أن يكون ابن عباس وسمرة لم يسمعا من النبي - ﵇ - في صلاته تلك حرفًا، والحال أنه - ﵇ - قد كان جهر فيهما ولكنهما لم يسمعا ذلك لبعدهما عن النبي - ﵇ -، فحكيا على ما شاهداه من ذلك، فإذا كان كذلك فهذا لا ينفي جهرَه - ﵇ - بالقراءة فيها؛ لأنه قد روي عنه أنه قد جهر فيها بالقراءة، وهو معنى قوله: "إذْ كان قد روي عنه أنه قد جهر فيها بالقراءة"، وكلمة "إذْ" ها هنا للتعليل.
ثم بيَّن ذلك بما أخرجه عن عائشة - ﵂ - من طريقين:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن عمرو بن خالد بن فروخ الحراني نزيل مصر وشيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة المصري، وهو إن كان فيه مقال فقد وثقه أحمد وغيره، على أن حديثه ها هنا متُابع لآخر قد رواه بطريق صحيح جدًّا على ما يجيء الآن، وبهذا يندفع ما قاله البيهقي أن الطحاوي قد يحتج في كتابه بابن لهيعة. وهو يَرْوي عن عُقَيل -بضم العين وفتح القاف- بن خالد بن عَقِيل -بالفتح- الأيلي روى له الجماعة، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة - ﵂ -.
[ ٥ / ٣٦٣ ]
والثاني: عن فهد بن سليمان، عن الحسن بن الربيع بن سليمان البجلي الكوفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه، عن أبي إسحاق الفزاري إبراهيم بن محمَّد بن الحارث الكوفي سكن المصيصة روى له الجماعة، عن سفيان بن حسين بن الحسن الواسطي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، ومسلم في مقدمة كتابه، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن عائشة - ﵂ -.
وأخرجه البخاري (١) مطولًا: عن محمَّد بن مهران، عن الوليد، عن ابن نمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مطولًا، ثم قال في آخره: تابعه سفيان بن حسين وسليمان بن كثير، عن الزهري في الجهر.
ومسلم (٢) أيضًا: عن محمَّد بن مهران الرازي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: أنا عبد الرحمن بن نمر، أنه سمع ابن شهاب يخبر، عن عروة، عن عائشة: "أن النبي - ﵇ - جهر في صلاة الخسوف بقراءته، وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات".
وأبو داود (٣): عن العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي، ثنا الأوزاعي، أخبرني الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة: "أن رسول الله - ﵇ - قرأ قراءةً طويلةً فجهر بها. يعني في صلاة الكسوف".
والترمذي (٤): عن أبي بكر محمَّد بن أبان، قال: نا إبراهيم بن صدقة، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: "أن النبي - ﵇ - صلّى صلاة الكسوف وجهر بالقراءة فيها".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١/ ٣٦٢ رقم ١٠١٦).
(٢) "صحيح مسلم" (٢/ ٦٢٠ رقم ٩٠١).
(٣) "سنن أبي داود" (١/ ٣٠٩ رقم ١١٨٨).
(٤) "جامع الترمذي" (٢/ ٤٥٢ رقم ٥٦٣).
[ ٥ / ٣٦٤ ]
والنسائي (١): عن إسحاق بن إبراهيم، قال: أبنا الوليد، قال: ثنا عبد الرحمن ابن نمر، أنه سمع الزهريُّ يحدث، عن عروة، عن عائشة - ﵂ -، عن رسول الله - ﵇ -: "أنه صلى أربع ركعات في أربع سجدات وجهر فيها بالقراءة، كلما رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد".
ص: وقد كان النظر في ذلك لما اختلفوا: أنَّا رأينا الظهر والعصر يُصَلَّيَان نهارًا في سائر الأيام ولا يجهر فيها بالقراءة، ورأينا الجمعة تُصلى في خاصٍّ من الأيام ويجهر فيها بالقراءة، وكانت الفرائض هكذا حكمها، ما كان منها يُفعل في سائر الأيام نهارًا خُوفِتَ فيه، وما كان منها يفعل في خاصً من الأيام جُهِرَ فيه، وكذلك جُعل حكم النوافل، ما كان منها يُفعَل في سائر الأيام نهارًا خُوفِتَ فيه بالقراءة، وما كان منها يُفعل في خاصٍّ من الأيام مثل صلاة العيدين يُجْهر فيها بالقراءة، هذا ما لا اختلاف فيه بين الناس، وكانت صلاة الاستسقاء في قول من يرى في الامشسقاء صلاةً هكذا حكمها عنده يجهر فيها بالقراءة.
وقد شَدَّ قوله في ذلك ما روينا عن النبي - ﵇ - فيما تقدم منا في كتابنا هذا في جهر القراءة في صلاة الاستسقاء. فلما ثبت ما وصَفْنا في الفرائض والسنن؛ ثبت أن صلاة الكسوف كذلك أيضًا، لَمَّا كانت من السنن المفعولة في خاصٍّ من الأيام، وجب أن يكون حكم القراءة فيها كحكم القراءة في السنن المفعولة في خاص من الأيام وهو الجهر لا المخافتة قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا، وهذا قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهما الله.
ش: أي: وقد كان القياس في حكم القراءة في الكسوف حين اختلفوا فيها هل يجهر أو يخافت؟ أنَّا رأينا صلاتي الظهر والعصر يُخافت فيهما بالقراءة لكونهما من الصلوات النهارية غير المخصوصة، ورأينا الجمعة يُجهر فيها بالقراءة لكونها في يوم
_________________
(١) "المجتبى" (٣/ ١٤٨ رقم ١٤٩٤).
[ ٥ / ٣٦٥ ]
خاصٍّ، فهذا حكم الفرائض، وكذلك حكم النوافل فإن بعضها تُجهر فيه القراءة كصلاتي العيدين؛ لأنهما في يومين خاصِّين وبعضها لا تجهر فيه القراءة كسائر النوافل التي تُصلّى في النهار من غير تخصيص.
فهذان الفصلان لا خلاف فيهما للعلماء، فالنظر على ذلك ينبغي أن يكون حكم صلاة الكسوف في القراءة التي هي في وقت خاص كحكم سائر السنن التي تفعل في الأوقات الخاصة، وهو الجهر فيها لا الإسرار؛ قياسًا على ذلك، والله أعلم.
قوله: "أنا رَأَيْنَا" بفتح الهمزة؛ لأنه في محل النصب على أنه خبر لكان في قوله: "وقد كان النظر".
قوله: "يُصلَّيان" على صيغة المجهول، وكذلك قوله: "تُصلَّى".
قوله: "وقد شدّ" أي ثَبَّت وقوَّى.
قوله: "في ذلك" قول من يرى في الاستسقاء صلاةً. وقوله: "ما رويناه" في محل الرفع على أنه فاعل لقوله: "شدّ" و"قَوْله" منصوب؛ لأنه مفعوله.
ص: وقد روي ذلك أيضًا عن علي بن أبي طالب - ﵁ -:
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن الشّيْبَانيّ، عن الحكم، عن حنشٍ: "أن عليًّا - ﵁ - جهر بالقراءة في كسوف الشمس".
قال أبو جعفر -﵀-: وقد صلّى عليّ - ﵁ - مع النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف فيما رويناه فيما تقدم من كتابنا هذا.
ش: أي: وقد روي الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف عن علي - ﵁ -.
وبيّن ذلك بما أخرجه بإسناد صحيح عن علي بن شيبة بن الصلت، عن قبيصة بن عقبة شيخ البخاري وأحمد، عن سفيان الثوري، عن سليمان بن أبي سليمان الشيباني روى له الجماعة عن الحكم بن عُتَيْبَة أحد مشايخ أبي حنيفة روى له الجماعة، عن حَنَش بن المعتمر -ويقال: ابن ربيعة- الكناني الكوفي، وثقه أبو داود واحتج به، وكذا النسائي والترمذي.
[ ٥ / ٣٦٦ ]
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا سفيان، عن الشيباني، عن الحكم، عن حنش الكناني: "أن عليًّا - ﵁ - جهَر بالقراءة في الكسوف".
قوله: "وقد صلّى عليٌّ مع النبي - ﵇ - " إلى، آخره، أشار به إلى أن عليًّا - ﵁ - إنما جهر بالقراءة في الكسوف لإقامة سنة القراءة فيها؛ وذلك لأنه قد صلَّى مع النبي - ﵇ - صلاة الكسوف ورآه قد جهر فيها بالقراءة فعلم أنه السنة؛ فلذلك هو جهر لما صلّى، ولو كان النبي - ﵇ - خافت فيها بالقراءة وعلم عليٌّ بذلك لما كان هو يَجْهر حين صلى.
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (٢/ ٢٢٠ رقم ٨٣٣٠).
[ ٥ / ٣٦٧ ]