ص: (١) حدثنا أبو بكرة وإبراهيم بن مرْزوق، قالا: نا أبو داود، قال: أنا حماد بن سلمة.
وحدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن يعلى بن عطاء، عن أوس بن أبي أوس قال: "رأيت أبي توضأ ومسح على نعلين له، فقلت له: أتمسح على النعلين؟ فقال: رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على النعلين".
ش: هذان طريقان رجالهما ثقات.
وأبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي.
وأوس بن أبي أوس الثقفي الصحابي.
وأبوه، أبو أوس الثقفي، اسمه حذيفة والد أوس، وقال ابن أبي حاتم: أوس ابن أوس الثقفي له صحبه .. ويقال: أوس بن أبي أوس، قال الدُّوري: سمعت يحيى بن معين يقول: أوس بن أوس، وأوس بن أبي أوس واحد.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): عن علي بن عبد العزيز وأبي مسلم الكشي، كلاهما عن حجاج بن المنهال إلى آخره نحوه سواء.
وأخرجه أبو داود (٣): عن أوس نفسه: ثنا مسدد وعباد بن موسى، قالا: نا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، قال عباد: أخبرني أوس بن أبي أوس الثقفي أنه قال: "رأيت رسول الله - ﵇ - أتى كظامة قوم يعني الميضأة [ولم يذكر مسدد
_________________
(١) سقط شرح ترجمة الباب من "الأصل، ك"، وكذا ذكر المناسبة بينه وبين الباب الماضي كعادة المؤلف -﵀- والله أعلم.
(٢) "المعجم الكبير" (١/ ٢٢٢ رقم ٦٠٥).
(٣) "سنن أبي داود" (١/ ٤١ رقم ١٦٠).
[ ٢ / ٢٩٣ ]
الكظامة ثم اتفقا- فتوضأ] (١)، ومسح على نعليه وقدميه".
ص: حدثنا فهد، قال: نا محمَّد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن يعلى بن عطاء، عن أوس بن أبي أوس قال: "كنت مع أبي في سفر، فنزلنا بماء من مياه الأعراب، فبال، فتوضأ ومسح على نعليه، فقلت له: أتفعل هذا؟! فقال: ما أزيدك على ما رأيت رسول الله - ﵇ - فعل".
ش: هذا طريق آخر بإسناد جيد. وشريك هو ابن عبد الله النخعي الكوفي قاضيها.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): عن عبيد بن غنام، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شريك إلى آخره، نحوه.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): عن شريك، عن يعلى بن عطاء .. إلى آخره، نحوه سواء.
ص: فذهب قوم في المسح على النعلين كما يمسح على الخفين.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي، والوليد بن مسلم، ونفرا من الظاهرية؛ فإنهم قالوا بجواز المسح على النعلين، وادعوا أنه مذهب عليّ وأوس بن أبي أوس.
ص: فقالوا قد شد ذلك ما قد رُوي عن علي - ﵁ -؛ فذكروا في ذلك ما قد حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود ووهب، قالا: نا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي ظبيان: "أنه رأى عليّا - ﵁ - بال قائما، ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه، ثم صلى".
ش: أي قال هؤلاء القوم "قد شد" أي: قوَّى وأحكم "ذلك" أي: ما ذهبنا إليه
_________________
(١) عبارة "الأصل، ك": "ثم اتفقا، فتوضأ، ولم يذكر مسدد الكاظمة، فتوضأ" وهي مضطربة، والمثبت من "سنن أبي داود"، وانظر عون المعبود (١/ ٢٧٧).
(٢) "المعجم الكبير للطبراني" (١/ ٢٢٢ رقم ٦٠٦).
(٣) "مسند أحمد" (٤/ ١٠ رقم ١٦٢٢٦).
[ ٢ / ٢٩٤ ]
من جواز المسح على النعلين لحديث أوس "ما قد رُوِيَ عن علي - ﵁ - فذكروا في ذلك" أي فيما ذهبوا إليه، ما قد حدثنا أبو بكرة: بكَّار القاضي، قال: نا أبو داود سليمان بن داود الطيالسي ووهب بن جرير، قالا: نا شعبة بن الحجاج، عن سلمة بن كهيل الكوفي، أحد مشايخ أبي حنيفة، الثقة الثبت، عن أبي ظَبْيان -بفتح الظاء المعجمة وسكون الباء الموحدة- واسمه حُصَيْن بن جُنْدب الجنَبِي الكوفي، روى له الجماعة.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي ظَبْيان الجنبي قال: "رأيت عليّا - ﵁ - بال قائما حتى أرغى، ثم توضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه فجعلهما في كمه ثم صلى".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا ابن إدريس، عن الأعمش، عن أبي ظبيان قال: "رأيت عليًّا بال قائما ثم توضأ ومسح على نعليه".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا نرى المسح على النعلين.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والنخعي وأبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد وأصحابهم وجمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم؛ فإنهم لا يجوزون المسح على النعلين.
ص: وكان من الحجة في ذلك: أنه قد يجوز أن يكون النبي - ﵇ - مسح على نعلين تحتهما جوربان وكان قاصدا بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه، وجورباه مما لو كانا عليه بلا نعلين جاز له أن يمسح عليهما، فكان مسحه ذلك مسحا أراد به الجوربين، فأتى ذلك على الجوربين والنعلين، فكان مسحه على الجوربين هو الذي يطهر به، ومسحه على النعلين فضل.
_________________
(١) "مصنف عبد الرزاق" (١/ ٢٠١ رقم ٧٨٣).
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٧٣ رقم ١٩٩٨).
[ ٢ / ٢٩٥ ]
ش: هذا جواب عما تمسك به هؤلاء القوم، وهو ظاهر.
فإن قيل: من أين هذا الاحتمال؟ قلت: الحديث الذي يأتي يدل على ذلك، وهو قول أبي موسى - ﵁ -: "إن النبي - ﵇ - مسح على جوربيه ونعليه" (١)، فهذا صريح، وذاك محتمل، فيحمل المحتمل على الصريح.
وجواب آخر: أن معنى ما ورد من المسح على النعلين: الغسل؛ لأن المسح قد يجيء بمعنى الغسل، وعن أبي زيد الأنصاري: المسح في كلام العرب يكون غسلا ويكون مسحا، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه: قد تمسح، ويقال: مسح الله ما بك. أي أذهبه عنك وطهرك من الذنوب.
وجواب آخر: أن الذي نقل عن النبي - ﵇ - أنه غسل رجله جمُّ غفير وعدد كثير، والذي نقل عنه أنه مسح نعليه عدد قليل، والقضية واحدة، والعدد الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير، مع فضل من حفظ على من [لم] (٢) يحفظ.
وقد يقال: إن ذلك كان منه - ﵇ - في الوضوء التطوع، لا في الوضوء من حدث؛ يؤيده ما أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (٣): وترجم عليه: باب ذكر الدليل على أن مسح النبي - ﵇ - على النعلين كان في وضوء تطوع، لا من حدث: عن سفيان، عن السدي، عن عبد خير، عن علي - ﵁ -: "أنه دعا بكوز من ماء، ثم توضأ وضوءا خفيفا ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله - ﵇ - للطاهر ما لم يحدث".
قال في "الإمام": وهذا الحديث أخرجه أحمد بن عبيد الصفار في "مسند" بزيادة لفظ، وفيه: "قال: هكذا فعل رسول الله - ﵇ - ما لم يحدث".
_________________
(١) يأتي في نص الطحاوي التالي، وشرحه.
(٢) ليست في "الأصل، ك" والسياق يقتضيها.
(٣) "صحيح ابن خزيمة" (١/ ١٠٠ رقم ٢٠٠).
[ ٢ / ٢٩٦ ]
وقال ابن حبان في "صحيحه" (١): هذا إنما كان في الوضوء للنفل، ثم استدل عليه بحديث أخرجه عن النَّزَّال بن سَبرة، عن عَلي - ﵁ -: "أنه توضأ ومسح برجليه وقال: رأيت رسول الله - ﵇ - فعل كما فعلت، وهذا وضوء من لم يحدث".
وكذا ذكر البزار في "مسنده" (٢).
ص: وقد بيّن ذلك ما حدثنا علي بن معبد، قال: نا المعلى بن منصور، قال: نا عيسى بن يونس، عن أبي سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن، عن أبي موسى: "أن النبي - ﵇ - مسح على جوربيه ونعليه".
حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: نا أبو عاصم، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة، عن رسول الله - ﵇ - مثله.
فأخبر أبو موسى والمغيرة عن مسح النبي - ﵇ - على نعليه كيف كان منه.
ش: أي قد بيَّنَ ما ذكرنا من التوجيه، وهو أنه يجوز أن يكون النبي - ﵇ - مسح على نعلين تحتهما جوربان إلى آخره، وهو (٣) على صيغة المعلوم.
وقوله: "ما حدثنا" في محل الرفع، فاعله.
وأخرج فيه حديثين:
أحدهما: عن أبي موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس، ورجاله ثقات.
وأبو سِنَان -بكسر السين المهملة وبالنون المخففة- اسمه عيسى بن سنان الحنفي الفلسطيني.
فإن قيل: قال أبو داود: هذا الحديث ليس بالمتصل ولا بالقوي. وقال البيهقي: الضخاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه عن أبي موسى الأشعري، وعيسى بن سنان لا يحتج به.
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" (٤/ ١٧٠ رقم ١٣٤٠).
(٢) "مسند البزار" (٣/ ٣٠ - ٣٢ رقم ٧٨٠ - ٧٨٢).
(٣) أي الفعل "بَيَّن".
[ ٢ / ٢٩٧ ]
قلت: قال عبد الغني في "الكمال": الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، ويقال: عرزم، سمع أباه وأبا موسى الأشعري وأبا هريرة (١).
وقال في ترجمة عيسى بن سنان: قال يحيى بن معين: ثقة. ووثقه ابن حبان أيضًا (٢).
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): نا أحمد بن يحيى الحلواني، نا سعيد بن سليمان، عن عيسى بن يونس، عن أبي سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، عن أبي موسى قال: "دعا النبي - ﵇ - بوضوء فتوضأ ومسح على الجوربين والعمامة والنعلين".
والآخر: عن [المغيرة - ﵁ -] (٤) ورجال حديثه ثقات أيضًا، وأبو عاصم النبيل: الضحاك بن مخلد.
وأبو قيس اسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي.
وأخرجه أبو داود (٥): نا عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان الثوري .. إلى آخره ولفظه: "أن رسول الله - ﵇ - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين".
والترمذي (٦): عن هناد ومحمود بن غيلان، كلاهما عن وكيع، عن سفيان إلى آخره نحوه.
_________________
(١) وأثبت البخاري له السماع من أبي موسى كما في "تاريخه الكبير" (٤/ ٣٣٣).
(٢) قال الذهبي في "الميزان" (٥/ ٣٧٧) ضعفه أحمد وابن معين، وهو ممن يكتب حديثه على لينه، وقواه بعضهم يسيرًا، وقال العجلي لا بأس به، وقال أبو حاتم ليس بالقوي.
(٣) مسند أبي موسى لم يطبع من "المعجم الكبير"، والحديث أخرجه الطبراني أيضًا في "المعجم الأوسط" (٢/ ٢٤ رقم ١١٠٨) من طريق عيسى بن يونس بنحوه، وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي موسى إلَّا بهذا الإسناد، تفرد به عيسى.
(٤) في "الأصل، ك" ابن عمر، وهو سبق قلم من المؤلف، والمثبت من نص الطحاوي ومصادر تخريج الحديث.
(٥) "سنن أبي داود" (١/ ٤١ رقم ١٥٩).
(٦) "جامع الترمذي" (١/ ١٦٧ رقم ٩٩).
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وابن ماجه (١): عن علي بن محمَّد، عن وكيع، عن سفيان إلى آخره نحوه.
واحتج [به] (٢) الجمهور من العلماء على جواز المسح على الجوربين.
قال الترمذي (٣): وهو قول غير واحد من أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على الجوربين، وإن لم يكونا منعلين، إذا كانا ثخينين.
قال أبو عيسى: سمعت صالح بن محمَّد الترمذي قال: سمعت أبا مقاتل السمرقندي يقول: "دخلت على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه، فدعا بماء فتوضأ، وعليه جوربان فمسح عليهما، ثم قال: فعلت اليوم شيئا لم أكن أفعله، مسحت على الجوربين وهما غير منعلين".
وفي "البدائع" (٤): وأما المسح على الجوربين فإن كانا مجلدين أو منعلين يجوز بلا خلاف بين أصحابنا، وإن لم يكونا مجلدين أو منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان الماء لا يجوز المسح عليهما بالإجماع، وإن كانا ثخينين لا يجوز عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يجوز، ورُوي عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قولهما في آخر عمره، وعند الشافعي لا يجوز المسح على الجوارب وإن كانت منعلة، إلا إذا كانت مجلدة إلى الكعبين، واحتج أبو يوسف ومحمد بحديث المغيرة، ولأبي حنيفة أن جواز المسح على الخفين ثبت نصّا، بخلاف القياس، فكان كل ما في معنى الخف في إدمان (٥) المشي عليه، وإمكان قطع السفر به يُلْحَق به، وما لا فلا.
_________________
(١) "سنن ابن ماجه" (١/ ١٨٥ رقم ٥٥٩).
(٢) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها.
(٣) "جامع الترمذي" (١/ ١٦٨ - ١٦٩).
(٤) "بدائع الصنائع" (١/ ١٠) مع بعض الاختصار.
(٥) أدمن الشيء: أدامه "القاموس المحيط" (دمن).
[ ٢ / ٢٩٩ ]
ومعلوم أن غير المجلد والمنعل من الجوارب لا يشارك الخف في هذا المعنى، فتعذر الإلحاق.
وأما الحديث فيحتمل أنهما كانا مجلدين أو منعلين، وبه نقول، ولا عموم له لأنه حكاية حال؛ ألا ترى أنه لا يتناول الرقيق من الجوارب؟ انتهى.
وفي "المغني" (١): قال أحمد: يذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية من أصحاب النبي - ﵇ - وقال ابن المنذر: يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله - ﵇ -: علي، وعمار، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وابن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وبه قال عطاء، والحسن، وسعيد بن المسيب، والنخعي، وسعيد بن جبير، والأعمش، والثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد.
وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والحسن بن مسلم، والشافعي: لا يجوز المسح عليهما إلا أن يُنْعلا.
وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (٢): نا ابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام: "أن أبا مسعود كان يمسح على الجوربين".
نا (٣) وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن عقبة بن عمرو: "أنه مسح على الجوربين من شعر".
نا (٤) وكيع، عن أبي جناب، عن أبيه، عن خلاس أبي عمرو: "أن عمر - ﵁ - توضأ ومسح على جوربيه ونعليه".
_________________
(١) "المغني" (١/ ١٨١).
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٧١ رقم ١٩٧١).
(٣) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٧١ رقم ١٩٧٢).
(٤) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٧١ رقم ١٩٧٤).
[ ٢ / ٣٠٠ ]
نا أبو بكر (١) بن عياش، عن حصين، عن إبراهيم قال: "الجوربان والنعلان بمنزلة الخفين".
نا (٢) وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن أنس: "أنه كان يمسح على الجوربين".
نا (٣) أبو بكر بن عياش، عن عبد الله بن سعد، عن [خلاس] (٤)، قال: "رأيت عليا - ﵁ - بال، ثم مسح على جوربيه ونعليه".
نا (٥) إسحاق الأزرق، عن جويبر، عن الضحاك: "أنه كان يقول في المسح على الجوربين: لا بأس به".
نا (٦) الثقفي، عن إسماعيل بن أمية قال: "بلغني أن البراء بن عازب كان لا يرى بالمسح على الجوربين بأسا وبلغني عن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب: "أنهما كانا لا يريان بأسا بالمسح على الجوربين".
نا (٧) زيد بن حباب، عن هشام بن سعد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: "أنه مسح على الجوربين".
وقال ابن حزم في "المحلى" (٨): والعجب من الحنفيين والشافعيين والمالكيين يشنعون ويعظمون مخالفة الصاحب إذا وافق تقليدهم، وهم قد خالفوا ها هنا أحد عشر صحابيّا لا مخالف لهم من الصحابة، ممن يجيز المسح، منهم: عمر، وابنه، وعلي، وابن مسعود؛ فخالفوا السنة الثابتة عن رسول الله - ﵇ - والقياس بلا معنى.
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٧١ رقم ١٩٧٥).
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٧٢ رقم ١٩٧٨).
(٣) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٧٢ رقم ١٩٨٠).
(٤) في "الأصل، ك": خيرة، وهو تحريف، والمثبت من "المصنف".
(٥) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٧٢ رقم ١٩٨١).
(٦) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٧٢ رقم ١٩٨٣).
(٧) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٧٣ رقم ١٩٩٠).
(٨) "المحلى" (٢/ ٨٧).
[ ٢ / ٣٠١ ]
قلت: هذا تشنيع ساقط وكلام واهٍ؛ فالحنفيون ما خالفوا ها هنا أحدا من الصحابة، بل مذهبهم جميعا جواز المسح على الجوربين، وما رُوي عن أبي حنيفة في المنع فقد صح رجوعه عنه كما صرح به الترمذي في جامعه (١).
والشافعيون فقد ذكر الترمذي قول الشافعي مع قول من يجيز، غاية ما في الباب: اشترط الشافعي عدم نفوذ الماء من الجورب، وإمكان متابعة المشي. ولم يُنقل عن أحد عدم اشتراط هذين الشرطين.
والمالكيون فأكثرهم على الجواز.
ص: وقد رُوي عن ابن عمر - ﵄ - في ذلك وجه آخر.
حدثنا ابن أبي داود، قال: نا أحمد الحسين اللَّهَبِيّ، قال: نا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع: "أن ابن عمر - ﵄ - كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح ظهور قدميه بيديه، ويقول: كان النبي - ﵇ - يصنع هكذا".
ش: أي قد رُوي عن عبد الله بن عمر - ﵄ - في معنى المسح على النعلين وجه آخر، ثم بيَّن ذلك بقوله: "حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرلسي" إلى آخره، وقد ذكر هذا الحديث بعينه بهذا الإسناد في باب فرض الرجلين في الوضوء، وإسناده صحيح.
واللَّهبي نسبه إلى أبي لهب بن عبد المطلب، وأحمد بن الحسن من ذريته، ثقة مشهور.
وابن أبي فديك هو محمَّد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك.
وابن أبي ذئب هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب أبو الحارث المدني.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): ثنا إبراهيم بن سعيد، نا روح بن عبادة، عن
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) عزاه له الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ١٨٨) وصحح إسناده الحافظ ابن حجر العسقلاني في "الدراية".
[ ٢ / ٣٠٢ ]
ابن أبي ذئب، عن نافع: "أن ابن عمر - ﵄ - كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما، ويقول: كذلك كان رسول الله - ﵇ - يفعل" وهذا الحديث لا يعلم رواه عن نافع إلا ابن أبي ذئب، ولا يعلم رواه عنه إلا روح، وإنما كان يمسح عليهما لأنه توضأ من غير حدث، وكان يتوضأ لكل صلاة من غير حدث، فهذا معناه عندنا. انتهى.
قلت: قوله: "ولا نعلم رواه عنه إلا روح" تعارضه رواية الطحاوي؛ فإن الراوي عنه روايته ابن أبي فديك.
ص: فأخبر ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﵇ - قد كان في وقتِ ما كان يمسح على نعليه ويمسح على قدميه، فقد يحتمل عندنا أن يكون ما مسح على قدميه هو الفرض، وما مسح على نعليه كان فضلا؛ فحديث أبي أوس يحتمل ما ذكر فيه عن النبي - ﵇ - من مسحه على نعليه، أن يكون كما قال أبو موسى والمغيرة، أو كما قال ابن عمر، فإن كان كما قال أبو موسى والمغيرة فإنا نقول بذلك؛ لأنا لا نرى بأسا بالمسح على الجوربين إذا كانا صفيقين، قد قال ذلك أبو يوسف ومحمد.
وأما أبو حنيفة فإنه كان لا يرى ذلك حتى يكونا صفيقين ويكونا مجلدين، فيكونان كالخفين.
وإن كان كما قال ابن عمر فإن في ذلك إثبات المسح على القدمين، فقد بينا ذلك، وما عارضه وما نسخه، في باب فرض القدمين.
فعلى أي المعنيين كان وجه حديث أوس بن أبي أوس: من معنى حديث أبي موسى والمغيرة، ومن معني حديث ابن عمر، فليس في ذلك ما يدل على جواز المسح على النعلين، فلما احتمل حديث أوس ما ذكرنا ولم يكن فيه حجة في جواز المسح على النعلين؛ التمسنا ذلك من طريق النظر لنعلم كيف حكمه، فرأينا الخفين اللذين جوز المسح عليهما إذا تخرقا حتى بدت القدمان منهما، أو أكثر القدمين، فكلُّ قد أجمع أنه لا يمسح عليهما، فلما كان المسح على الخفين إنما يجوز إذا غيبا القدمين، ويبطل إذا لم
[ ٢ / ٣٠٣ ]
يُغِيبا القدمين، وكانت النعلان غير مغيبتين للقدمين، ثبت أنهما كالخفين اللذين لا يغيبان القدمين.
ش: ملخص هذا أن حديث ابن عمر بخبر أنه - ﵇ - حين كان يمسح على نعليه يمسح على قدميه، فيحتمل أن يكون مسحه على قدميه فرضا، وعلى نعليه إصابة الفضيلة، وحديث أوس، إن كان معناه كمعنى حديث ابن عمر هذا، فإن فيه إثبات المسح على القدمين، ولكن قد ثبت ما عارضه وما نسخه في باب فرض القدمين.
وإن كان معناه كمعنى حديث أبي موسى والمغيرة، فإنا نقول بذلك؛ لأنا نُجَوِّز المسح على الخفين إذا كانا ثخينين لا يشفَّان، وأيّا ما كان، فلا يبقي في حديث أوس ما يدل على جواز المسح على النعلين، فلا يبقى حُجَّة لمن يرى [ذلك] (١).
قوله "وأما أبو حنيفة " إلى آخره قد ذكرنا التحقيق فيه عن قريب ..
قوله: "إذا غييا" على صيغة المعلوم أي إذا غيب الخفان القدمين بأن [ستراهما] (٢).
قوله "غير مُغَيِّبتَيْن" على صيغة الفاعل، تثنية مُغَيَّبَة، فافهم.
_________________
(١) في "الأصل، ك": بذلك.
(٢) في "الأصل، ك": سترهما.
[ ٢ / ٣٠٤ ]