ش: أي هذا باب في بيان فرض الرجلين في الوضوء، والمناسبة بين البابين ظاهرة.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النَزّال بن سبرة قال: "رأيت عليّا - ﵁ - صلى الظهر، ثم قعد للناس في الرحبة، ثم أُتي بماء فمسح بوجهه ويديه، ومسح برأسه ورجليه، وشربَ فضله قائمًا، ثم قال: إنَّ ناسا يزعمون أن هذا يكره، وإني رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع مثل ما صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث".
ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم.
وأخرجه أحمد في مسنده (١): عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عبد الملك ابن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: "أُتي علي بكوز وهو في الرحبة، فأخذ كفّا من ماء، فمضمض واستنشق، ومسح وجهه، وذراعيه، ورأسه، ثم شرب وهو قائم، ثم قال: هذا وضوء من لم يُحدث، هكذا رأيت رسول الله - ﵇ -[فعل] (٢) ".
وأخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (٣): أخبرنا أبو علي الروذباري، نا أبو بكر محمَّد بن أحمد بن محموية العسكري، نا جعفر بن محمَّد القلانسي، ثنا آدم، نا شعبة، نا عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت النزال بن [سبرة] (٤) يُحدّث عن علي بن أبي طالب - ﵁ -: "أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، حتى حضرت صلاة العصر، ثم أُتي بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة فمسح بها وجهه ويديه ورأسه، ورجليه، ثم قام فشرب فضله وهو قائم، ثم قال:
_________________
(١) "مسند أحمد" (١/ ٧٨ رقم ٥٨٣).
(٢) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد".
(٣) "سنن البيهقي الكبرى" (١/ ٧٥ رقم ٣٥٩).
(٤) في "الأصل، ك": ميسرة، وهو انتقال نظر من المصنف، والمثبت من "سنن البيهقي".
[ ١ / ٣٠٥ ]
إنَّ ناسا يكرهون الشرب قائما، وإن رسول الله - ﷺ - صنع كما صنعت، وقال: هذا وضوء من لم يحدث".
رواه البخاري في الصحيح (١): عن آدم بن أبي إياس ببعض معناه.
قوله: "في الرحبة" أراد بها رحبة الكوفة، وهي رحبة خنيس بن سَعْد أخو النعمان بن سَعْد جدّ أبي يوسف القاضي.
وفيه: دلالة على استحباب شرب الماء الذي فضل من الوضوء قائما (٢).
ص: قال أبو جعفر: وليس في هذا الحديث عندنا دليل أن فرض الرجلين هو المسح؛ لأن فيه أنه قد مسح وجهه، وكان ذلك المسح هو غسلا فكذلك يحتمل أن يكون مَسْحه لرجليه كذلك.
ش: أشار بهذا إلي أن احتجاج مَن يذهب إلى أن وظيفة الرجلين المسح بهذا الحديث غير صحيح؛ لأنه ليس فيه ذلك على [الإطلاق] (٣) ألا ترى أنه قال فيه: "فمسح بوجهه" ولم يكن ذلك إلاَّ غسلا؛ لأنهم قائلون أيضًا أن الوجه لا يمسح، ولا اليدين، فكذلك يكون معنى المسح في الرجلين الغسل.
فإن قيل: سلمنا أن المراد بالمسح الغسل في الوجه واليدين، ولكن لا نسلم ذلك في الرجلين، فإن قوله: "ومسح برأسه ورجليه" قرينة تدل على أن المراد من المسح في الرجلين هو خلاف الغسل؛ بقرينة ذكر الرأس؛ لأن وظيفتها المسح بالإجماع، ويدل عليه أيضًا ما روي عن عكرمة: "غسلتان ومسحتان" وأراد بالغسلتن غسل الوجه، وغسل اليدين، وأراد بالمسحتين مسح الرأس، ومسح الرجلين.
قلت: ولئن سلمنا ذلك فهذا كان في وضوء متطوع به، لا في وضوء واجب عليه من الحدث الذي يوجب الوضوء، وذلك لقوله - ﵁ -: "وهذا وضوء مَنْ لم
_________________
(١) "صحيح البخاري" (٥/ ٢١٣٠ رقم ٥٢٩٣).
(٢) كذا قال المصنف -﵀- وفيه نظر، ولعل الصواب أنه فيه دلالة على جواز ذلك لا استحبابه والله أعلم. وانظر كلام الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١٠/ ٨٣) فإنه نفيس.
(٣) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها.
[ ١ / ٣٠٦ ]
يُحدث"، وقال البيهقي: وفي هذا الحديث دلالة على أن الحديث الذي روي عن النبي - ﵇ - في المسح على الرجلين -إنْ صحّ- فإنما عنى به وهو طاهر غير محدث إلَّا أن بعض الرواة اختصر الحديث فلم ينقل قوله: "هذا وضوء مَنْ لم يحدث". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو كُريب، قال ثنا عبدة، عن ابن إسحاق، عن محمَّد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن عبد الله الخولاني، عن ابن عباس - ﵄ - قال: "دخل عليَّ عليٌّ - ﵁ - وقد أراق الماء، فدعا بوَضوء فجئناه بإناء من ماء، قال: يابن عباس ألا أتوضأ لك كما رأيت رسول الله - ﵇ - يتوضأ؟ قلت: بلى، فداك أبي وأمي -فذكر حديثا طويلا- قال: ثم أخذ بيديه جميعا حفنة من ماء فصك بها على قدمه اليمنى، وفي اليسرى كذلك.
ش: قد مرَّ هذا الحديث بعينه بهذا الإسناد في أول باب حكم الأذنين في وضوء الصلاة، وأَعادَه لأجل التبويب.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس - ﵄ - قال: "توضأ رسول الله - ﵇ -، فأخذ ملء كله ماء، فرش به على قدميه وهو منتعل".
ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي.
وأخرجه أبو داود بأتم منه (١): وقد ذكرناه في باب حكم الأذنين.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): عن أبي الحسن بن عبدان، عن أحمد بن عُبَيد، عن إسماعيل بن إسحاق، عن إبراهيم بن حمزة، عن عبد العزيز بن محمَّد إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣) مطولا.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) "سنن البيهقي الكبرى" (١/ ٧٢ رقم ٣٤٧).
(٣) "المعجم الكبير" (١٠/ ٣١١ - ٣١٢ رقم ١٠٧٥٩).
[ ١ / ٣٠٧ ]
ص: حدثنا أبو أميّة، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: أبنا شريك، عن السُّدي، عن عبد خير، عن عليّ - ﵁ -: "أنه توضأ فمسح على ظهر القدم، وقال: لولا أني رأيت رسول الله - ﵇ - فعله لكان باطن القدم أحق من ظاهره".
ش: أبو أمية اسمه محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، وثقه ابن حبان. وشريك بن عبد الله النخعي.
والسُّدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي الأعور التابعي، كان يقعد في سدة باب الجامع بالكوفة؛ فسمي السدي، روى له الجماعة إلاَّ البخاري.
عبد خير بن يزيد، أبو عمارة الكوفي، وثقه يحيى وأحمد بن عبد الله.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا إسحاق بن يوسف، عن شريك، عن السُّدي إلى آخره، ولفظه: "ومسح على ظهر قدميه، ثم قال هذا طهور (٢) من لم يحدث، ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله - ﵇ - مسح على ظهر قدميه، رأيت أن بطونهما أحق، ثم شرب فضل وضوئه "
وأخرج أيضًا (٣): عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي - ﵁ - قال: "لو كان الدين برأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، ولكني رأيت رسول الله - ﵇ - مسح ظاهرهما".
وأصحابنا استدلوا بهذا في كتبهم عل أن السُنَّة في مسح الخفين أن يكون على ظاهرهما.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن الحسين اللهبي، قال: ثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح ظهور قدميه بيديه، ويقول: كان رسول الله - ﵇ - يصنع هكذا".
_________________
(١) "مسند أحمد" (١/ ١١٦ رقم ٩٤٣).
(٢) في "المسند": وضوء.
(٣) "مسند أحمد" (١/ ٩٥ رقم ٧٣٧). بألفاظ مختلفة عن هذا اللفظ، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ٢٥ رقم ١٨٣) بهذا اللفظ عن وكيع به
[ ١ / ٣٠٨ ]
ش: أحمد بن الحسين من ولد أبي لهب بن عبد المطلب، ثقة مأمون.
وابن أبي فديك اسمه محمَّد بن إسماعيل بن أبي فديك، واسم أبي فديك دينار، روى له الجماعة.
وابن أبي ذئب اسمه محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن سعد المدني، روى له الجماعة.
وأخرجه البزار في "مسنده": عن إبراهيم بن سعيد، عن روح بن عبادة، عن ابن أبي ذئب إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا همام بن يحيى قال: أنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: ثنا علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع: "أنه كان جالسا عند النبي - ﵇ - فذكر الحديث حتى قال: إنَّه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ﷿ فغسل وجهَه ويدَيْه إلى المرفقين، ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين".
ش: إسناد صحيح على شرط البخاري، نصفه بَصْري، ونصفه مدني.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): بتمامه، وقال: نا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن منهال، ونا محمَّد بن حيان المازني، قال: نا أبو الوليد الطيالسي، قال: أنا همام، أنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه -أبي رفاعة بن رافع- زاد أبو الوليد في حديثه: وكان رفاعة، ومالك أخوين من أهل بدر قال: "بينما رسول الله - ﷺ - جالس، نظر حوله فإذا رجل فاستقبل القبلة فصلى ركعتين، وقال حجاج في حديثه: كنت جالسا عند النبي - ﵇ - إِذ جاء رجل فدخل المسجد فصل، فلما قضى صلاته، جاء فسلم على رسول الله - ﵇ - وعلى القوم، فقال رسول الله - ﵇ -: وعليك، ارجع فصل؛ فإنك لم تصل! قال: فرجع فصلى، فجعل يَرمُق صلاته لا يدري ما يعيب منها! قال: فلما قضى،
_________________
(١) "المعجم الكبير" (٥/ ٣٧ رقم ٤٥٢٥).
[ ١ / ٣٠٩ ]
جاء فسلم على رسول الله - ﵇ - وعلى القوم، فقال له رسول الله - ﵇ -: وعليك، ارجع فصل؛ فإنك لم تصل، قال: وذكر ذلك إما مرتين، وإما ثلاثا، فقال الرجل: ما أدري ما عِيب عليَّ؟ فقال النبي - ﵇ -: إنَّه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله -﷿- يغسل وجهه، ويدَيه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله، ويحمده، ويقرأ من القرآن ما أذن الله له فيه وتيسّر، ثم يكبر فيركع فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، فيستوي قائما حتى يأخذ كل عظم مأخذه، ويقيم صلبه، ثم يكبر فيسجد، فيمكن جبهته -قال همام: وربما قال: فيمكن وجهه- من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يكبر فيرفع رأسه، فيستوي قاعدا على مقعدته، ويقيم صلبه، فوصف الصلاة هكذا حتى فرغ، ثم قال: لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك" واللفظ لحديث حجاج. انتهى.
قلت: هذا دليل واضح، وبرهان ساطع على أن قراءة الفاتحة ليست فرضًا في الصلاة كما زعم به الشافعي، إِذْ لو كانت فرضا لقال: ويقرأ فاتحة الكتاب، ولم يقل به، بل قال: ويقرأ من القرآن ما أذن الله له فيه وتيَسّر، وهو أعم من الفاتحة وغيرها، وهذا مقام التعليم والبيان، فلو كانت الفاتحة فرضا لبيّنه - ﵇ - فافهم.
والحديث رواه أبو داود أيضًا (١) في "باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود": عن الحسن بن علي، عن هشام بن عبد الملك والحجاج إلى آخره.
ورواه الترمذي (٢): وقال: حديث رفاعة بن رافع حديث حسن، وقد روي عن رفاعة هذا الحديث من غير وجه.
ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عباد بن تميم، عن عمه: "أن النبي - ﵇ - توضأ ومسح على القدمين"، وأن عروة كان يفعل ذلك.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (١/ ٢٢٧ رقم ٨٥٨).
(٢) "جامع الترمذي" (٢/ ١٠٠ - ١٠٢ رقم ٣٠٢).
[ ١ / ٣١٠ ]
ش: روح بن الفرج أبو الزنباع المصري، كان من الثقات، روى عنه الطبراني أيضًا.
وعمرو بن خالد بن فروخ، أبو الحسن الحراني، سكن مصر، وثقه العجلي، وروى له ابن ماجه.
وعبد الله بن لهيعة قد ذكرنا أن أحمد وثقه، وجماعة ضعفوه.
وأبو الأسود اسمه: محمَّد بن عبد الرحمن، يتيم عروة بن الزبير، ثقة.
وعم. عباد: هو عبد الله بن زيد الأنصاري الصحابي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي عبد الرحمن المقرئ عن سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود، عن عباد بن ميم، عن عبد الله بن زيد: "أن النبي - ﵇ - توضأ، ومسح بالماء على رجليه".
وهذا إسناد صحيح، ولكن قال أبو عمر: هذا إسناد لا تقوم به حجة، وما أدري أيّ شيء الذي أنكره من ذلك.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): عن عبد الله بن زيد.
وفي "الأوسط" (٣): من حديث عباد بن تميم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله - ﵇ - يتوضأ، ويمسح بالماء على رجليه".
قوله: "وإن عروة كان يفعل ذلك"، من كلام أبي الأسود، أبي كان يفعل المسح على رجليه.
ص: فذهب قوم إلى هذا وقالوا: هذا حكم الرجلين يمسحان كما تمسح الرأس.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن، والشعبي، وعكرمة، والإمامية القائلين بإمامة عليّ - ﵁ - نصّا ظاهرا.
_________________
(١) لم أجده في "المصنف"، وهو في "مسند أحمد" (٤/ ٤٠ رقم ١٦٥١٠) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ به.
(٢) "المعجم الكبير" (٢/ ٦٠ رقم ١٢٨٦) من طريق عباد بن تميم عن أبيه، كما في "المعجم الأوسط".
(٣) "المعجم الأوسط" (٩/ ١٣٢ رقم ٩٣٣٢).
[ ١ / ٣١١ ]
وفي "المغني": وقالت الروافض: الواجب المسح، والغسل لا يجوز.
وفي "البدائع": قالت الرافضة: الواجب هو المسح لا غير، وقال الحسن البصري: بالتخيير بين الغسل والمسح، وقال بعض المتأخرين بالجمع بينهما.
وقال ابن حزم في "المحلّى": وأما قولنا في الرجلين فإن القرآن نزل بالمسح، وهكذا جاء عن ابن عباس، نزل القرآن بالمسح يعني في الرجلين في الوضوء، وقد قال بالمسح على الرجلين جماعة من السلف منهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، والحسن، وعكرمة، والشعبي، وغيرهم، وهو قول الطبريّ.
وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا ابن علية، عن أيوب قال: "رأيت عكرمة يمسح على رجليه، وكان يقول به".
نا (٢) ابن عُلَيَّة، عن يونس، عن الحسن أنه كان يقول: "إنما هو المسح على القدمين، وكان يمسح ظاهرهما وباطنهما".
نا (٣) ابن عُلَيَّة، عن داود، عن الشعبي قال: "إنما هو المسح على القدمين".
نا (٤) ابن عُلَيَّة، عن مالك، عن زبيد اليامي، عن الشعبي، قال: "نزل جبريل - ﵇ - بالمسح على القدمين".
نا (٥) ابن عُلَية، عن حميد قال: "كان أنس إذا مسح على قدميه بلّهما" وهذه الأسانيد كلها جيدة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل يغسلان.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: ابن سيرين، والزهري، والثوري، والأوزاعي، وأبا حنيفة، والليث بن سعد، والشافعي،
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٢٥ رقم ١٧٨).
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٢٥ رقم ١٧٩).
(٣) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٢٥ رقم ١٨١).
(٤) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٢٦ رقم ١٨٤).
(٥) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٢٥ رقم ١٨٢).
[ ١ / ٣١٢ ]
ومالكًا، وأحمد، وإسحاق، وأبا عُبَيد، والحسن بن صالح، وداود بن علي، والحكم ابن عتيبة، فإنهم قالوا: وظيفة الرجلين الغسل، وبه قال من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وابن عمر، وحذيفة، وأبو هريرة، وتميم الداري، وسلمة بن الأكوع، وعائشة - ﵃ - وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله - ﵇ - على غسل القدمين، وقد لقي عبد الرحمن مائة وعشرين صحابيا، وقال عطاء بن أبي رباح: لم أدرك أحدا منهم يمسح على القدمين، وقد لقي عطاء عشرة من الصحابة، وذكر أبو محمَّد الجماعيلي أن لُقيّه لأربعة عشر صحابيًّا، وفي "التهذيب" ذكر أكثر من ذلك.
ص: واحتجوا في ذلك من الآثار، بما حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابيُّ، قال: نا زائدة بن قدامة، قال: ثنا علقمة بن خالد -أو خالد بن علقمة- عن عبد خير، قال: "دخل عليٌّ الرحبةَ ثم قال لغلامه: إيتني بطَهُور، فأتاه بماء وطست [فتوضأ] (١) فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، وقال: هكذا [كان] (١) طهُور رسول الله - ﵇ -".
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من غسل القدمين.
وهذا الحديث أخرجه الطحاوي في أول باب الوضوء للصلاة مرة مرة، وثلاثا ثلاثا بهذا الإسناد بعينه، ولكن لفظه هناك: "عن عليّ أنه توضأ ثلاثا ثلاثا".
وأخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد، والدارقطني، وقد ذكرناه (٢).
والرحبة هي رحبة الكوفة ذكرناها عن قريب واعلم أنه قد تواترت الأخبار عن النبي - ﵇ - بغسل الرجلين في الوضوء، فثبت به الحكم قطعا، وما يروى عن عليّ وابن عباس وابن عمر وغيرهم من المسح عليهما كما ذكرنا فهي أخبار آحاد لا يجب قبولها من وجهين:
_________________
(١) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح المعاني".
(٢) سبق تخريجه.
[ ١ / ٣١٣ ]
أحدهما: لما فيه من الاعتراض على موجب الآية من الغسل، على ما نبين ذلك إنْ شاء الله تعالى.
والثاني: أن أخبار الآحاد غير مقبولة في مثله؛ لعموم الحاجة إليه، وقد روي عن عليّ - ﵁ - "أنه قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) بالنصب، وقال: المراد الغسل" فلو كان عنده عن النبي - ﵇ - جواز المسح والاقتصار عليه دون الغسل، لما قال: إن مراد الله الغسل، كذا قاله أبو بكر الجصاص.
وقال البيهقي: وحديث عبد خير عن عليّ في المسح على ظهر القدمين إنْ صح فالمراد به ظهر الخفين، وقد روي عن عليّ من أوجه كثيرة أنه غسل رجليه في الوضوء.
قلت: أما الجواب عن الأحاديث التي فيها مسح الرجلين، فقد أجاب أبو جعفر: عن الحديث الأول -أعني حديث النزال بن سبرة- أنه ليس فيه دليل على أن فرض الرجلين هو المسح؛ لأن فيه أنه قد مسح وجهه، وهو لا شك أنه غسل؛ لأن الوجه لا يمسح عليه بالإجماع، فكذلك المراد من قوله: "ومسح رجليه" معناه غسلهما.
فإن قيل: هل أتى المسح بمعنى الغسل؟
قلت: نعم، وقد قال أبو زيد الأنصاري: المسح في كلام العرب يكون غسلا ويكون مسحا، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضائه: قد تمسح، ويقال: مسح الله ما بك، أي أذهب عنك وطهرك من الذنوب.
وأما الجواب عن الحديث الثاني- وهو حديث ابن عباس - ﵄ - فهو أن يقال: إنه ضعيف، وقد قال الترمذي: سألت محمَّد بن إسماعيل عنه فضعفه، ولئن سلمنا أنه صحيح، ولكنه قال: "ثم أخذ بيديه جميعا حفنة من ماء"، والحفنة من الماء قد تصل إلى ظاهر القدم وباطنه وإنْ كان في النعل، ويدل على ذلك قوله: "ففتلها بها،
_________________
(١) سورة المائدة، آية: [٦].
[ ١ / ٣١٤ ]
ثم الأخرى مثل ذلك" والحفنة قد تكفي مع الرفق في مثل هذا، ولو كان أراد المسح على بعض القدم لكان يكفيه ما دون الحفنة.
وأما الجواب عن الحديث الثالث -وهو حديث عطاء بن يسار، عن ابن عباس- فهو أن المراد به غسل قدميه وهو منتعل، والدليل على ذلك أنه قال: "فأخذ ملء كفه ماء" ولو كان المراد أنه مسح لكان يكفي أقل من ذلك؛ لأن المسح هو الإصابة وليس الإسالة.
وأما الجواب عن الحديث الرابع، وهو حديث السُّدي، عن عبد خير، عن عليّ - ﵁ - فمراده باطن الخف الذي على القدم.
قال البيهقي في "المعرفة" (١): هذا حديث تفرّد به عبد خير الهمداني، عن عليّ - ﵁ - وعبد خير لم يحتج به صاحب الصحيح، وقد اختلف عليه في متن هذا الحديث، فروي هكذا، وروي عنه أن ذلك كان على الخفين، أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، قال: نا أحمد بن عبيد الصفار قال: نا عباس بن الفضل الأسفاطي، قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا حفص -هو ابن غياث- عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن عليّ - ﵁ - قال: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخفين أحق بالمسح من ظاهرهما، ولكنِّي رأيت رسول الله - ﵇ - يمسح على ظاهرهما" ويحتمل أن يكون المراد بالأول ما فسّر في هذا، وروي من وجه آخر عن عبد خير: أن المسح إنما كان في وضوء من لم يُحدث.
وأما الجواب عن الحديث الخامس -وهو حديث نافع عن ابن عمر- فالمراد أنه مسح على جورَبَيْه المنعلين، أو كان هذا في وضوء متطوع به لا في وضوء واجب عليه من الحدث.
وكذلك الجواب عن حديث علي - ﵁ -: "أنه توضأ وضوءا خفيفا، ثم مسح على نعليه" أراد به على جورَبيه المنعلين أو في وضوء متطوع به.
_________________
(١) "معرفة السنن والآثار" (١/ ١٦٩ رقم ٧٦).
[ ١ / ٣١٥ ]
وأما الجواب عن الحديث السادس -وهو حديث رفاعة بن رافع- فالمراد أنه مسح برأسه وخفيه على رجليه، وقد قال بعضهم في هذا الحديث: إن هذا وأمثاله من الآثار الدالة على مسح الرجلين في الوضوء من غير خف منسوخة بالأحاديث الواردة بغسلها، وقد قال الطحاوي: فذكر عبد الله بن عمرو أنهم كانوا يمسحون على أرجلهم حتى أمرهم رسول الله - ﵇ - بإسباغ الوضوء وخَوَّفهم، فقال: "ويل للأعقاب من النار" فدلّ ذلك على أن حكم المسح الذي قد كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه مما ذكرنا من الأحاديث التي وردت بالغسل.
وأما الجواب عن الحديث السابع -وهو حديث عباد بن تميم عن عمه- فالمراد أنه مسح على الخفين على القدمين، أو مسح على القدمين في وضوء متطوع به، كما ذكرناه.
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابيّ، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن أبي حيّةالوادعي، عن عليّ - ﵁ - عن النبي - ﵇ -.
ش: هذا طريق آخر عن حسين، عن محمَّد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السّبيعي، عن أبي حيّة -بالياء آخر الحروف- لا يُعرفُ اسمُه، عن عليّ، وقد ذكر هؤلاء في أول "باب الوضوء مرة مرة".
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: نا يحيى بن يحيى، ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر عن علي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله.
وأخرجه أبو داود (١): نا مسدّد وأبو توبة، نا [أبو الأحوص، و] (٢) نا عمرو ابن عون قال: أنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي حية قال: "رأيت عليّا
_________________
(١) "سنن أبي داود" (١/ ٢٨ رقم ١١٦).
(٢) في "الأصل، ك": روح، وهو خطأ، والمثبت من "سنن أبي داود"، و"تحفة الأشراف" للحافظ المزي (٧/ ٤٦١ رقم ١٠٣٢١).
[ ١ / ٣١٦ ]
توضأ فذكر وضوءه ثلاثا ثلاثا، قال: ومسح رأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: إنما أحببت أن أريكم طهور رسول الله - ﵇ -".
وأخرجه الترمذي (١): عن هناد وقتيبة، كلاهما عن أبي الأحوص نحوه، وزاد فيه: "ثم قام فأخذ فضل طَهُوره فشربه وهو قائم".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا شعبة، عن مالك بن عرفطة قال: سمعت عبد خير فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر بن عبد الملك بن عمرو العَقَدي البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن مالك بن عرفطة إلى آخره.
ومالك بن عرفطة، ذكر في "التكميل": مالك عن عبد خير عن علي في الوضوء، وعنه شعبة، وتابعه أبو عوانة بعد ما كان يسميه باسمه الصحيح، قال أبو داود: إنما هو خالد بن علقمة، أخطأ فيه شعبة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): وقال: نا يحيى بن سعيد، نا شعبة، حدثني مالك ابن عرفطة، سمعت عبد خير قال: "كنت عند عليّ - ﵁ - فَأُتي بكرسي وتور، قال: فغسل كفيه ثلاثا، ووجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه -وصف يحيى- فبدأ بمقدم رأسه إلى آخره، قال: ولا أدري أرد يده أم لا، وغسل رجليه، ثم قال: من أحبّ أن ينظر إلى وضوء رسول الله فهذا وضوء رسول الله -﵇ -" قال أبو عبد الرحمن: هذا أخطأ فيه شعبة إنما هو خالد بن علقمة، عن عبد خير.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبيد الله بن عبد المجيد، قال: ثنا إسحاق بن يحيى، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن عفان - ﵁ -: "أنه توضأ فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا وقال: رأيت رسول الله - ﵇ - توضأ هكذا".
_________________
(١) "جامع الترمذي" (١/ ٦٧ رقم ٤٨).
(٢) "مسند أحمد" (١/ ١٢٢ رقم ٩٨٩).
[ ١ / ٣١٧ ]
ش: ذكر الطحاوي هذا بعينه إسنادا ومتنا في باب الوضوء مرة مرة.
ص: حدثنا يونس وابن أبي عقيل، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد الليثي أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره، عن عثمان مثله.
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم.
وابن أبي عقيل اسمه عبد الغني، واسم أبي عقيل رفاعة بن عبد الملك الجمحي.
ويونس الأول هو: ابن عبد الأعلى، والثاني هو: ابن يزيد الأيلي.
وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري.
وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان [أخبره]، (٢): "أنه رأى عثمان بن عفان - ﵁ - دعا بإناء، فأفرغ على كفَّيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه ثلاثا إلى المرفقين، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين".
وأخرجه مسلم (٣): عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو، وحرملة بن يحيى كلاهما، عن ابن وهب إلى آخره نحوه مع بعض زيادة.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن أبي مريم، قال: "دخلت على زيد بن دارة بيته، فسمعني وأنا أمضمض فقال لي: يا محمَّد، فقلت: لبيك، فقال: ألا أخبرك عن وضوء رسول الله - ﵇ -؟ قلت: بلى. قال: رأيت عثمان بن عفان عند المقاعد دعا بوضوء، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: من أحب أن ينظر إلى وُضوء رسول الله - ﵇ - فلينظر إلى وضوئي".
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١/ ٧١ رقم ١٥٨).
(٢) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح البخاري".
(٣) "صحيح مسلم" (١/ ٢٠٤ رقم ٢٢٦).
[ ١ / ٣١٨ ]
ش: رجاله كلهم ثقات.
وأخرجه الداراقطني (١): عن الحسين بن إسماعيل، عن محمَّد بن عبد الله المخرمي، عن صفوان بن عيسى إلى آخره نحوه.
وأخرجه البيهقي (٢): عن أبي الحسن علي بن محمَّد بن علي المقرئ، عن الحسن ابن محمَّد بن إسحاق الإسفرائيني، عن يوسف بن يعقوب القاضي، عن مسدد بن مسرهد، عن صفوان إلى آخره.
قوله: "عند المقاعد"، وهي في المدينة حيث يُصلَّي على الجنائز عند المسجد.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: سمعت كثير بن زيد، قال: ثنا المطلب بن عبد الله بن حَنطب المخزومي، عن حمران بن أبان: "أن عثمان - ﵁ - توضأ، فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، وقال: لو قلت أنَّ هذا وضوء رسول الله - ﵇ - صدقت".
ش: أبو بكر الحنفي الصغير اسمه عبد الكبير بن عبد المجيد، روى له الجماعة.
وكثير بن زيد الأسلمي السهمي، وثقه محمَّد بن عبد الله بن عمار، وقال يحول: ليس بذاك القوي، روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
والمطلب بن عبد الله، وثقه ابن حبان.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": نا أبو موسى، نا عبيد الله بن عبد المجيد، ثنا كثير بن زيد المدني، نا المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن حمران بن أبان: "أن عثمان توضأ فمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل ذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه وأذنيه، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: لو قلت هذا وضوء رسول الله - ﵇ - صدقت".
_________________
(١) "سنن الدارقطني" (١/ ٩١ رقم ٤).
(٢) "سنن البيهقي الكبرى" (١/ ٦٢ رقم ٢٩٨).
[ ١ / ٣١٩ ]
ص: حدثنا ابن أبي عقيل، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري، قال: سمعت أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد يقول: سمعت المستورد بن شداد القُرشيَّ يقولُ: "رأيت رسول الله - ﷺ - يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه".
قال أبو جعفر: وهذا لا يكون إلَّا في الغَسل؛ لأن المسح لا يبلغ فيه ذلك، إنما هو على ظهور القدمين خاصة.
ش: يزيد بن عمرو المعافري المصري، قال أبو حاتم: لا بأس به، والمعافري -بفتح الميم- نسبة إلى المعافِر بن يَعْفُر، قبيل عامتهم بمصر.
وأخرجه أبو داود (١): عن قتيبة، عن ابن لهيعة إلى آخره نحوه. ولفظه: "إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره".
وأخرجه الترمذي (٢): وقال: هذا حديث غريب (٣) لا نعرفه إلَّا من حديث ابن لهيعة.
وأخرجه ابن ماجه (٤): عن محمَّد بن المصفى الحمصي، عن محمَّد بن حمير، عن ابن لهيعة إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، وإبراهيم بن أبي داود، قالا: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، عن عبد العزيز بن محمَّد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت رسول الله - ﵇ - يتوضأ فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا".
ش: إسناده صحيح.
_________________
(١) "سنن أبي داود" (١/ ٣٧ رقم ١٤٨).
(٢) "جامع الترمذي" (١/ ٥٧ رقم ٤٠).
(٣) في النسخة المطبوعة من "الجامع": "حسن غريب".
(٤) "سنن ابن ماجه" (١/ ١٥٢ رقم ٤٤٦).
[ ١ / ٣٢٠ ]
وعبد الله بن عبيد الله بتكبير الابن، وتصغير الأب.
وأبو رافع مولى النبي - ﵇ -، واسمُه أسلم أو إبراهيم.
وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (١): ثنا أحمد -يعني ابن يحيى الحلواني- نا سعيد -يعني ابن سليمان- عن عبد العزيز بن محمَّد الدراورديّ، ثنا عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده أبي رافع قال: "رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ فغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه ثلاثا، ومسح برأسه وأذنيه، وغسل رجليه ثلاثا، ورأيته مرة أخرى توضأ مرة مرة" لا يروى عن أبي رافع إلَّا بهذا الإسناد، تفرد به الدراورديّ.
ص: حدثنا يونس وحسين بن نصر، قالا: ثنا علي بن مَعبد، قال: ثنا عبيد الله ابن عَمرو، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الرُبيّع قالت: "كان رسول الله - ﷺ - يأتينا فيتوضأ للصلاة، فيغسل رجليه ثلاثا ثلاثا".
ش: أخرج الطحاوي هذا الحديث في باب حكم الأذنين، من وجوه كثيرة، والتكرار للتبويب، واختلاف فيه إسنادا ولفظا.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عُمر الحوضي، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - ﷺ - توضأ فمضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه، ووضأ قدميه".
ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود.
وأبو عمر الحوضي اسمه حفص بن عمر البصري، شيخ البخاري، والحوضي نسبة إلى حوض داود، محلة ببغداد.
_________________
(١) "المعجم الأوسط" (١/ ٢٧٨ رقم ٩٠٧)، وانظر "مجمع البحرين" (١/ ٣٢٩ رقم ٤٠٤).
[ ١ / ٣٢١ ]
ورواه الطبراني في "الأوسط" (١): عن محمَّد بن يحيى القزاز، عن حفص بن عمر الحوضي إلى آخره نحوه، غير أن فيه: "ومسح رأسه ثلاثا، وغسل قدميه ثلاثا".
وأخرجه الترمذي (٢) معلقا، وقال وقد روي عن همام، عن عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة: "أن النبي - ﵇ - توضأ ثلاثا ثلاثا".
قوله: "وضأ قدميه" أبي غسلهما، من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، وقد فسره في رواية الطبراني كما ذكرنا.
ص: حدثنا أحمد بن أبي داود، قال: نا مسدد، قال: ثنا أبو عوانة، عن موسى ابن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رجلًا أتى النبي - ﵇ - فسأله كيف الطهور؟ فدعا بماء، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه، وغسل رجليه، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم".
ش: ذكر الطحاوي هذا الحديث بهذا الإسناد بعينه في باب حكم الأذنين، ولكن اقتصر هناك على حكم الأذنين، وذكرها هنا بقية الحديث، وقد مر الكلام فيه مستقصى هناك.
قوله: "فقد أساء" أبي في الأدب بترك السُّنَّة والتأدب بآداب الشرع، و"ظلم" نفسه بما نقصها من الثواب بترداد المرات في الوضوء، وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب: الوضوء مرة مرة.
ويُستفاد منه: أن النية ليست بشرط في الوضوء، إِذ لو كانت شرطا لكان - ﵇ - علم ذلك الرجل؛ لأن الوضع موضع الحاجة إلى البيان.
ص: حدثنا يونس وابن أبي عقيل، قالا: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن
_________________
(١) "المعجم الأوسط" (٦/ ٩٧ رقم ٥٩١٢).
(٢) "جامع الترمذي" (١/ ٦٣) عقب الحديث رقم ٤٣.
[ ١ / ٣٢٢ ]
عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم: "هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - ﵇ - يتوضأ؟ فدعا بماء فتوضأ وغسل رجليه".
ش: ذكر هذا في باب فرض مسح الرأس بهذا الإسناد، ولكن المتن يختلف.
وأخرجه البخاري (١) بأتم منه، وقال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه: "أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد -وهو جدّ عمرو بن يحيى-: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - ﵇ - يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء فأفرغ على يده فغسل يده مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقن، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه".
وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، والطبراني من وجوه كثيرة، وقد ذكرناها (٢) في باب: "فرض مسح الرأس".
ص: حدثنا بحر قال: ثنا ابن وهب قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه: "أن أبا جُبَير الكنديّ قدم على رسول الله - ﵇ - فأمر له بوضوء، فقال: توضأ يا أبا جُبير، فبدأ بفيه، فقال له رسول الله - ﷺ -: لا تبدأ بفيك. فإن الكافر يبدأ بفيه، ودعا رسول الله - ﵇ - بماء، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، ثم مسح برأسه، وغسل رجليه ".
ش: إسناده صحيح.
وبحر هو ابن نصر بن سابق الخولاني.
وجبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي أبو عبد الرحمن الحمصي التابعي، أدرك النبي - ﵇ - وأسلم في خلافة أبي بكر - ﵁ - روى له الجماعة إلَّا البخاري.
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١/ ٨٠ رقم ١٨٣).
(٢) سبق تخريجها هناك.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وأبو جبير الكندي شامي، وليس له اسم يعرف.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١): أنا ابن قتيبة، قال: ثنا حرملة بن يحيى، نا ابن وهب، قال: نا معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه: "أن أبا جبير الكندي قدم على رسول الله - ﵇ -، فأمر له رسول الله - ﵇ - بوضوء، فقال: توضأ يا أبا جبير. فبدأ بفيه، فقال رسول الله - ﵇ -: لا تبدأ بفيك؛ فإن الكافر يبدأ بفيه، ثم دعا رسول الله - ﵇ - بوضوء، فغسل يديه حتى أنقاهما، ثم تمضمض واستنثر (واستنشق) (٢)، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاثا، ثم مسح برأسه، وغسل رجليه".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا آدم، قال: ثنا الليث بن سعد، عن معاوية، ثم ذكر مثله بإسناده.
قال فهدٌ: فذكرته لعبد الله بن صالح، فقال: سمعته من معاوية بن صالح.
ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح.
ص: فهذه الآثار قد تواترت عن النبي - ﵇ - أنه غسل قدميه في وضوئه للصلاة.
ش: أي الأحاديث المذكورة قد تكاثرت وتتابعت عن النبي - ﵇ - في غسل القدمين في الوضوء.
ص: وقد روي عنه أيضًا ما يدل على أن حكمهما حكم الغسل، فمما روي في ذلك: ما حدثنا يونس، وابن أبي عقيل جميعًا قالا: أخبرنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا توضأ العبد المسلم -أو المؤمن- فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه".
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" (٣/ ٣٦٩ رقم ١٠٨٩).
(٢) كذا في "الأصل، ك"، ولم يذكر في "صحيح ابن حبان": واستنشق.
[ ١ / ٣٢٤ ]
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأبو صالح اسمه ذكوان الزيات.
وأخرجه مسلم (١): عن سويد بن سعيد، عن مالك إلى آخره نحوه، وفي لفظه: "نظر إليها بعينيه مع الماء- أو مع آخر قطر الماء" وهكذا بعد اليدين، والرجلن، وفي آخره: "حتى يخرج نقيّا من الذنوب".
وأخرجه الترمذي (٢): عن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى القزاز، عن مالك إلى آخره، نحو رواية مسلم، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قوله: "كل خطيئة" أي إثم، من خَطِئ في دينه خِطْئا -بكسر الخاء، وسكون الطاء- إذا أثم فيه، والخِطْئُ: الذنب، وأَخْطَأَ يخطئ إذا سلك سبيل الخطأ عمدا أو سهوا، ويقال: خَطِئ بمعنى أخطأ أيضًا، وقيل: خَطِئَ إذا تعمّد، وأخطأ إذا لم يتعمد، ويقال لمن أراد شيئًا ففعل غيره أو فعل غير الصواب: أخطأ.
قوله: "بطشتها"، من البطْش وهو السطوة، والأخذ بالعنف، وقد بَطَشَ به يَبْطُشُ، ويَبْطِشُ بَطْشا وبَاطَشَهُ مُباطَشَةً، وعين الفعل في المضارع مضموم ومكسور.
قوله: "مَسَّتها"، من المسّ، من مَسِسْتُ الشيء -بالكسر- أمَسُّه مَسّا، فهذه اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيد مسَسْتُ الشيءَ -بالفتح- أمَسُّه مَسّا، فهذه بالضم، وربما قالوا: مِسْتُ الشيء بحذف السين الأولى، وتحويل كسرها إلى الميم، ومنهم من لا يحول ويترك الميم على حالها مفتوحة.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أن المراد من قوله: "كل خطيئة" الصغائر لا الكبائر، وإنْ كانت الخطيئة تتناول الكل، وذلك لأن الكبائر لا تكفرها إلَّا التوبة أو رحمة الله تعالى، وقال القاضي في قوله: "حتى يخرج نقيّا من الذنوب": هذا يعم كل ذنب.
قلت: نعم، ذلك بحسب الظاهر، ولكن المراد منه الصغائر كما ذكرنا، ولهذا
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١/ ٢١٥ رقم ٢٤٤).
(٢) "جامع الترمذي" (١/ ٦، ٧ رقم ٢).
[ ١ / ٣٢٥ ]
لا يخرج من مظالم العباد إلَّا بإرضاء الخصوم فهذه أيضًا ذنوب، وقد يقال: إنَّ المراد من الذنوب: الذنوب التي يقترفها ما بين الوضوئين من الصغائر والكبائر ما خلا مظالم العباد، كما ورد في حديث: "الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما" (١).
الثاني: أن قوله: "فإذا غسل رجليه" نص صريح أن وظيفة الرجلين الغسل، ولهذا قال في رواية مسلم: "مع الماء أو مع آخر قطر الماء" وإنما ذكر ذلك عند غسل الوجه وغسل اليدين وغسل الرجلين، ولم يذكر شيئا في مسح الرأس؛ لأنه غير الغسل، فإن قلت: ما معنى خروج الخطيئة عند الغسل، والخروج ونحوه مما يضاف إلى الأجسام؟
قلت: هذه استعارة؛ لأنه شبَّه الخطيئة بالوسخ والدرن الذي يتراكب على الجسم، ثم أثبت له على طريق الترشيح ما يلائمه، وهو الخروج الذي بمعنى الزوال، وجه التشبيه زوال الدرن من الجسم بالماء، والمعنى تزول الخطيئة عنه عند الغسل، بمعنى يغفر لها وتمحى، كما يزول الدرن حقيقة من الجسم عند مماسَّة الماء.
الثالث: أن ظاهر الحديث يدل على أن تلك الفضيلة تحصل له وإنْ لم يصل بذلك الوضوء شيئًا من الصلوات، وفيه دليل على أن الوضوء نفسه عبادة وقربة، وإنْ لم يصل به.
والدليل عليه ما روى البخاري (٢): بإسناده، عن أسامة بن زيد أنه قال: "دفع رسول الله - ﵇ - من عرفة حتى نزل بالشعب، فبالَ ثم توضأ، ولم يُسبغ الوضوء، فقلت: الصلاة يا رسول الله، قال: الصلاة أمامك، فركب فلما جاء إلى المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء، فصلى ولم يُصل بينهما".
_________________
(١) أخرجه أحمد في "مسنده" (٢/ ٥٠٦ رقم ١٠٥٨٤) من حديث أبي هريرة مطولًا، والحديث أصله في "صحيح مسلم" (١/ ٢٠٩ رقم ٢٣٣) من حديث أبي هريرة، ولفظه: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".
(٢) "صحيح البخاري" (١/ ٦٥ رقم ١٣٩).
[ ١ / ٣٢٦ ]
فهذا يدل على أن وضوءه - ﵇ - أولا ما كان لأجل الصلاة، وإنما كان لتحصيل الطهر والتقرب، ولهذا كان - ﵇ - يقدم الطهارة إذا أوى إلى فراشه، ليكون مَبيتُه على طهر.
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا موسى بن يعقوب، قال: حدثني عبّاد بن أبي صالح السمان، أنه سمع أباه يقول: سمعت أبا هريرة يقولُ: سمعت رسول الله - ﵇ - يقول: "ما من مسلم يتوضأ فيغسل سائر رجليه إلَّا خرج مع قطر الماء كل سيئة مشى بهما إليها".
ش: ابن أبي مريم هو سعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري.
وموسى بن يعقوب بن عبد الله المدني، وثقه يحيى، وضعفه ابن المديني، وقال: ليس بشيء.
وأخرجه البزّارُ في "مسنده": ثنا محمَّد بن مسكين، نا ابن أبي مريم، نا موسى ابن يعقوب، عن عباد بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما من مسلم يتوضأ للصلاة فيغسل وجهه إلَّا تناثر مع الماء أو مع قطر الماء كل سيئة نظر إليها، ولا تمضمض إلا تناثر مع كل قطر الماء كل سيئة وجد ريحها، ولا يغسل يديه إلا خرج مع قطر الماء كل سيئة بطش بها، ولا يغسل شيئًا من رجليه إلا خرج مع قطر الماء كل سيئة مشى بهما إليها، فإذا خرج من المسجد كتبت له بكل خطوة خطاها حسنة، ومحي بها عنه سيئة حتى يأتي مقامه".
وأخرجه الطبراني أيضًا في "الأوسط" (١): وقد استدل بهذا الحديث وبأمثاله أصحابنا على أن الماء المستعمل لا يجوز استعماله؛ لأنه أزال الآثام عن المتوضئ، فينتقل ذلك إلى الماء فيتمكن منه نوع خبث، كالماء الذي تصدق به، ولهذا سمّيت الصدقة غسالة الناس، فإذا تمكن منه نوع خبث تسلب عنه الطهورية، ولا تسلب الطاهرية، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، حتى روي عن القاضي أبي حازم
_________________
(١) "المعجم الأوسط" (٨/ ١٧٤ رقم ٨٣١٤) من حديث أبي الدرداء - ﵁ -.
[ ١ / ٣٢٧ ]
العراقي أنه كان يقول: إنا نرجوا ألَّا تثبت رواية نجاسة الماء المستعمل عن أبي حنيفة، وهو اختيار المحققين، ومشايخنا بما وراء النهر.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: أخبرنا الحمانيّ، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عباد العبدي، عن أبيه قال: "ما أدري كم حدّثنيه رسول الله - ﵇ - أزواجا وأفرادا، ما من عبد يتوضأ فيحسن الوضوء فيغسل وجهه حتى يسيل الماء على ذقنه، ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه، ويغسل رجليه حتى يسيل الماء من قبل كعبيه، ثم يقوم فيصلي إلَّا غفر الله له ما سلف من ذنوبه".
ش: الحِمَّانيّ هو: يحيى بن عبد الحميد، وثقه ابن معين، وهو بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم.
وقيس بن الربيع، مختلف فيه.
والأسود بن قيس، روى له الجماعة.
وثعلبة بن عباد، قال ابن حزم: مجهول.
قلت: روى له الأربعة، وأبوه عِبَاد -بكسر العين وتخفيف الباء الموحدة- العبدي الصحابي، يُعدّ في أهل الكوفة.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): عن العباس بن الفضل الأسفاطي، عن أبي الوليد الطيالسي.
وعن أبي حصين القاضي، والحسين بن إسحاق التستري، كلاهما عن يحيى بن عبد الحميد الحماني إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "كم" هنا خبرية، أي كم أحاديث حدثنيها.
_________________
(١) عزاه الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٢٤) للطبراني في "الكبير"، وكذا فعل المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ١٩٥) وقال: رواه الطبراني في "الكبير" بإسنادٍ ليِّن. ولعله في الجزء المفقود من "معجم الطبراني".
[ ١ / ٣٢٨ ]
وقوله: "أزواجا وأفرادًا" حال عن المحذوف، أبي مجتمعات ومتفرقات.
قوله: "ذَقَنِة" بفتح الذال المعجمة وفتح القاف، وهو مجتمع لِحْيَيْه.
قوله: "إلى مرفقيه" المِرفَق بكسر الميم، وقال أبو عُبَيدة (١): المِرفَق والمَرفِق من الإنسان والدابة: أعلى الذراع وأسفل العضد، والمِرفق: المتكأ، قال الأصمعي: المرفق من الإنسان والدابة بكسر الفاء، وفي "جامع القزاز": وقال قوم: المرفق من اليد، والمتكأ، والأمر، مكسور الميم، وكذلك قرأ الأعمش، والحسن، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ (٢) بكسر الميم، وقرأها أهل المدينة، وعاصم بالفتح وبهذا يُرَّد على الجوهري أن الفتح لم يقرأ به أحد، وفي "الغريبين": الفتح أقيس، والكسر أكثر في مرفق اليد.
قوله: "كعبيه" الكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأن الكتب في اللغة اسم لما علا وارتفع، ومنه سميت الكعبة، وكذا في العرف يفهم منه الناتئ، وما روي عن هشام، عن محمَّد: أنه المفصل الذي هو معقد الشراك على ظهر القدم فغير صحيح، وإنما قال محمَّد ذلك في مسألة المحرم إذا لم يجد نعلين أنه يقطع الخف أسفل الكعبين، قيل: إنَّ الكعب هنا الذي في مفصل القدم، فنقل هشام ذلك إلى الطهارة.
وقال أبو بكر: الكعبان هما العظمان الناتئان في جانبي القدم إِذ لو كان العظم الناتئ على ظهر القدم، لكان للرجل اليمنى كعب لا كعبان، وروي عن علي - ﵁ - أنه قال لقوم: أين الكعبان؟ فأشاروا إلى رأس الساق، فقال: بل هو هذا، وأشار إلى المفصل، وعن الأصمعي: الكعبان عند موصل الساق والقدم، وهما في (وحشي) (٣) الرجلين، وأنكر قول الناس: إنه في ظهر القدم.
_________________
(١) عزاه صاحب "لسان العرب" لابن سيده.
(٢) سورة الكهف، آية: [١٦].
(٣) الوحشي: هو الجانب الأيمن من كل شيء، قاله الجوهري، وقال غيره: هو شقه الأيسر، انظر "لسان العرب" (مادة: وحش).
[ ١ / ٣٢٩ ]
وفي "المخصص": في كل رِجْل كعبان وهما ما بين عظمي الساق وملتقى القدمين، والجمع كعوب وكعاب.
وفي "العباب": والتركيب يدل على نتوء الشيء.
ص: حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خشيش البصري، قال: نا أبو الوليد، قال: نا قيس، فذكر مثله بإسناده.
ش: هذا طريق آخر، عن عبد الله بن محمَّد، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن قيس بن الربيع إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في إحدى طرقه من حديث أبي الوليد.
وخُشيش بضم الخاء المعجمة، وبشينين معجمتين بينهما ياء آخر الحروف ساكنة.
ص: حدثنا محمد بن الحجاج الحضرميّ، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن شرحبيل بن السِمْط أنه قال: "مَنْ يُحدّثنا عن رسول الله - ﷺ -؟ فقال عمرو بن عبسة: سمعت رسول الله - ﵇ - يقول: إذا دعا الرجل بطهوره فغسل وجهه؛ سقطت خطاياه من وجهه وأطراف لحيته، فإذا غسل يديه سقطت خطاياه من أطراف أنامله، فإذا مسح برأسه سقطت خطاياه من أطراف شعره، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من بطون قدميه".
ش: رجاله ثقات.
وأيوب هو السختياني.
وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، أحد الأئمة الأعلام.
وعمرو بن عَبَسَة -بفتحات- بن عامر السُلمي الصحابيّ - ﵁ -.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): من حديث عمرو بن عبسة، عن النبي - ﵇ - قال: "إنَّ العبد إذا توضأ فغسل يديه (جرت) (٢) خطاياه من يديه، وإذا غسل
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٥ رقم ٤٣).
(٢) كذا في "الأصل، ك"، وفي "مصنف ابن أبي شيبة": خرجت.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وجهه (جرت) (١) خطاياه من وجهه، إذا غسل ذراعيه (جرت) (١) خطاياه من ذراعيه ورأسه، إذا غسل رجليه (جرت) (١) خطاياه من رجليه".
وقال الطبراني في "الكبير" (٢): حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، ثنا أبو ثابت محمَّد بن عبيد الله، نا عبد العزيز بن أبي حازم، عن الضحاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، أنه قال لعمرو بن عبسة: حَدِّثنَا حَدِيثا سمعته من رسول الله - ﵇ -. قال: سمعت رسول الله - ﵇ - يقول: "إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض واستنثر تناثرت الخطايا من فمه ومنخره، فإذا غسل وجهه تناثرت الخطايا من وجهه، فإذا غسل يديه تناثرت الخطايا من أظفاره، فإذا مسح رأسه تناثرت الخطايا من شعر رأسه، فإذا غسل رجليه تناثرت الخطايا من أظفار رجليه، فإذا قام فصلّى ركعتين يقبل فيهما بقلبه وطرفه إلى الله -﷿- خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه".
ص: حدثنا بحر، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب وأبي يحيى وأبي طلحة، عن أبي أمامة الباهلي، عن عمرو بن عَبَسَةَ قال: "قلت: يا رسول الله كيف الوضوء؟ قال: إذا توضأت فغسلت يديك ثلاثا خرجت خطاياك من بين أظفارك وأناملك، فإذا مضمضت واستنشقت في منخرك، وغسلت وجهك وذراعيك إلى المرفقين، وغسلت رجليك إلى الكعبين اغتسلت من عامة خطاياك".
ش: رجاله ثقات.
وأبو يحيى اسمه سُلَيم بن عامر الكلاعي الحمصي، وثقه ابن حبان وروى له مسلم.
وأبو طلحة اسمه نُعيم بن زياد الأنماري الشامي، وثقه النسائي وروى له.
وأبو أمامة صُدَيّ بن عجلان الباهلي الصحابيّ.
_________________
(١) انظر التعليق السابق.
(٢) مسند عمرو بن عبسة مفقود من "معجم الطبراني الكبير" المطبوع، والحديث أخرجه الطبراني أيضًا سندًا ومتنًا في "مسند الشاميين" (٢/ ٢٧٠ رقم ١٣٢٠).
[ ١ / ٣٣١ ]
وأخرجه الطبراني (١) بأتم منه: وقال: ثنا بكر بن سهل، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي يحيى سُليم بن عامر الخبائري، وضمرة بن حبيب، وأبو طلحة نعيم بن زياد، وكل هؤلاء سمعه من أبي أمامة الباهلي صاحب رسول الله - ﵇ - قال: سمعت عمرو بن عبسة السلمي يقول: "أتيت رسول الله - ﵇ - وهو نازل بعكاظ فقلت: يا رسول الله من معك في هذا الأمر، قال: معي رجلان: أبو بكر وبلال، فأسلمت عند ذلك، فلقد رأيتني ربع الإِسلام، قلت: يا رسول الله، أمكثُ معك أم ألحق بقومي؟ قال: بل الحق بقومك، فيوشك الله أن يفي بمن يرى إلى الإسلام، ثم أتيته قبيل فتح مكة فسلمت عليه، فقلت: يا رسول الله، أنا عمرو بن عَبَسة أُحبّ أن أسألك عما تعلم وأجهل عنه، وعما ينفعني ولا يضرك. فقال: يا عمرو، إنك تريد أن تسألني عن شيء ما سألني عنه أحد ممن ترى، ولن تسألني إنْ شاء الله إلَّا أخبرتك. فقلت: يا رسول الله فهل من ساعة أقرب من أخرى أو ساعة ينبغي ذكرها؟ قال: نعم، أقرب ما يكون من الدعاء جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تلك الساعة فكن؛ فإن الصلاة مشهودة إلى طلوع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني الشيطان، وهي صلاة الكفار، فدع الصلاة حتى ترتفع قيد رمح، ويذهب شعاعها، ثم الصلاة مشهودة محضورة حتى تعتدل الشمس اعتدال الرمح لنصف النهار؛ فإنها ساعة تفتح فيها
أبواب جهنم وتسجر، فدع الصلاة حتى يفيء الفيء، ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تغيب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان، وهي ساعة صلاة الكفار، فقلت: يا رسول الله، هذا في هذا، فكيف الوضوء؟ قال: أما الوضوء فإنك إذا توضأت وغسلت كفَّيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وبين أناملك، فإذا مضمضت واستنشقت في منخريك، وغسلت وجهك، ويديك إلى المرفقين، ومسحت رأسك، وغسلت رجليك إلى الكعبين؛ اغتسلت من عامة خطاياك، فإن أنت وضعت وجهك لله تعالى- خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١ / ٣٣٢ ]
فقلت: يا عمرو بن عَبَسَة انظر ما تقول كل هذا يُعطى في مجلس واحد؟! قال: والله لقد كبرتْ سنّي، ودنا أجلي، وما بي من فَقْر أن أكذب على رسول الله - ﵇ - لقد سمعتْ أذناي وَوَعَاه قلبي".
قوله: "في مَنْخَريك" بفتح الميم، وهو ثقب الأنف، وقد تكسر الميم اتباعا لكسرة الخاء كما قالوا: مِنْتِن، وهما نادران؛ لأن مِفْعلا ليس من الأبنية، والمنخور لغة في المنخر، قال الراجز:
مِنْ لَدُ لَحْيَيْهِ إلى مُنْخُورِهِ (١)
قوله: "من عامّة خطاياك" أبي من جميع ذنوبك، وسائر آثامك.
ص: فهذه الآثار تدلّ أيضًا على أن الرِّجْلين فرضهما الغسل؛ لأن فرضهما لو كان هو المسح لم يكن في غسلهما ثواب، ألا ترى أن الرأس الذي فرضه المسح لا ثواب في غسله، فلما كان في غسل القدمين ثواب دلّ ذلك على أن فرضهما هو الغسل.
ش: أي فهذه الأحاديث التي جاءت بفضل الوضوء المذكورة.
والدليل على أنه لو غسل رأسه لا ثواب له ما ذكره من فضيلة مسح الرأس في حديث أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله - ﵇ -: "إذا تمضمض أحدكم حُط ما أصاب بفيه، وإذا غسل وجهه حط ما أصاب بوجهه، وإذا غسل يديه حط ما أصاب بيديه، وإذا مسح برأسه تناثرت خطاياه من أصول الشعر، وإذا غسل قدميه حط ما أصاب برجليه".
رواه الطبراني في "الأوسط" (٢) برجال الصحيح.
_________________
(١) عزاه صاحب "لسان العرب" لغيلان بن حريث، ونقل عن ابن بري أن الصواب فيه: إلى منحوره -بالحاء المهملة- وكذا أنشده سيبويه وقال: والمنحور: النحر، انظر "لسان العرب" (مادة: نحر). ونقل عنه ابن بري في (مادة: لدن) أنه قال: وأنشده سيبويه: إلى مَنْخُوره -بفتح الميم والخاء- أبي مَنْخَره.
(٢) سقط من "الأوسط"، وذكره الهيثمي في "مجمع البحرين" (١/ ٣١٧ رقم ٣٨٦)، وذكره أيضًا في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٢٢) وقال: رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح.
[ ١ / ٣٣٣ ]
فإن قلت: قد عرفنا أنه إذا غسل رأسه لا يستحق تلك الفضيلة فهل هو يغني عن المسح أم لا؟
قلت: نعم يجزئ؛ لأن المسح إصابة الماء، والغسل فيه الإصابة مع زيادة، وهي الإسالة، ولهذا لو صبّ على رأسه ميزاب أو ترك عليه مطر فأصاب قدر موضع المسح يجزئ عن المسح.
وفي "المغني" لابن قدامة: فإن غسل رأسه بدل مسحه فعلى وجهين:
أحدهما: لا يجزئه؛ لأن الله أمر بالمسح، والمسح غير الغسل.
والوجه الآخر: يجزئه، وهو قول ابن حامد؛ لأنه لو كان عليه جنابة فانغمس في ماء يقصد الطهارتين أجزأه مع عدم المسح، فكذلك إذا كان الحدث الأصغر مفردا. انتهى.
ومن أبين الدلائل على ما ذكرتُ حديث ابن عباس في وصفه وضوء علي - ﵃ - قال: "وأخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء، فصبها على ناصيته، فتركها حتى تستن على وجهه -أي تسيل".
رواه أبو داود (١) وقد ذكرناه.
ص: وقد روي عن رسول الله - ﷺ - أيضًا ما يدل على ذلك.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن إسحاق، عن سعيد بن أبي كَرْب، عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: "رأى النبي - ﵇ - في قدم رجل لمعة لم يغسلها، فقال: ويل للعراقيب من النار".
ش: أي قد روي عن النبي - ﵇ - أيضًا ما يدل على أن وظيفة الرجلين الغسل لا المسح، ثم بيّنه بقوله: "حدثنا فهد " إلى آخره.
إسناده صحيح.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وأبو نعيم الفضل بن دكين، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق اسمه عمرو بن عبد الله السَّبيعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كَرْب، عن جابر بن عبد الله قال: "سمعت رسول الله - ﵇ - يقول: ويل للعراقيب من النار".
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن ابن أبي شيبة نحوه.
قوله: "لُمْعَة" بضم اللام، وهي بياض أو سواد أو حمرة تبدو من بين لون سواها، وهي في الأصل قطعة من النبت إذا أخذت في اليُبْس، والمراد بهَا هنا الموضع الذي لم يصبه الماء، وكذا اصطلح به الفقهاء.
قوله: "ويل" من المصادر التي لا أفعال لها، وهي كلمة عذاب وهلاك، وهي تقابل "ويح"، يقال لمن وقع فيما لا يستحقه: ويحه، ترحما، وعن أبي سعيد الخدري: تأويل: وادٍ في جهنم، لو أرسلت عليه الجبال لما غيرته من حره"، وقيل: "ويل" صديد أهل النار.
وارتفاعه على الابتداء، والمخصّص كونه مصدرا في معنى الدعاء كما في "سلامٌ عليكم" كما عرف في موضعه.
و"العراقيب" خبره، جمع عرقوب، وهو الوتر الذي خلف الكعبين بين مفصل القدم، والساق من ذوات الأربع، وهو في الإنسان فوق العقب، وقال الجوهري: العرقوب: العصب الغليظ المُوتّر فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها.
وقال الأصمعي: وكل ذي أربع عرقوباه في رجليه، وركبتاه في يديه، وقد عرقبتُ الدابة: قطعت عرقوبها.
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٣٢ رقم ٢٧١).
(٢) "سنن ابن ماجه" (١/ ١٥٥ رقم ٤٥٤).
[ ١ / ٣٣٥ ]
ويستفاد منه: وجوب استيعاب غسل الرجلين، وأن المسح غير جائز، ووجوب تعميم الأعضاء بالمطهر، وأنَّ ترك البعض منها غير مجزئ حتى إذا كان تحت أظفاره وسَخ أو عجينٌ يَمنعَ وصولَ الماء إليه لا يجوز.
وأنه إذا غسل أعضاء وضوئه ولم يسل الماء، بل استعمله مثل الدهن لا يجوز، وفي "البدائع": وهو ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه يجوز، وعلى هذا قالوا: لو توضأ بالثلج ولم يقطر منه ماء لا يجوز، ولو قطر منه قطرتان أو ثلاث جازة لوجود الإساله.
وأن الجسد يُعذب في النار، وهو مذهب أهل الحق.
وأن العالم ينبغي له إنكار ما يرى من تضييع الفرائض والسنن، ويُغَلِّظ القول في ذلك.
وأن تعليم الجاهل وإرشاده واجب.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمّل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ويل للأعقاب من النار؛ أسبغوا الوضوء".
ش: رجاله ثقات، وأبو بكرة بكَّار القاضي، وسفيان هو الثوري، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله، وسعيد هو ابن أبي كرب.
وأخرجه ابن ماجه (١): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله - ﵇ - يقول: "ويل للأعقاب من النار".
قوله: "للأعقاب" جمع عَقِبْ مثال: كَبدْ، وهو المستأخر الذي يمسك مؤخر شراك النعل، وقال أبو حاتم: عَقِبْ، وعَقْب مثال: كَبِدْ وصَقْر، وهي مؤنثة، ولم يكسروا العين كما في كبد وكتف.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وقال النضر بن شُميل: العَقب يكون في المتَن والساقين مختلط باللحم، يمشق منه مشقا، ويهذّب، ويُنَقَّى من اللحم، ويُسَوَّى منه الوتر، وأما العصب فالعِلْباء الغليظ، ولا خير فيه، قال الليث: والعقِب مؤخر القدم فهو من العصب لا من العقَب، وقال الأصمعي: العقب ما أصاب الأرض من مؤخر الرجل إلى موضع الشراك، وفي "المخصّص": عرش (١) القدم أصول سلامياتها المنتشرة القريبة من الأصابع، وعقبها مؤخرها الذي يفصلها عن مؤخر القدم، وهو موقع الشراك من خلفها.
فإن قلت: لم خصّ الأعقاب بالعذاب؟.
قلت: لأنها العضو التي لم تغسل.
وفي "الغريبين": وفي الحديث: "ويل للعقب من النار" أي لصاحب العقب المقصر عن غسلها، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢) أي أهلها، وقيل: إن العقب تخصّ بالمؤلم من العقاب إذا قصر في غسلها.
وفي "المنتهى في اللغة": وفي الحديث: "ويل للأعقاب من النار" أراد التغليظ في إسباغ الوضوء، وذلك أنهم كانوا يبولون على شباق من أعقابهم، ثم يصلون، ولا يغسلون.
قوله: "أسبغوا" أمر من الإسباغ، وهو التكميل، والإتمام، والسبوغ: الشمول، وإنما ترك العاطف بين الجملتين؛ لأن الثانية كالبيان للأصلى فلا يحتاج إلى العاطف.
فإن قلت: ما الألف واللام في الأعقاب؟
قلت: للعهد، أبي الأعقاب التي رآها كذلك لم يمسها الماء، أو يكون المراد الأعقاب التي صِفَتُها هذه لا كل الأعقاب.
_________________
(١) كتب في الحاشية بخط مغاير: عرش القدم ما نتأ من ظهرها، وفيه الأصابع، وهو بفتح العين وسكون الراء المهملتين، وفي آخره شين معجمة.
(٢) سورة يوسف، آية: [٨٢].
[ ١ / ٣٣٧ ]
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عمر بن يونس، قال ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: نا أبو سلمة، قال: ثنا سالم مولى المهري، قال: "سمعت عائشة - ﵂ - تنادي عبد الرحمن: أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله - ﵇ - يقول: ويل للأعقاب من النار".
ش: رجاله رجال مسلم ما خلا شيخ الطحاوي، وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وسالم مولى المهري هو الذي يقال له: سالم سَبَلان، وسالم الدَوْسي، وسالم مولى شداد (١).
وأخرجه مسلم (٢): عن هارون بن سعيد الأيلي وأبي الطاهر وأحمد بن عيسى، كلهم عن عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سالم مولى شداد قال: "دخلت على عائشة - ﵂ - زوج النبي - ﵇ - يوم توفي سعد بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر - ﵁ - فتوضأ عندها، فقالت: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله - ﵇ - يقول: ويل للأعقاب من النار".
وأخرجه أحمد أيضًا في مسنده (٣).
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عاصم، قال: ثنا ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي سلمة أنه سمع عائشة - ﵁ - تقول: "يا عبد الرحمن " فذكر مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وابن عجلان هو محمَّد، والمقبُري هو سعيد بن أبي سعيد كيسان.
وأخرجه أحمد (٤): نا يحيى، عن ابن عجلان، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة، قال: "رأت عائشة عبد الرحمن بن أبي بكر - ﵃ - يتوضأ، فقالت: يا عبد الرحمن، أحسن الوضوء، فإني سمعت رسول الله - ﵇ - يقول: ويل للأعقاب من النار".
_________________
(١) ويقال له غير ذلك، انظر ترجمته في "تهذيب الكمال" (١٠/ ١٥٤).
(٢) "صحيح مسلم" (١/ ٢١٣ رقم ٢٤٠).
(٣) "مسند أحمد" (٦/ ٨١ رقم ٢٤٥٦٠).
(٤) "مسند أحمد" (٦/ ١٩١ رقم ٢٥٦٣٠).
[ ١ / ٣٣٨ ]
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم الدوسي، عن عائشة مثله.
ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حرب بن شداد اليشكري، عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم الدوسي، وهو سالم سبلان المذكور آنفا.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا أبو المغيرة، ثنا الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني سالم الدوسي، قال: سمعت عائشة تقول لعبد الرحمن ابن أبي بكر: "يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله - ﵇ - يقول: ويل للأعقاب من النار".
ص: حدثنا ربيع الجيزيّ، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: أنا حيوة بن شريح قال: أنا أبو الأسود، أن أبا عبد الله مولى شداد بن الهاد حدّثه: "أنه دخل على عائشة زوج النبي - ﵇ - وعندها عبد الرحمن بن أبي بكر " ثم ذكر مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو جيد حسن.
وأبو زرعة اسمه وهب الله بن راشد الحجري المؤذن، قال أبو حاتم: محله الصدق (٢).
وحيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري.
وأبو الأسود النَّضر بن عبد الجبار بن نُضير -بضم النون في الجدّ، وبفتحها في الابن- وثقه ابن حبان.
وأبو عبد الله هو سالم بن عبد الله مولى شداد، فهذا كما رأيت ذكره في الطريق الأول وقال: سالم مولى المهري، وفي الثاني ذكره وقال: سالم الدوسي، وفي الثالث ذكره وقال: إن أبا عبد الله مولى شداد، والكل واحدٌ كما ذكرنا، وبالطريق الثالث
_________________
(١) "مسند أحمد" (٦/ ٨٤ رقم ٢٤٥٨٧).
(٢) قلت: وهو متكلم فيه. انظر ترجمته في "لسان الميزان".
[ ١ / ٣٣٩ ]
أخرجه مسلم (١): عن حرملة، عن ابن وهب، عن حيوة، عن محمَّد بن عبد الرحمن، أن أبا عبد الله مولى شداد بن الهاد حدثه: "أنه دخل على عائشة - ﵂ - " فذكر عنها عن النبي - ﵇ - بمثله.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢) -وقال: سالم سبلان-: ثنا حسين، ثنا ابن أبي ذئب، عن عمران بن بشير، عن سالم سبلان قال: "خرجنا مع عائشة إلى مكة، وكانت تخرج بأبي يحيى التيمي؛ يصلي بها، [قال] (٣) فأدركنا عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فأساء عبد الرحمن الوضوء، فقالت عائشة: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله - ﵇ - يقول: ويل للأعقاب من النار" (٤).
ص: حدثنا فهد، قال: نا ابن أبي مريم، قال: أنا سليمان بن بلال، قال: حدثني سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﵇ -: "ويلٌ للأعقاب من النار يوم القيامة".
ش: إسناده صحيح، وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم، وقد تكرر ذكره، وأبو صالح ذكوان.
وأخرجه مسلم (٥): حدثني زهير بن حرب قال: نا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: "ويل للأعقاب من النار".
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: "ويل (للعقب) (٦) من النار".
ش: إسناده صحيح.
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١/ ٢١٣ رقم ٢٤٠).
(٢) "مسند أحمد" (٦/ ١١٢ رقم ٢٤٨٥٧).
(٣) تكررت في "الأصل".
(٤) زاد في "مسند أحمد": "يوم القيامة" بعد "للأعقاب".
(٥) "صحيح مسلم" (١/ ٢١٥ رقم ٢٤٢).
(٦) كذا في "الأصل، ك" بالإفراد، وفي "شرح المعاني": "للأعقاب" بالجمع.
[ ١ / ٣٤٠ ]
وأخرجه البخاري (١): نا آدم بن أبي إياس، ثنا شعبة، نا محمَّد بن زياد قال: "سمعت أبا هريرة وكان يَمرُّ بنا والناس يتوضئون من المطهرة، فقال: أسبغوا الوضوء؛ فإن أبا القاسم قال: ويل للأعقاب من النار".
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا شعبة فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر، وإسناده صحيح أيضًا.
وأخرجه النسائى (٢)، أنا قتيبة، قال: نا يزيد بن زريع، عن شعبة.
وأنا مؤمل بن هشام، قال: ثنا إسماعيل، عن شعبة، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: "ويل للأعقاب من النار".
وأخرجه مسلم (٣) أيضًا من حديث شعبة، ولفظه: "ويل للعراقيب من النار".
ص: حدثنا يونس قال: ثنا يحيى بن عبد اللهَ بن بُكير قال: حدثني الليث، عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزُبيدي قال: سمعتُ رسول الله - ﵇ - يقول: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار".
ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا عقبة، ووثقه العجلي. وغيره.
والزُّبيدي -بضم الزاي المعجمة، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف- نسبة إلى زُبيد أحد أجداده؛ لأن عبد الله هو: ابن الحارث بن جزء بن عبد الله بن معدي كرب بن عمرو بن عُصم بن عُريج بن عمرو بن زُبيد، وإلى زبيد ترجع قبائل كثيرة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤):، ثنا هارون قال: نا عبد الله بن
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١/ ٧٣ رقم ١٦٣).
(٢) "المجتبى" (١/ ٧٧ رقم ١١٠).
(٣) "صحيح مسلم" (١/ ٢١٤ رقم ٢٤٢).
(٤) "مسند أحمد" (٤/ ١٩٠ رقم ١٧٧٤٢).
[ ١ / ٣٤١ ]
وهب، أخبرني حيوة بن شريح، أخبرني عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث ابن جزء الزُّبيدي، وهو من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقول: "ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار يوم القيامة".
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): عن يحيى بن أيوب العلاف، عن سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن يزيد والليث بن سعد، عن يحيى بن شريح، عن عقبة بن مسلم إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: نا أبو الأسود، قال: نا الليث وابن لهيعة، قالا: أبنا حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، قال: سمعت عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي يقول: قال رسول الله - ﵇ - فذكر مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح.
وعبد الله بن لهيعة وإنْ كان فيه مقال فهو مذكور متابعة.
وأبو الأسود هو: النضر بن عبد الجبار.
وأخرجه الطبراني (٢): من حديث ابن لهيعة وحده، عن حيوة بن شريح إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: نا زائدة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى الأعرج، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﵇ -: "ويل للأعقاب من النار".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم.
وأبو الوليد: هشام بن عبد الملك، وأبو يحيى الأعرج اسمه مصدع مولى عبد الله ابن عمرو بن العاص.
_________________
(١) مسند عبد الله بن جزء في الجزء المفقود من المعجم الذي لم يطبع بعد.
(٢) انظر التعليق السابق.
[ ١ / ٣٤٢ ]
وأخرجه الثلاثة، فأبو داود (١): عن مسدد، عن يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن هلال إلى آخره نحوه، ولفظه: [أن] (٢) النبي - ﵇ - رأى قوما وأعقابهم تلوح، فقال: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء".
والنسائي (٣): عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان.
وعن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور إلى آخره نحوه.
وابن ماجه (٤): عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلى بن محمَّد، كلاهما عن وكيع، عن سفيان، عن منصور إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: نا شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى الأعرج، عن عبد الله بن عمرو: "أن النبي - ﵇ - رأى قوما توضئوا وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئا، فقال: ويل للعقب من النار، أسبغوا الوضوء".
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٥)، عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة إلى آخره، ولفظه: "سألت رسول الله - ﵇ - عن صلاة الرجل قاعدًا، فقال: على النصف من صلاته قائما، قال: وأبصر رسول الله - ﵇ - قوما يتوضئون لم يتموا الوضوء، فقال: أسبغوا -يعني الوضوء- ويل للعراقيب من النار -أو للأعقاب-".
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: أخبرنا زائدة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو قال:
_________________
(١) "سنن أبي داود" (١/ ٢٤ رقم ٩٧).
(٢) تكررت في "الأصل".
(٣) "المجتبى" (١/ ٧٧ رقم ١١١).
(٤) "سنن ابن ماجه" (١/ ١٥٤ رقم ٤٥٠).
(٥) "مسند أحمد" (٢/ ٢٠١ رقم ٦٨٨٣).
[ ١ / ٣٤٣ ]
"سافرنا مع رسول الله - ﵇ - من مكة إلى المدينة، فأتى على ماء بين مكة والمدينة، فحضرت العصر، فتقدم أناس، فانتهينا إليهم وقد توضأوا وأعقابهم تلوح لم يمسّها ماء، فقال النبي - ﵇ -: ويل للأعقاب من النار؛ أسبغوا الوضوء".
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١): أنا أبو يعلى قال: نا أبو خيثمة، قال: نا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو قال: "رجعنا مع رسول الله - ﵇ - من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا ببعض الطريق تعجل قوم عند العصر فتوضئوا وهم عجال، قال فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسّها الماء، فقال رسول الله - ﵇ -: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء".
وأخرجه مسلم (٢) أيضًا: عن زهير بن حرب، عن جرير، عن منصور إلى آخره نحوه.
قوله: "وقد توضئوا" حال، وكذا "وأعقابهم تلوح" وكذا "لم يمسها ماء" أحوال مترادفة أو متداخلة، وتلوح: مِن لاح الشيء إذا ظهر.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكّار، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: "تخلف عنا رسول الله - ﵇ - في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا صلاة العصر، ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى: ويل للأعقاب من النار -مرتين أو ثلاثا-".
ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأبو عوانة الوضّاح اليشكري.
وأبو بشر جعفر بن أبي وحشيّة إياس الواسطي التابعي الكبير.
وماهَك بفتح الهاء، والكاف، لا تتصرف للعجمة، والعلمية وهو اسم أبيه، وقيل: اسم أمه، والاصح أن اسم أمه مُسَيْكة، وعن ابن المديني: يوسف بن ماهك
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" (٣/ ٣٣٥ رقم ١٠٥٥).
(٢) "صحيح مسلم" (١/ ٢١٤ رقم ٢٤١).
[ ١ / ٣٤٤ ]
ويوسف بن ماهان واحد، قلت: ماهك بالفارسية تصغير القمر، يعني قمير؛ لأن ماه عندهم اسم القمر، والتصغير عندهم بالكاف.
وأخرجه البخاري (١): عن أبي النعمان، عن أبي عوانة إلى آخره نحو: رواية الطحاوي، وفيه فنادى بأعلى صوته.
وأخرجه مسلم (٢): عن شيبان بن فروخ وأبي كامل الجحدري جميعًا، عن أبي عوانة إلى آخره نحوه.
قوله: "في سفرة" قد جاء مفسرا في الرواية الأولى أنها كانت من مكة إلى المدينة.
قوله: "وقد أرهقتنا" جملة حالية، وصلاة العصر فاعِلُهُ، أبي أعجلتنا لضيق وقتها، قال القاضي عياض: ومنه المراهق -بالفتح- في الحج؛ وقيل: بالكسر، وهو الذي أعجله ضيق الوقت أن يطوف.
وفي "الموعب": قال أبو زيد: رَهِقتنا الصلاة بالكسر رهوقا: حانت، وأرهقنا نحن الصلاة إرهاقا: أخرناها عن وقتها، وقال صاحب "العين": استأخرنا عنها حتى يدنو وقت الأخرى، ورهِقتُ الشيء رهقا أي دنوت منه.
وفي "المحكم": أرهقنا الليل: دنا منّا، ورهِقَتنا الصلاة رهقا: حانتْ.
وفي "المعرب": رهقتنا الصلاة غشيتنا.
وفي "الاشتقاق" للرُماني: أصل الرهَق الغشيان، وكذا قاله الزجاج.
وقال أبو النضر: رهقني: دنا مني، وقال ابن الأعرابي: رهقته، وأرهقته بمعنى دنوت منه.
قوله: "ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا" قال القاضي عياض: معناه نغسل كما هو المراد في الآية بدليل تباين الروايات، وليس معناه ما أشار إليه بعضهم أنه دليل
_________________
(١) "صحيح البخاري" (١/ ٣٣ رقم ٦٠).
(٢) "صحيح مسلم" (١/ ٢١٤ رقم ٢٤١).
[ ١ / ٣٤٥ ]
على أنهم كانوا يمسحون، فنهاهم النبي - ﵇عن ذلك، وأمرهم بالغَسل، وقالوا أيضًا: لو كان غسلاُ لأمرهم بالإعادة لما صلوا. هذا لاحجة فيه لقائله؛ لأنه - ﵇ - قد أعلمهم بأنهم مستوجبون النار على فعلهم بقوله: "ويل للأعقاب من النار"، ولا يكون هذا إلَّا في الواجب، وقد أمرهم بالغسل بقوله: أسبغوا الوضوء، ولم يأت أنهم صلوا بهذا الوضوء، ولا أنها كانت عادتهم قبلُ؛ فيلزم أمرهم بالإعادة.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو عوانة فذكر مثله.
ش: هذا طريق آخر عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
ص: قال أبو جعفر -﵀-: فذكر عبد الله بن عمرو أنهم كانوا يمسحون حتى أمرهم رسول الله - ﵇ - بإسباغ الوضوء، وخوّفهم فقال: "ويل للأعقاب من النار" فدلّ ذلك أن حكم المسح الذي كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه مما ذكرنا، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار.
ش: المفهوم من كلامه أن معنى قوله: "ونمسح على أرجلنا" هو أنهم كانوا يمسحون عليها مثل مسح الرأس، ثم إنَّ رسول الله - ﵇ - منعهم عن ذلك، وأمرهم بالغسل، فهذا يدل على انتساخ ما كانوا يفعلونه من المسح، ولكن فيه ما فيه؛ لأن قوله: "ونمسح على أرجلنا" يحتمل أنْ يكون معناه نغسل غسلا خفيفا مُبقَّعا حتى يرى كأنه مسح، والدليل عليه ما في الرواية الأخرى: "رأى قوما توضئوا وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئا" فهذا يدل على أنهم كانوا يغسلون، ولكن غسلا قريبا من المسح، فلذلك قال لهم: "أسبغوا الوضوء" وأيضًا إنما يكون الوعيد على ترك الفرض، ولو لم يكن الغسل في الأول فرضا عندهم لما توجه الوعيد؛ لأن المسح لو كان هو المعمول فيما بينهم كان يأمرهم بتركه وانتقالهم إلى الغسل بدون الوعيد، ومن ذلك قال القاضي عياض: معناه نغسل كما ذكرناه آنفا، والصواب أنْ يُقال: إنَّ أمر رسول الله - ﵇ - بإسباغ الوضوء، ووعيدَه وإنكاره عليهم في ذلك الغسل
[ ١ / ٣٤٦ ]
يدل على أن وظيفة الرجلين هو الغسل الوافي، لا الغسل المشابه للمسح كغسل هؤلاء، وما روي من الأحاديث التي فيها المسح صريحا فقد أجبنا عنها في أول الباب، وقول عياض: وقد أمرهم بالغسل بقوله: "أسبغوا الوضوء" غير مُسَلّم؛ لأن الأمر بالإسباغ أمر بتكميل الغسل، والأمر بالغسل فُهِمَ من الوعيد؛ لأنه لا يكون إلَّا في ترك واجب، فلما فُهِمَ ذلك من الوعيد أكده بقوله: "أسبغوا الوضوء" ولهذا ترك العاطف فوقع هذا تأكيدًا عامّا يشمل الرجلين وغيرهما من أعضاء الوضوء؛ لأنه لم يقل: أسبغوا الرجلين، بل قال: أسبغوا الوضوء، والوضوء هو غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، ومطلوبية الإسباغ غير مختصة بالرجلين، فكما أنه مطلوب فيهما فكذلك هو مطلوب في غيرهما.
فإنْ قيل: لِمَ ذكر الإسباغ عامّا، والوعيد خاصّا؟
قلت: لأنهم ما قصّروا إلَّا في وظيفة الرجلين؛ فلذلك ذكر لفظ الأعقاب، فيكون الوعيد في مقابلة ذلك التقصير الخاص، فهذا كله ظهر لي من الأنوار الربانية، وتحقق عندي أنه صواب، فلذلك غيرت هنا ما قلت هناك والله أعلم.
ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنا قد ذكرنا فيما تقدم من هذا الباب عن رسول الله - ﵇ - ما لمن غسل رجليه في وضوئه من الثواب، فثبت بذلك أنهما مما يغسل في الوضوء، وأنهما ليستا كالرأس الذي يمسح في الوضوء وغاسله لا ثواب له في غسله، وهذا الذي ثبت (بهذه) (١) الآثار هو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد -﵏-.
ش: أبي: وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس إلى آخره، وهو ظاهر.
قوله: "ما لمن غسل" مفعول "قد ذكرنا"، و"من" موصولة.
وقوله: "من الثواب" بيان لكلمة "ما" فافهم.
_________________
(١) تكررت في "الأصل".
[ ١ / ٣٤٧ ]
ص: وقد اختلف الناس في قوله ﷿: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) فأضافه قوم إلى قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) قصرا على معنى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وأضافه قوم إلى قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فقرءوا ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) نَسَقا على قوله: فاغسلوا وجوهكم، واغسلوا أيديكم، واغسلوا أرجلكم على الإضمار والنسق.
ش: لما ذكر حجج الفريقين من الآثار والأخبار، شرع بذكر استدلالهم بالقرائتين المختلفتين في آية الوضوء، فالفريق الأول -أعني الذين ذهبوا إلى مسح الرجلين- أخذوا بقراءة الجرِّ في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) وجعلوها عطفا على قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وهو معنى قوله: "فأضافه قوم إلى قوله: وامسحوا " إلى آخره فيكون المأمور في الوضوء أربعة أشياء:
غسلان: غسل اليدين، والوجه، ومسحان: مسح الرأس والرجلين، فقرأ بالجرّ ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وحمزة، وابن كثير، وقال الحافظ أبو بكر بن العربي: وقرأ أنس، وعلقمة، وأبو جعفر أيضًا بالخفض، وقال موسى بن أنس لأنس: يا أبا حمزة، إنَّ الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور فقال: اغسلوا حتى ذكر الرجلين، وغسلهما، وغسل العراقيب، فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج، قال الله سبحانه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١) قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما، وقال: نزل القرآن بالمسح وجاءت السُّنَّهُ بالغسل.
وعن ابن عباس وقتادة: "افترض الله -سبحانه- مسحين، وغسلين"، وبه قال عكرمة، والشعبي، واختار الطبري التمييز بينهما، وجعل القراءتين كالروايتين في الخبر، يعمل بهما إذا لم يتناقضا. انتهى.
والفريق الثاني -أعني الذين ذهبوا إلى غسل الرجلين- أخذوا بقراءة النصب، وهو معنى قوله: "وأضافه قوم إلى قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) وأراد بالإضافة
_________________
(١) سورة المائدة، آية: [٦].
[ ١ / ٣٤٨ ]
في الموضعين: العطف؛ لأن معنى العطف: الميل لغة، وفيه معنى الضم؛ لأن العاطف يضم شفقته إلى من يعطف عليه، ويجعلون المعنى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم واغسلوا أرجلكم، على الإضمار والنسق، أما الإضمار فهو تقدير اغسلوا، وأما النسق فهو العطف على اغسلوا وجوهكم، وممن قرأ بالنصب: عليٌّ، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس -في رواية- وإبراهيم، والضحاك، ونافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم، وعلي بن حمزة، وقال الأزهريّ: وهي قراءة ابن عباس، والأعمش، وحفص عن أبي بكر، ومحمد بن إدريس الشافعي -﵏-.
وقال الحافظ أبو بكر بن العربي: ثبتت القراءة بثلاث روايات:
الرفع، قرأ به نافع، ورواه عنه الوليد بن مسلم، وهي قراءة الأعمش.
والنصب والجرّ ذكرناهما، وقال الإِمام أبو بكر الرازي -﵀-: وهاتان القراءتان قد نزل بهما القرآن جميعًا ونقلهما الأئمة تلقيّا من رسول الله - ﵇ - ولا يختلف أهل اللغة أن كل واحدة من القراءتين محتملة للمسح بعطفهما على الرأس، ويحتمل أن يراد بها الغسل بعطفها (على) (١) المغسول من الأعضاء، وذلك لأن قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب يجوز أن يكون مراده واغسلوا أرجلكم، ويجوز أنْ يكون معطوفا على الرأس، فيراد بها المسح وإنْ كانت منصوبة فيكون عطفا على المعنى لا على اللفظ؛ لأن الممسوح مفعول به، كقول الشاعر:
مُعاوِيَ إننا بشرٌ فأسجح (٢) فلسنا بالجبال ولا الحديدا
فنصب الحديد وهو معطوف على الجبال بالمعنى، وتحتمل قراءة الخفض أنْ يكون معطوفا على الرأس، فيراد به المسح، ويحتمل عطفه على الغسل، ويكون
_________________
(١) تكررت في "الأصل".
(٢) كتب في الحاشية بخط مغاير: قوله: "أسجح" أمر من الإسجاح، وهو حسن العفو، والجيم مقدمة على الحاء.
[ ١ / ٣٤٩ ]
مخفوضا بالمجاورة، كقوله: تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ (١)، ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ (٢) فخفضهن بالمجاورة، وهن معطوفات في المعنى على الولدان؛ لأنهن يطفن ولا يطاف بهن، وكما قال الشاعر:
فهل أنت إنْ ماتت أتانك ركبُ إلى دار بسطام بن قيس فخاطِب
فخفض خاطِب بالمجاورة، وهو معطوف على المرفوع من قول راكبُ، والقوافي مجرورة، ألا ترى إلى قوله:
فهَلْ مثلُها في مثل حَيّ وكلَّهُم على داري بين ليلى وغالِب
فثبت بما وصفنا احتمال كل واحدة من القراءتين المسح، والغسل، فلا يخلو حينئذ القول من أحد معانٍ ثلاثة، إما أنْ يقال: إنَّ المراد هما جميعًا مجموعان فيكون عليه أنْ يمسح، ويغسل فيجمعهما، أو يكون أحدهما على التخيير، يفعل المتوضئ أيهما شاء ويكون ما يفعله هو المفروض، أو يكون المراد أحدهما بعينه لا على وجه التخيير، وغير جائز أنْ يكون هما جميعًا على وجه الجمع لاتفاق الجميع على خلافه، ولا جائز أيضًا أنْ يكون المراد أحدهما على وجه التخيير؛ إِذ ليس في الآية ذكر التخيير، ولا دلالة عليه، ولو جاز إثبات التخيير مع عدم لفظ التخيير في الآية لجاز إثبات الجمع مع عدم لفظ الجمع؛ فبطل التخيير بما وصفنا، وإذ انتفى التخيير والجمع، ولم يبق إلَّا أنْ يكون المراد أحدهما لا على وجه التخيير، فاحتجنا إلى طلب الدليل على المراد منهما، فالدليل على أن المراد الغسل دون المسح اتفاق الجميع على أنه إذا غسل فقد أدى فرضه وأتى بالمراد، وأنه غير ملوم على ترك المسح، فثبتَ أن المراد الغسل، وأيضًا فإن اللفظ للاحتمال الذي ذكرنا مع اتفاق الجميع على أن المراد أحدهما ضار في حكم المجمل المفتقر إلى البيان، فمهما ورد فيه من البيان عن الرسول - ﵇ - من فعل أو قول، علمنا أنه مراد الله، وقد ورد البيان عنه - ﵇ - بالغسل قولًا
_________________
(١) سورة الواقعة، آية: [١٧].
(٢) سورة الواقعة، آية: [٢٢]. وهي قراءة حمزة والكسائي وأبو جعفر، وقرأ الباقون بالرفع، انظر "البدور الزاهرة" (ص ٣١٢).
[ ١ / ٣٥٠ ]
وفعلا، أما الأول فهو ما ثبت بالنقل المستفيض المتواتر أنه - ﵇ - غسل رجليه في الوضوء، ولم تختلف الأمة فيه، فصار ذلك واردا مورد البيان، فإذا ورد فعله على وجه البيان فهو على الوجوب، فثبتَ أن ذلك مراد الله بالآية.
وأما الثاني فما روى جابر وأبو هريرة، وعائشة، وعبيد الله بن عمر وغيرهم: "أن النبي - ﵇ - رأى قوما تلوح أعقابهم لم يصبها الماء، فقال: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء" (١) وتوضأ النبي - ﵇ - مرة فغسل رجليه وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلَّا به" (١) وأيضًا فلو كان المسح جائزا لما أخلاه النبي - ﵇ - من بيانه إِذ كان مراد الله في المسح كهو في الغسل، فكان يجب أنْ يكون مسحه في وزن غسله، فلما لم يرد عنه المسح حسب وروده في الغسل؛ ثبت أن المسح غير مراد.
وأيضًا فإن القراءتين كالآيتين في أحداهما الغسل وفي الأخرى المسح لاحتمالهما للمعنيين، فإذا وردت آيتان إحداهما توجب الغسل، والأخرى توجب المسح، لما جاز ترك الغسل إلى المسح؛ لأن في الغسل زيادة فعل وقد اقتضاه الأجر بالغسل، فكان يكون حينئذ يجب استعمالها على أعمّهما حكمًا، وأكثرهما فائدة وهو الغسل؛ لأنه يأتي على المسح، والمسح لا يتضمن الغسل، وأيضًا لما حَدّد الرجلين بقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ كما قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ دلّ على استيعاب الجميع كما دلّ ذكر الأيدي إلى المرافق على استيعابهما بالغسل، وذكر صاحب "البدائع" ما ملخّصه: أن من قال بالمسح أخذ بقراءة الخفض، ومن قال بالتخيير يقول: إنَّ القراءتين ثابتتان، وقد تعذر الجمع بينهما بأن يجمع الغسل والمسح إِذ لا قائل به من السلف فيتخير، وأيهما فعل يكون آتيا بالمفروض، ومن قال بالجمع يقول: القراءتان في آية واحدة كالآيتين، فيجب العمل بهما جميعًا ما أمكن، وهنا أمكن لعدم التنافي بين الغسل والمسح في محل واحد، فيجب الجمع، ولنا قراءة النصب وأنها ترجح؛ لأنها محكمة في الدلالة على كون الأرجل معطوفة على المغسول، وقراءة
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١ / ٣٥١ ]
الخفض محتملة؛ لأنه يحتمل عطفها على الرؤوس حقيقة ومحلها الخفض، وعلى الوجه واليدين حقيقة ومحلها النصب إلَّا أنها خفضت للمجاورة كما في: "جُحْر ضبٍّ خرب"، والخرب نعت للجحر لا للضبّ، فكانت قراءة النصب أرجح، إلَّا أن فيه إشكالا وهو أن الكلام في حد التعارض؛ لأن قراءة النصب محتملة أيضًا في الدلالة على كون الأرجل معطوفة على اليدين والوجه؛ لأنه يحتمل أنَّهَا معطوفة على الرأس، والمراد بها المسح حقيقة، لكنها نصبت على المعنى لا على اللفظ؛ لأن الممسوح به مفعول به فصار كأنه: فامسحوا رؤوسكم، والإعراب قد يتبع اللفظ وقد يتبع المعنى، فحينئذ يُصلب الترجيح من وجه آخر، وذلك من وجوه:
أحدها: أنَّ الله مدّ الحكم في الأرجل إلى الكعبين، ووجوب المسح لا يمتد إليهما.
الثاني: أنَّ الغَسْلَ يتضمن المسح.
والثالث: أنه روى عن جماعة من الصحابة، عن رسول الله - ﵇ - أنه قال: "ويل للأعقاب من النار" والوعيد لا يُستحق إلَّا بترك الواجب، والحكم في تعارض القراءتين كالحكم في تعارض الآيتين، فإنْ أمكن العمل بهما مطلقا يعمل، وإلَّا يعمل بالقدر الممكن، وها هنا لا يمكن الجمع بين الغسل والمسح في عضو واحدٍ في حالة واحدةٍ؛ لأنه لم يقل به أحد، ولأنه يؤدي إلى تكرار المسح؛ لأن الغسل يتضمن المسح، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار فيحمل في حالتين، فتُحمل قراءة النصب على ما إذا كانت الرِّجْلان باديتان، وقراءة الخفض على ما إذا كانتا مستورتين بالخفن؛ توفيقا بين القراءتين، وعملا بهما بالقدر الممكن. انتهى.
فإنْ قيل: لا يستقيم الحمل على هذا الوجه؛ لأن قراءة الجر تقتضي المسح على الرجل دون الخف.
قلت: لما أقيم الخف مقامه كان المسح على الخف كالمسح عليه، وإنما أضيف المسح إلى الرجل دون الخف لئلا يوهم جواز المسح على الخف بدون اللبس، وهذا على اختيار بعض المشايخ الذين أثبتوا جواز المسح على الخف بالكتاب، ولكن الجمهور منهم أثبتوه بالسُّنة المشهورة دون الكتاب وقالوا: لو كان ثابتا
[ ١ / ٣٥٢ ]
بالكتاب لكان مغيًّا إلى الكعبين كالغسل، وليس كذلك، وأجابوا عن قراءة الجرّ بأن الأرجل في محل النصب أيضًا بالعطف على الوجه فيكون مغسولا، فلا تعارض، وإنما صار مجرورا للمجاورة، وقيل: المراد بالمسح في حق الرجل الغسل، ولكن أُطلق عليه لفظ المسح للمشاكلة، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١) وقيل: إنما ذكر بلفظ المسح؛ لأن الأرجل من بين سائر الأعضاء مظنة إسراف الماء بالصبّ، فعطف على الممسوح، وإنْ كانت مغسولة على وجوب الاقتصاد في الصبّ لا لتُمْسح، وجيء بالغاية فقيل: إلى الكعبين إماطة لظن ظان يحسبها أنها ممسوحة؛ إذ المسح لم تصرف له غاية، وإليه أشار العلامة الزمخشري في "الكشاف"، واعترض عليه بأنا لا نسلم أنّ العطف لا لتمسح؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وقوله: إماطة لظن إلى آخره، غير مسلم أيضًا لأن الحكم الشرعي لا يعلم كيفيته وكميته إلَّا بالشرع، فننتهي إلى ما أنهانا الشارع إليه، وما قاله تعليل في معارضة النص، وهو فاسد، وأيضًا لو كان لتعليله أثر لم يُقرأ بالنصب، وقد ظهر فساد علّته لتخلف المعلول عن العلة، على تقدير قراءة النصب، وها هنا سؤال، وهو أنْ يقال: المسح في المعطوف عليه للإصابة حقيقة، وفي المعطوف إذا جعل للغسل مجاز، فيكون جمعا بين الحقيقة والمجاز.
وأجيب بأن المسح الذي يُعبّر به عن الغسل هو لفظ المسح المقدر الذي تدل عليه الواو التي في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فحينئذ لا يلزم ذلك في لفظٍ واحدٍ.
ص: وقد اختلف في ذلك أصحاب رسول الله - ﵇ - فمن دونهم، فمما روي عنهم في ذلك ما:
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن قيس، عن عاصم، عن زِرٍّ: "أنَّ عبد الله بن مسعود - ﵁ - قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالفتح".
_________________
(١) سورة الشورى، آية: [٤٠].
[ ١ / ٣٥٣ ]
ش: أي وقد اختلف في عطف قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ هل هو على قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أو على قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ أصحاب رسول الله - ﵇ - فمن دونهم من التابعين، فمما روي عن الصحابة: ما روي عن ابن مسعود - ﵁ -.
أخرجه الطحاوي عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن بهدلة الكوفي المقرئ، عن زر بن حُبَيْش، عن عبد الله، وفي قيس خلاف.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): عن أبي بكر أحمد بن علي، عن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله، عن محمَّد بن إسحاق بن خزيمة، عن بُنْدَار، عن أبي داود إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق، قال: ثنا عبد الوارث ابن سعيد ووهيب بن خالد، عن خالد الحذَّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأها كذلك.
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن ابن مبارك، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنه قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ يعني رجع الأمر إلى الغسل".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب، قال: نا عبد الوارث، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو حسن؛ لأن علي بن زيد روى له مسلم مقرونا بثابت البناني (٣).
_________________
(١) "سنن البيهقي الكبرى" (١/ ٧٠ رقم ٣٣٦).
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٢٦ رقم ١٩٣).
(٣) قلت: بل هو ضعيف، ورواية مسلم له مقرونًا بغيره لا تنفعه؛ فالرجل مجمع على ضعفه. انظر ترجمته في "تهذيب الكمال"، "وميزان الاعتدال".
[ ١ / ٣٥٤ ]
ويوسف بن مهران وثقه أبو زرعة وابن سعد.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: سمعت هشيما يقول: أبنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنه قرأها كذلك، وقال: عاد إلى الغسل".
ش: هذا طريق آخر وإسناده صحيح.
قوله: "قرأها كذلك" يعني وأرجلَكم بالفتح.
قوله: "عاد إلى الغسل" أي عاد الأمر أو الحكم إلى غسل الرجلين بمقتضى هذه القراءة.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا يعقوب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قيس، عن مجاهد قال: "رجع القرآن إلى الغسل، وقرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾.
ش: يعقوب: هو ابن إسحاق، وقيس هو ابن الربيع، فيه مقال.
وأخرجه البيهقي (١): عن أبي عبد الله الحافظ، عن أبي العباس، عن إبراهيم، عن يعقوب بن إسحاق إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حماد فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن مجاهد إلى آخره.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا يعقوب، قال: نا سفيان بن عُيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه مثله.
ش: إسناده صحيح.
_________________
(١) "سنن البيهقي الكبرى" (١/ ٧٠ رقم ٣٣٧، ٣٣٨).
[ ١ / ٣٥٥ ]
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: "أنه كان يقرأ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (٢)، يقول رجع الأمر إلى الغسل".
وأخرجه البيهقي (٣) نحوه.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: [ثنا يعقوب قال] (٤)، ثنا عبد الوارث، قال: ثنا أبو التياح، عن شهر بن حوشب مثله.
ش: إسناده صحيح، وأبو التياح اسمُه يزيد بن حُميد الضبعي.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا حماد، عن عاصم، عن الشعبي قال: "نزل القرآن بالمسح، والسُّنَّة بالغسل".
ش: إسناده صحيح، ويعقوب هو ابن إسحاق، وحماد هو ابن سلمة، وعاصم هو ابن بَهْدلة، والشعبي اسمُه عامرٌ.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٥): عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: "أما جبريل فقد نزل بالمسح على القدمين".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا حميد الأعرج، عن مجاهد: "أنه قرأها ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض.
ش: إسناده صحيح، وحميد بن قيس الأعرج المكي، روى له الجماعة.
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٢٦ رقم ١٩٤).
(٢) سورة المائدة، آية: [٦].
(٣) "سنن البيهقي الكبرى" (١/ ٧٠ رقم ٣٣٧) من طريق سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة به.
(٤) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح المعاني" وإبراهيم بن مرزوق لا يدرك عبد الوارث ابن سعيد، إنما يروي عن ابنه عبد الصمد بن عبد الوارث. وسيأتي على الصواب إن شاء الله تعالى.
(٥) "مصنف عبد الرزاق" (١/ ١٩ رقم ٥٦).
[ ١ / ٣٥٦ ]
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن قرة، عن الحسن، أنه قرأها كذلك.
ش: إسناده صحيح، وأبو داود: سليمان الطيالسي، وقرة بن خالد السدوسي، والحسن البصري -﵏-.
ص: وقد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله - ﵇ - أنهم كانوا يغسلون، فمما روي في ذلك ما حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن الزبير بن عَدِيّ، عن إبراهيم قال: قلت للأسود: "أكان عمر يغسل قدميه؟ فقال: نعم كان يغسلهما غسلا".
ش: إسناده صحيح، وأبو نعيم: الفضل بن دكين، وسفيان هو: الثوري، وإبراهيم هو: النخعي، والأسود هو: ابن يزيد، خال إبراهيم.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن عبد الله بن نمير، عن الحجاج، عن الزبير بن عدي إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: نا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "توضأ عمر - ﵁ - فغسل قدميه".
ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا روح بن الفرج، ولكنه منقطع؛ لأن إبراهيم لم يسمع من الصحابة شيئا.
وأبو الأحوص سلّام بن سُليم الكوفي، ومغيرة هو [ابن] (٢) مقسم الضبي.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا أبو ربيعة، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي جَمرة قال: "رأيت ابن عباس يغسل رجليه ثلاثا ثلاثا".
ش: أبو ربيعة اسمه زيد بن عوف. القُطَعي، قال الدراقطني: ضعيف. وقال الفلاس: متروك.
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٢٦ رقم ١٨٦).
(٢) سقط من "الأصل، ك" والصواب إثباته، ومغيرة بن مقسم من رجال التهذيب.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وأبو عوانة الوضاح اليشكري، وأبو جمرة -بالجيم- نصر بن عمران.
وما روي عنه: "الوضوء مسحتان وغسلتان" فمحمول على مسح الرجلين وهما في الخف.
ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابنُ لهيعة، عن عمارة بن غَزِيَّة، عن ابن المُجْمر قال: "رأيت أبا هريرة يتوضأ مرة، وكان إذا غسل ذراعيه كاد أنْ يبلغ نصف العضد، ورجليه إلى نصف الساق، فقلت له في ذلك، فقال: أريد أنْ أُطيل غرتي، إني سمعت رسول الله - ﵇ - يقول: إن أمتي يأتون يوم القيامة غرّا محجَّلين من الوضوء، ولا يأتي أحد من الأمم كذلك".
ش: أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، ثقة.
وعبد الله بن لهيعة فيه مقال.
وعمارة بن غزية روى له مسلم.
وابن المُجْمر هو نعيم بن عبد الله المُجْمِر، بضم الميم، وسكون الجيم، وكسر الميم الثانية، ويقال: بتشديد الميم (١)، ثم هو صفة عبد الله والد نعيم في رواية الطحاوي، وبه جزم ابن حبان في كتاب "الثقات"، وكذلك جزم النووي في شرح مسلم بأن المجمر صفة لعبد الله، وتطلق على ابنه نعيم مجازا، قال ذلك مع جزمه أولا بأن نعيما هو كان يُبخِّر المسجد ووقع في رواية البخاري ومسلم عن نعيم المجمر، فوقع المجمر صفة له، والصحيح أنَّ المجمر صفة لأبيه عبد الله، كما في رواية الطحاوي؛ لأنه كان يأخذ المجمر قدام عمر بن الخطاب - ﵁ - إذا خرج إلى الصلاة في رمضان ونعيم هو ابن المجمر، روى له الجماعة.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا يحيى بن بكير، قال: ثنا الليث، عن خالد، عن سعيد ابن أبي هلال، عن نعيم المجمر قال: "رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد،
_________________
(١) أي مع فتح الجيم: المجَمِّر.
(٢) "صحيح البخاري" (١/ ٦٣ رقم ١٣٦).
[ ١ / ٣٥٨ ]
فتوضأ وقال: إني سمعت رسول الله - ﵇ - يقول: إن أمتي يُدْعون يوم القيامة غرّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أنْ يطيل غرته فليفعل لما.
وأخرجه مسلم (١): حدثني هارون بن سعيد الأيلي، قال: حدثني ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم بن عبد الله: "أنه رأى أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه ويديه (إلى) (٢) المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت " إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (٣): عن قتيبة، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أنَّ رسول الله - ﵇ - خرج إلى المقبرة، فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إنْ شاء الله بكم لاحقون، وددت أني رأيت إخواننا، قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟! قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون بعد، وأنا فرطهم على الحوض، قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غرٌّ محجلةٌ في خيل بهُمٍ دُهمٍ، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض".
قلت: هذا الحديث رواه أيضًا عبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو أمامة الباهلي، وأبو الدرداء (٤):
فحديث عبد الله عند ابن أبي شيبة (٥)، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله قال: "قلت: يا رسول الله، كيف تعرف مَنْ لم تر من أمتك؟ قال: هم غُرٌّ [محجلون] (٦) بلق من آثار الوضوء".
_________________
(١) "صحيح مسلم" (١/ ٢١٦ رقم ٢٤٦).
(٢) في "صحيح مسلم": "حتى كاد يبلغ".
(٣) "المجتبى" (١/ ٩٣ - ٩٤ رقم ١٥٠)، وأخرجه ابن ماجه أيضًا (٢/ ١٤٣٩ رقم ٣٠٦).
(٤) وعبد الله بن بسر أيضًا كما عند البزار في "مسنده" (٨/ ٤٢٩ رقم ٣٥٠٠).
(٥) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٥ رقم ٤٠)، وأخرجه ابن ماجه أيضًا (١/ ١٠٤ رقم ٢٨٤).
(٦) ليست في "الأصل، ك"، وما أثبتناه من "مصنف ابن أبي شيبة".
[ ١ / ٣٥٩ ]
وحديث جابر عند البزار (١): عن إسماعيل بن حفص الأيلي، عن يحيى بن اليمان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر قال: "قيل: يا رسول الله، كيف تعرف منْ لم تر من أمتك؟ قال: غُرّا -أحسبه قال-: محجلون من آثار الوضوء".
وحديث أبي سعيد عند الطبراني في "الأوسط" (٢): بإسناده إليه قال: "قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال: غرٌّ محجلون من الوضوء".
وحديث أبي أمامة عنده أيضًا في "الكبير" (٣): بإسناده إليه قال: "قلت يا رسول الله، أتعرف أمتك يوم القيامة؟ قال: نعم. قلت: مَنْ رأيت ومَنْ لم تر؟ قال: مَنْ رأيت ومنْ لم أر، قلت: بماذا؟ قال: غرٌّ محجلون من آثار الوضوء".
رواه أحمد أيضًا في "مسنده" (٤).
وحديث أبي الدرداء عند أحمد (٥) والطبراني (٦) أيضًا: بإسناد فيه ابن لهيعة فقال أبو الدرداء: قال رسول الله - ﵇ -: "أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يرفع رأسه، فأنظر (بين) (٧) يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي [مثل] (٨) ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك، فقال رجل: كيف تعرف أمتك يا رسول الله من بين سائر الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: هم غرّ محجلون من أثر الوضوء ليس لأحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتَون كتُبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيدهم ذريتهم".
_________________
(١) عزاه الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٢٥) للبزار وقال: إسناده حسن.
(٢) "المعجم الأوسط" (٦/ ٩٧ رقم ٥٨٥٢).
(٣) "المعجم الكبير" (٨/ ١٠٦ رقم ٧٥٠٩).
(٤) "مسند أحمد" (٥/ ٢٦٠ - ٢٦١ رقم ٢٢٣١) بنحوه.
(٥) "مسند أحمد" (٥/ ١٩٩ رقم ٢١٧٨٨).
(٦) "المعجم الأوسط" (٣/ ٣٠٤ رقم ٣٢٣٤).
(٧) تكررت في "الأصل".
(٨) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد".
[ ١ / ٣٦٠ ]
قوله: "نصف العضد" يجوز فيه ضُم الضاد وسكونها، وقال الجوهري: العضد الساعد، وهي من المرفق إلى الكتف، فيه أربع لغات: عَضُد، وعَضِد، مثل: حَذُر، وحَذِر، وعَضْد، وعُضْد، مثل: ضَعْف، وضُعْف، وعضدتُه أعضُده -بالضم- أَعَنْتُه، والساق ساق القدم، والجمع سوق وسيقان وأسوق.
قوله: "غرتي" الغرة بياض في جبهة الفرس، والحجل بياض في يديها ورجليها، فسُمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرّا وتحجيلا؛ تشبيها بذلك، وقيل: الأغرَّ من الخيل الذي غرته أكثر من الدرهم، قد وسطت جبهته ولم تُصِبْ واحدة من العينين، ولم تمل على واحد من الخدين، ولم تَسِل سُفلى، وهي أفشى من القرحة (١)، وقال بعضهم: بل يقال للأغر: أغرَّ أقرح؛ لأنك إذا قلت: أَغَرَّ فلا بد من أنْ تصف الغرة بالطول والعرض، والصغر والعِظَمْ والدقة، وكلهن غُرَر، فالغرة جامعة لهن، وغرة الفرس: البياض يكون في وجهه، فإنْ كان [مُدَوَّرَة فهي] (٢) وتيرة، وإنْ [كانت] (٣) طويلة فهي شادخة.
وفي "الصحاح": الوتيرة الوردة البيضاء، ووتَره حقه أبي نقصه.
والأغرب الأبيض من كل شيء، وقد غَرَّ وجهه يَغَرّ -بالفتح- غَرَرا، وغُرَّة، وغَرارة: صار ذا غُرَّة.
والتحجيل بياض يكون في قوائم الفرس كلها، وقيل: هو أنْ يكون البياض في ثلاث قوائم منهن دون الأخرى، في رجل ويدين، ولا يكون التحجيل في اليدين خاصة إلَّا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلَّا مع الرجلين، والتحجيل بياض قلَّ أو كثُرَ حتى يبلغ نصف الوظيف ويكون سائره ما كان.
وفي "الصحاح": يجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين، ولا العرقوبين.
_________________
(١) زاد في "لسان العرب" (مادة: غرر): والقرحة: قدر الدرهم فما دونه.
(٢) في "الأصل، ك": موزرة فهو، والمثبت من "لسان العرب".
(٣) في "الأصل، ك": كان، والمثبت من "لسان العرب".
[ ١ / ٣٦١ ]
وفي "المغيث" لأبي موسى المديني: فإذا كان البياض في طرف اليد فهو العُصمة، يقال: فرس أعصم.
قوله: "إنَّ أمتي" الأُمة تطلق على أُمَّه الدعوة، وعلى أمة الأتباع، والمراد ها هنا أمة أتباعه - ﵇ -، جعلنا الله منهم، والأمة في اللغة: الجماعة، قال الأخفش: هو في اللفظ واحدة والمعنى جمع، وكل جنس من الحيوان أمة، وفي الحديث: "لولا أنَّ الكلاب
أمة من الأمم لأمرت بقتلها" (١).
قوله: "يوم القيامه" يوم: من الأسماء الشاذة لوقوع الفاء والعين فيه حَرْفَيْ علة (٢)، فهو من باب "ويل" و"ويح"، وهو اسم لبياض النهار، وهو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، والقيامة: فعالة من قام يقوم، وأصلها قوامة، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها.
قوله: "غُرّا" بضم الغين جمع أغرّ.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: المراد بالغُرة غسل شيء من مقدم الرأس، وما تجاوز الوجه زائدا على الجزء الذي يجب غسله لاستيعاب كمال الوجه، وبالتحجيل غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وادعى ابن بطال ثم القاضي عياض ثم ابن التين اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب، وهي دعوى باطلة، فقد ثبت ذلك من فعل رسول الله - ﵇ -، وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، فهم محجوجون بالإجماع، واحتجاجهم بقوله: - ﵇ - "من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" لا يصح؛ لأن المراد به الزيادة في عدد المرات، أو النقص عن الواجب، أو الثواب
_________________
(١) أخرجه "أبو داود" (٣/ ١٠٨ رقم ٢٨٤٥)، و"الترمذي" (٤/ ٧٨ رقم ١٤٨٦)، والنسائي في "المجتبى" (٧/ ١٨٥ رقم ٤٢٨٠)، و"ابن ماجة" (٢/ ١٠٦٩ رقم ٣٢٠٥) وغيرهم من حديث عبد الله بن مغفل، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) أي أول حرفين من وزن الاسم؛ لأنه على وزن: فعل.
[ ١ / ٣٦٢ ]
المرتب على نقص العدد، لا الزيادة على تطويل الغرة والتحجيل، وأما حد الزيادة فغايته استيعاب العضد والساق، وقال جماعة من أصحاب الشافعي: يستحب إلى نصفهما. وقال البغوي: نصف العضد فما فوقه، ونصف الساق فما فوقه.
وقال النووي: اختلف أصحابنا في القدر المستحب على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيف. وثانيها: إلى نصف العضد والساق. وثالثها: إلى المنكب والركبتين، والأحاديث تقتضي ذلك كله.
وقال الشيخ تقي الدين القشيري: ليس في الحديث تقييد ولا تحديد لمقدار ما يغسل من العضدين والساقين، وقد استعمله أبو هريرة على إطلاقه فغسل إلى قريب من المنكبين، ولم ينقل ذلك عن النبي - ﵇ -، ولا كثر استعماله في الصحابة والتابعين؛ فلذلك لم يقل به أحد من الفقهاء، ورأيت بعض الناس قد ذكر أنَّ حد ذلك نصف العضد والساق.
قلت: قوله: "لم يقل به أحد من الفقهاء" غريب على ما قدمنا عنهم آنفا عن أصحاب الشافعي.
فإن قيل: لِمَ اقتصر أبو هريرة على قوله: "أريد أنْ أطيل غرتي" ولم يذكر التحجيل؟
قلت: هو من باب الاكتفاء للعلم به، كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (١) ولم يقل: والبرد؛ للعلم به، والمعنى تقيكم الحر والبرد.
وقد قيل: إنَّ هذا من باب التغليب بالذكر لأحد الشيئين على الآخر، وإنْ كانا بسبيل واحد للترغيب فيه. وقد استعمل الفقهاء ذلك وقالوا: يستحب تطويل الغرة، ومرادهم الغرة والتحجيل وفيه نظرة لأن التغليب اجتماع الاسمين أو
_________________
(١) سورة النحل، آية: [٨١].
[ ١ / ٣٦٣ ]
الأسماء وتغليب أحدهما على الآخر نحو: القمرين والعمرين، وهنا لم يذكر إلَّا اسم واحد، وقد يجاب بأنها خصت بالذكر لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء، ولأنه أول ما يقع عليه البصر يوم القيامة.
فإنْ قيل: الوضوء من خصائص هذه الأمة أم كان أيضًا لأحد من الأمُم؟
قلت: استدلت جماعة من العلماء بهذا الحديث على أنَّ الوضوء من خصائص هذه الأمة، وبه جزم الحليمي في "منهاجه"، وقال آخرون: ليس الوضوء مختصا بهذه الأُمة، وإنما الذي اختصت به: الغرة والتحجيل، واحتجوا بقوله - ﵇ -: "هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي"، وأجاب الأولون عن هذا بوجهين:
أحدهما: أنه ضعيف.
والثاني: أنه لو صح لاحتمل اختصاص الأنبياء ﵈ دون أممهم بخلاف هذه الأمة، وفيه شرف عظيم لهم؛ حيث استووا مع الأنبياء - ﵈ - في هذه الخصوصية، وامتازت بالغرة والتحجيل، ولكن ورد في الحديث فيه شأن جريج العابد: "أنه توضأ وصلى" (١)، وفيه دلالة على أنَّ الوضوء كان مشروعا لهم، فعلى هذا تكون خاصية هذه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن الوضوء لا الوضوء، ونقل الزناتي المالكي شارح "الرسالة" (٢) عن العلماء: أنَّ الغرة، والتحجيل حكم ثابت لهذه الأمة من توضأ منهم و[من] (٣) لم يتوضأ، كما قالوا: لا يكفر أحدٌ من أهل القبلة بذنب، إنَّ أهل القبلة كل من آمن به من أمته، سواء صلّى أو لم يصلّ، وهذا نقل غريب، فظاهر الأحاديث يقتضي خصوصية ذلك لمن توضأ منهم.
_________________
(١) هذه هي رواية البخاري في "صحيحه" (٣/ ١٢٦٨ رقم ٣٢٥٣).
(٢) هو يوسف بن عمر الزناتي المالكي، والرسالة هي رسالة ابن زيدون. انظر "كشف الظنون" (١/ ٨٤١).
(٣) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها.
[ ١ / ٣٦٤ ]
الحكم الثاني: استحباب المحافظة على الوضوء، وسننه المشروعة فيه، وإسباغه.
الثالث: فيه ما أعد الله تعالى من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة.
الرابع: فيه دلالة قطعية أنَّ وظيفة الرجلين غسلهما، ولا يجزئ مسحهما، فافهم.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا يعقوب، قال: نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد: "أنه ذكر له المسح على القدمين، فقال: كان ابن عمر - ﵄ - يغسل رجليه غسلا، وأنا أسكب عليه الماء سكبا".
ش: إسناده صحيح، وأبو عوانة: الوضاح، وأبو بشر: جعفر بن أبي وحشية الواسطي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا محمَّد بن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عمر - ﵁ - قال: "إني كنت لأسكب عليه الماء فيغسل رجليه".
وفيه: إباحة استعانة الغير في الوضوء.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عمر مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا أبو عامر العَقَدي، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجُشَون، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ -: "أنه كان يغسل رجليه إذا توضأ".
ش: إسناده على شرط الشيخين.
وأبو عامر اسمه عبد الملك بن عمرو، والعَقَدي -بفتح العين المهملة والقاف- نسبة إلى العَقَد -بالتحريك- قبيلة من اليمن، وقيل: من بجيلة.
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٢٦ رقم ١٩٠).
[ ١ / ٣٦٥ ]
والماجُشِون -بضم الجيم كذا في "العباب" (١) وقال: هي ثياب مُصَبَّغة، وأنشد لأمية الهُذلي.
وتخفي بخَيْفاء مُغبّرةٍ تَخالُ القَتامَ بها الماجُشونا
أي تخفي شخص الرجل لسرعتها، قاله أبو سعيد، وقال غيرُه: الماجشون: السفينة، وماجُشُون من الألقاب، وهو مُعّربُ مَاهُ كوُنْ، ومعناه: المُوَرَّدُ على لون القمر، وهو من الأبنية التي أغفلها سيبويه. انتهى.
قلت: "ماه" بالفارسية هو القَمُر، وكوُن: معناه اللون، وقد استَقْصَينا الكلام فيه في كتاب الرجال.
وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر: "كان في توضئه يُنَقي رجليه، وينظف أصابع يديه مع أصابع رجليه، ويتتبع ذلك حتى ينقيه".
عبد الرزاق (٣)، عن عبد العزيز بن أبي [رواد] (٤)، عن نافع: "أنَّ ابن عمر كان يغسل قدميه بأكثر وضوئه".
قال عبد الرزاق: "فوضّأت أنا الثوري فرأيته يفعل ذلك، يغسلهما فيكثر".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: ثنا عبد السلام، عن عبد الملك، قال: "قلت لعطاء: أبَلَغَك عن أحدٍ من أصحاب النبي - ﵇ - أنه مسح على القدمين؟ قال: لا".
ش: إسناده صحيح.
_________________
(١) هو "العباب الزاخر" في اللغة، للإمام الحسن بن محمَّد الصغاني وهو في عشرين مجلدًا، انظر "كشف الظنون" (٢/ ١١٢٢)، و"سير أعلام النبلاء" (٢٣/ ٢٨٣).
(٢) "مصنف عبد الرزاق" (١/ ٢٤ رقم ٧٣).
(٣) "مصنف عبد الرزاق" (١/ ٢٥ رقم ٧٦).
(٤) في "الأصل، ك": داود، وهو تحريف، والمثبت من "مصنف عبد الرزاق"، ومصادر ترجمته.
[ ١ / ٣٦٦ ]
ص: وقد زعم زاعم أنَّ النظر يُوجبُ مسح القدمين في وضوء الصلاة لا غسلهما، فقال: لأني رأيت حكمهما بحكم الرأس أشبه؛ لأني رأيتُ الرَجُلَ إذا عدِمَ الماء فصار فرضه التيمم، يَمَّمَ وجهَه وَيَدَيْه ولا يُيَمّم رأسه ولا رجليه، فلما كان عدم الماء يسقط فرض غسل الوجه واليدين إلى فرض آخر -وهو التيمم- ويسقط فرض الرأس، والرجلين لا إلى فرض؛ ثبت بذلك أنَّ حكم الرجلين في حال وجود الماء كحكم الرأس، لا كحكم الوجه واليدين.
ش: هذا سؤال من جهة مَنْ يذهب إلى مسح الرجلين، أوردوه من جهة القياس، وهو ظاهر، ومن ذلك قال: ابن حزم في "المحلى": إنا وجدنا الرجلين يسقط حكمهما في التيمم كما تسقط الرأس فكان حملهما على ما يسقطان بسقوطه، ويثبتان بثبوته أولى من حملهما على ما لا يثبتان بثبوته.
وأيضًا فالرِجْلان مذكوران مع الرأس؛ فكان حملهما على ما ذُكرا معه أولى من حملهما على ما لم يذكرا معه.
وأيضًا فالرأس طرف، والرجلان طرف؛ فكان قياس الطرف على الطرف أولى من قياس الطرف على الوسط.
وأيضًا فإنهم يقولون بالمسح على الخفين؛ فكان تعويض المسح من المسح أولى من تعويض المسح من الغسل.
وأيضًا فإنه لما جاز المسح على ساتر الرجلين، ولم يجز على ساتر دون الوجه والذراعين؛ دلَّ -على أصول أصحاب القياس- أنَّ أمر الرجلين أخف (وأيسر) (١) من أمر الوجه والذراعين، فإذا كان كذلك فليس إلَّا المسح.
فهذا أصح قياس في الأرض لو كان القياس حقّا. انتهى.
_________________
(١) ليست في "المحلى" (٢/ ٥٧).
[ ١ / ٣٦٧ ]
قلنا: هذا كله قياس، ونحن ما أثبتنا فرضيّة غسل الرجلين بالقياس حتى يلزمنا ما ذكرتم، وإنما ثبتت فرضيّة ذلك بالنصّ، والأحاديث الدالة على ذلك، وليس للقياس فيه مجال، نعم هذا إنما يَرِدُ علينا لو أنْ أثبتنا الحكم بالقياس ابتداء، وليس كذلك، فافهم.
ص: قال أبو جعفر: فكان من الحجة عليه في ذلك: أنَّا رأينا أشياء تكون في حال وجود الماء كحكم الوجه واليدين لا كحكم الرأس، ويكون فرضها الغسل في حال وجود الماء، ثم يسقط ذلك الفرض في حال عدم الماء لا إلى فرض، من ذلك: الجنب عليه أنْ يغسل سائر بدنه عند وجود الماء، وإذا عَدِمَ يمَّمَ الوجه واليدين، ولم يَدُلّ هذا على أنَّ ما عداه لا يجب غسلُه عند القدرة على الماء، فكذلك حكم الرجلين.
ش: أيّ فكان من الجواب على هذا الزاعم فيما أورده في السؤال المذكور: أنَّا رأينا إلى آخره وهذا أيضًا ظاهر.
قوله: "في ذلك" أيْ فيما ذكرنا من قولنا أشياء.
قوله: "وإذا عَدِمَ" بكسر الدال أيْ إذا عَدِمَ الماء وهو متعدٍ، يُقال: عَدِمْتُ الشيء -بالكسر- أَعْدَمُه عُدَما وعَدَما بالتحريك على غير قياس، أيْ: فقدته.
قوله: "يَمَّمَ الوجه" أيْ استعمل التراب على الوجه واليدين.
[ ١ / ٣٦٨ ]