ولد البدر في بلدة عينُ تاب -وهي قلعة حصينة ورستاق بين حلب وأنطاكية، وكانت تعرف بدلوك، ودلوك رستاقها، وهي من أعمال حلب- في السابع عشر من رمضان سنة اثنين وستين وسبعمائة من الهجرة، ونشأ بها نشأة أبناء العلماء في زمانه، فتلقى العلوم علي والده القاضي شهاب الدين أحمد بن موسي وعلي غيره من المشايخ بعين تاب، وبرع في كثير من العلوم حتى إنه استطاع أن يتولى القضاء نيابة عن والده وأن يجيد القيام بمهامه.
ولم يقف طموح البدر عند تلقي العلوم علي علماء بلدته فارتحل إلى البلاد المجاورة طلبًا للعلم علي يد العلماء المبرزين في كل فن، فانتقل إلى حلب وأخذ عن أجلة شيوخها، كما انتقل إلى بهنسا وإلى كختسا وإلي ملطية لنفس الغرض، وفي سنة ثمان وثمانين وسبعمائة سافر إلى الحج، وزار بيت المقدس فالتقي بشيخ علماء العصر علاء الدين أحمد بن محمد السيرافي الحنفي فلازمه وداوم علي صحبته ثم سافر معه إلى مصر، وقرَّه صوفيًّا في عداد صوفية المدرسة البرقوقية التي افتتحها السلطان الظاهر برقوق في سنة تسع وثمانين ثم عين خادمًا فيها، وتهيأ له بذلك طول الملازمة لشيخه علاء الدين، فدرس عليه علوم الفقه وأصوله والمعني والبيان وغيرها، وسنحت له الفرصة لتلقي العلوم علي غيره أيضًا من أكابر شيوخ القاهرة.
[ ١ / ١١ ]
ثم بعد أن رسخ له كثير من العلوم وذاع صيته في القاهرة، تولي عدة مناصب ووظائف، فعين محتسبًا للقاهرة بعد عزل العلامة تقي الدين المقريزي في سنة إحدى وثمانمائة، ثم عزل عنها ثم أعيد مرة أخرى، ثم عزل وعن تقي الدين المقريزي مكانه، ثم عين ناظرًا للأحباس في عصر السلطان المؤيد وفوض إليه تدريس الحديث بالمدرسة المؤيدية عند افتتاحها وصار من خلصاء السلطان المؤيد، وألف له كتابًا في سيرته وسماه "السيف المهند في سيرة الملك المؤيد".
وحينما استقر الظاهر ططر وتولى السلطنة زاد في إكرام العيني لسابق صحبته معه، وعلت منزلته عنده، وأسرع بتأليف كتاب في سيرته وأسماه "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر".
كما قام بترجمة كتاب القدوري في فقه الحنفية بناء علي توجيه هذا السلطان، ولما تولى الملك الأشرف برسباي السلطنة قربه إليه، ونال البدر من رفعة المنزلة وعلو الدرجة في أيامه ما لم ينله في أيام غيره من السلاطين حتى كان يسامره ويقرأ له التاريخ الذي جمعه -وهو عقد الجمان- باللغة العربية ثم يفسره له بالتركية لتقدمه في اللغتين؛ وعلمه كثيرًا من أمور الدين حتى حكي عنه أنه كان يقول: لولا البدر العيني لكان في إسلامنا شيء، وعرض عليه النظر علي أوقاف الأشراف فأبى فولاه حسبة القاهرة، ولم يزل يترقى عنده إلي، أن عينه لقضاء الحنفية في ربيع الآخر سنة تسع وعشرين عوضًا عن التفهني ويقال: إنه لم يجتمع القضاء والحسبة ونظر الأحباس في آن واحدٍ لأحد قبله.